قضايا وآراء

مصر ومفاوضات سد النهضة.. البكاء على اللبن المسكوب

1300x600

ينص البند الخامس لاتفاقية مبادئ سد النهضة، والتي وقعها السيسي مع رئيس وزراء إثيوبيا ورئيس دولة السودان في آذار/ مارس 2015، على ضرورة تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدوليين، واحترام المخرجات النهائية للتقرير الفني الختامي للجنة الثلاثية بشأن الخطوط الإرشادية لقواعد ملء خزان بحيرة سد النهضة، ونماذج التشغيل السنوية؛ التي يجب أن تضبط بين وقت وآخر للتماشي مع متطلبات إثيوبيا في توليد طاقة كهربائية كافية بشكل متواز مع عدم الإضرار بتدفقات النيل الأزرق للسودان ومصر، بحيث ينشأ نوعا من التناغم الهيدروليكي بين بحيرة خزان سد النهضة وبحيرة ناصر.

ولقدد حدد البند الخامس من تلك الاتفاقية ضرورة الانتهاء من كامل مفاوضات سد النهضة الخاصة بملء بحيرة السد خلال 15 شهرا؛ من تاريخ بدء الدرسات الاستشارية للمكاتب الهندسية الفرنسية المسؤولة عن دراسة التأثيرات الهيدروليكية والهيدرولوجية والبيئة على دولة الممر ودولة المصب نتيجة تشغيل سد النهضة.

1- كان من المفترض وفقا لهذا البند الصريح أن تنتهي الدرسات الفنية وقبول نتائج المكاتب الاستشارية مع نهاية عام 2016، وذلك في أسوأ الظروف. واليوم وبعد مرور أكثر من عامين ونصف على التاريخ النهائي للانتهاء من الدراسات الاستشارية، تجد مصر نفسها أنها لا زالت في خانة "الصفر"؛ لم تتحرك قيد أنملة على الرغم من عقد 19 لجنة مفاوضات فنية على مدار أربع سنوات ونصف، استنفدت فيها مصر كل ما لديها من صبر، وأظهرت أيضا كل ما لديها من "قلة حيلة".

2- فعلى الرغم من الكلام المعسول للسيسي بعد كل اجتماع بينه وبين رئيس وزراء إثيوبيا وحكومة السودان، لم تلتزم إثيوبيا بأي من وعودها بأي من بنود اتفاقية المبادئ، بل استحلبت مصر وبعض دول الخليج (ماديا)، كما يستحلب الذئب ضرع الجمل. فلا شبع الذئب ولا قل صبر الجمل. ففي كل زيارة للسيسي لإثيوبيا يشجع الشركات المصرية على الاستثمار في البنية التحتية لإثيوبيا، ويطلب من الإمارات العربية أن تدعمه في موقفه من خلال تقديم استثمارات ضخمة في الدولة الإثيوبية، ووديعة مالية ضخمة في البنك المركزي الإثيوبي، لعل آبي أحمد يلتزم بوعده الذي قطعه للسيسي قبل ستة أشهر مضت؛ عندما أقسم بالله العظيم ثلاث مرات أنه لن يضر مصر.


3- إلا أن الواقع يؤكد أن آبي أحمد يتعامل مع السيسي من منطلق أجندة وطنية؛ تجعله لا يعطي أي اعتبارات مادية لأي من الاستثمارات المصرية أو الخليجية في إثيوبيا، ويفضل عليها تحقيق حلم المواطن الإثيوبي البسيط في رؤية سد النهضة يكتمل وينتج كهرباء "الخير والأمل" التي ستجعل المواطن الإثيوبي أغني أبناء القارة الإفريقية، كما تدعي وسائل إعلام التحالف الحاكم الإثيوبي.

4- السيسي ونظامه لا يفهمان ولا يدركان معنى أن تكون رئيس دولة تعمل من منطلق "أجندة وطنية"، ولذلك يشعر السيسي اليوم بأن آبي أحمد قد خدعه عندما أقسم أمام الشعب المصري بأنه "لن يضر الشعب المصري"؛ في وقت تصرخ فيه حجارة سد النهضة بكل ما لديها من قوة معترفة بأنها لسوف "تضر الدولة المصرية"، ولو كذب الكاذبون أو نافق المنافقون وتغنوا في جمال وفوائد هذا السد على الدولة المصرية.

5- ومع الإعلان المفاجئ والصريح لوزير الري قبل شهر مضى بأن الدولة المصرية قد خسرت خمسة مليارات متر مكعب العام الماضي، دون أن يحدد سبب ذلك العجز، والذي لا يمكن أن يكون نتيجة تغيرات مناخية؛ لأن فيضان عام 2017 وعام 2018 كانا فوق المتوسط، والدليل على ذلك وصول منسوب بحيرة ناصر خلال شهر تموز/ يوليو 2019 لأعلى منسوب لها (أي منسوب 178 مترا فوق سطح البحر)، وهو منسوب فتح مفيض توشكي وإهدار المياه بأراضي الوليد بن سلمان ومستثمري الخليج العربي بأراضي توشكي. وهذا حتى قبل وصول نقطة مياه واحدة من فيضان آب/ أغسطس 2019. ولذلك، فمن المتوقع جدا أن تكون تلك الخمسة مليارات متر مكعب قد فُقدت بسبب تراكم مياه النيل الأزرق أمام سد النهضة لقرابة أربعة أشهر خلال فصول الفيضان وتخليق بحيرة صغيرة يتسرب عبر أراضيتها ملايين الأمتار المكعبة يوميا بسبب ما بها من وديان عميقة؛ لا يعرف حتى اليوم إلى أين تتجه تحت الأرض، وإلى أين تتسرب كل تلك المليارات من الأمتار المكعبة، والتي كان من المفترض أن تنساب بهدوء إلى بحيرة ناصر لتتجمع هناك؛ مثلما يحدث كل عام منذ اكتمال بناء السد العالي.

6- إعلان نظام السيسي عن خبر تأجيل الاجتماع الثلاثي لقرابة شهر آخر (تحديدا ليومي 15 و16 أيلول/ سبتمبر بدلا من 19 و20 آب/ أغسطس) استجابة لمطلب الحكومة الإثيوبية بضرورة تأجيل هذا الاجتماع؛ يعكس بوضوح خضوع إرادة الدولة المصرية تماما لإرادة إثيوبيا، وإدراك السيسي لحقيقة استجدائه المذل لعقد دورة جديدة من المفاوضات، لعل وعسى الدورة العشرون القادمة قد تأتي بأي نجاح فشلت فيه الدورات الـ19 الماضية. إلا أن إثيوبيا تصر على بيع "السراب" للسيسي ونظامه، وهي تدرك بأنه يدرك أنه "لاحول له ولا قوة" إلا أن ينتظر ثم أن ينتظر، فما جعله "لا" يغضب من ضياع أربع سنوات ونصف من مفاوضات "جدباء" سيمنعه من أن "لا" يغضب لو انتظر حتى أن يرى بعينه ملء خزان سد النهضة.

7- فأقصى ما يمكن أن يفعله السيسي اليوم، وبعد اقتراب اكتمال سد النهضة وتشغيله قبل انتخابات الرئاسة بإثيوبيا في أيار/ مايو 2020، هو أن يقدم اتفاقية مبادئ سد النهضة للبرلمان المصري ليرفضها من جانب واحد، وبهذه الشكلية "يغسل إيده" (متأخر) جدا من تلك الاتفاقية الرخوة التي لا تعترف بحق مصر في حصتها وترفض الاعتراف باتفاقية 1959، متوهما أنه عندئذ سيبدو في أعين "أتباعه" رئيسا وطنيا لا يقل وطنية عن آبي أحمد في إثيوبيا، وأنه سيسعي لتحقيق "الأمن القومي المائي" للدولة المصرية.

8- احتمالية إلغاء اتفاقية مبادئ سد النهضة بعد وصول آخر نقطة فيضان لهذا العام إلى بحيرة ناصر هي احتمالية كبيرة جدا، وقد يصاحب هذا الإلغاء جولة "حرب إعلامية" بين مصر وإثيوبيا قد تتحول خلال فترة قصيرة جدا إلى حرب حقيقية. ولقد لوحظ خلال الأشهر الماضية ظهور العديد من الفيديوهات العسكرية التي تظهر خطة الطيران المصري في تدمير سد النهضة؛ فيديوهات قد تكون صادرة من كتائب السيسي الإلكترونية أو حتى إدارة التوجيه المعنوي بالجيش المصري، وذلك كنوع من الحرب النفسية ضد إثيوبيا.

9- إلا أن الأمر قد يتحول يوما قريبا لواقع على الأرض، وهذا ما جعل الحكومة الإثيوبية تقترض من البنك الأفريقي قرابة مليار دولار أمريكي قبل ثلاثة أشهر، بهدف تأسيس بنية تحتية للسدود الكهرومائية على أراضيها، فما كان منها إلا أن صرفت جزءا منها على شراء منظومة الصواريخ الدفاعية الإسرائيلية "سبيدر"، والتي تم نصبها قريبا من سد النهضة، في قاعدة عسكرية إثيوبية بنيت خصيصا للدفاع ضد أي عملية تدميرية تستهدف سد النهضة.

10- هذا في وقت لا زال العديد من علماء الجيولوجيا في مصر يتحيرون عن السبب الحقيقي للهزة الأرضية ذات الـ2.7 ريختر، والتي ضربت شرق القاهرة الساعة 11:30 ليلة 13 تموز/ يوليو لمدة 30 ثانية، وتبين من خلال مدير مركز التنبؤات الفلكية والزلازال في القاهرة أن سبب تلك الهزة الأرضية ليس جيولوجيا، بل هو سبب "صناعي إنساني".

وأنا كمواطن مصري أسأل مدير المركز الفلكي والزلازال في مصر: ما هو ذاك الشيء الصناعي الموجود على أرض الدولة المصرية طولا وعرضا وقادر على إحداث هزة أرضية قوتها 2.7 ريختر لمدة 30 ثانية؛ غير أن تكون تجربة لتفجير القنبلة الفراغية المصرية (نصر 9000) والتي صممها وزير الدفاع السابق المشير أبو غزالة عام 1981، بهدف تحقيق الأمن القومي المائي للدولة المصرية، والذي يبدأ من بحيرة "تانا" بإثيوبيا، وحتى نهاية مصب "دمياد ورشيد" على البحر الأبيض المتوسط؟