قضايا وآراء

الأغوار.. من آلون إلى نتنياهو

1300x600
إفصاح بنيامين نتنياهو عن نيته ضم الأغوار الفلسطينية، قبل أسبوع من الانتخابات الإسرائيلية، لم يأت من فراغ، ولا من قبيل التنافس الانتخابي الذي يرفع لواءه رئيس الحكومة الإسرائيلية بتوسيع دائرة الاستيطان، بل هو من صميم عمل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ونتاج التفكير الصهيوني الذي بدأ يعد هزيمة حزيران67 ، وسيطرة الاحتلال على منطقة الأغوار الفلسطينية التي أنهت الوجود الكلي للفلسطينيين في الغور فور سيطرة الاحتلال على الضفة الغربية، وقامت بطرد الرعاة والفلاحين من قراهم المحاذية لنهر الأردن، وتدمير وجرف نحو عشر قرى في المنطقة. وتم البدء على الفور في إقامة أول بؤر استيطانية في الأغوار، لقطع امتدادها الجغرافي مع الأردن.

المشهد في الأغوار مليء بالمستوطنات والكيبوتسات الزراعية؛ التي تشكل رافدا مهما في عجلة الاقتصاد الإسرائيلي، بفعل السيطرة على الأراضي الخصبة، ومصادر المياه الغنية في تلك المنطقة، فضلا عن مناخها الملائم للاستثمار الزراعي.

فقد وقعت المنطقة تحت الأطماع الصهيونية، كما بقية المناطق والأراضي المحتلة، غير أن موقع الأغوار الاستراتيجي كان في سياق الاهتمام لرؤساء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وهو الأمر الذي أرسى دعائمه وزير العدل الإسرائيلي في حكومة ليفي أشكول، يغال آلون، عبر مشروعه الذي حمل اسمه، والذي قدمه للحكومة الإسرائيلية في 25 حزيران/ يونيو 1967، بعد أيام من السيطرة على الغور، بإبقاء السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن ومستوطنه "غوش عتصيون" وجزء من جبل الخليل و"القدس الموحدة".

فقامت سلطات الاحتلال، ببناء وتوسيع البؤر الاستيطانية في الغور وبالقرب من محافظة أريحا، وجميعها تتبع المجلس الاستيطاني "ارفوت هدارين" (وادي الأردن)، ويناهز عددها 35 مستوطنة، أبرزها: متسبي يريحو، الموج، فيرد يريحو، يطاف، بتسئيل، نعران، نتيف هجدود، مسواه، معالي أفرايم، جلجال، أرجمان، بيت هعرفا، تومر، نعامي، يافيت.

وتقدر مساحة الأراضي التي تسيطر عليها المستوطنات بنحو 7863 دونما، أما المساحة التي تسيطر عليها البؤر الاستيطانية فتبلغ حوالي 267 دونما، في حين تسيطر المعسكرات والقواعد العسكرية ومناطق التدريب للجيش الإسرائيلي على نحو 3962 دونما.

نية نتنياهو ضم منطقة الغور وشما البحر الميت تعني السيطرة الكلية على 25 في المئة من مساحة الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967. وتعزيز الاستيطان في هذه المنطقة وضمها هو عمليا موت كلي لمشروع حل الدولتين، إذ يُحرم الفلسطينيين من مليون ومئتي ألف دونم، دون الاستفادة منها، كما هو حاصل منذ أكثر من خمسة عقود. وفي أكثر من مناسبة كرر الفلسطينيون أنه لن تقوم دولة فلسطينية لا يكون الغور جزءا منها، وضمها فعليا يحرم الدولة الفلسطينية "الموعودة" من حدودها الشرقية.

لقد طبقت حكومات الاحتلال الإسرائيلي المتعاقبة منذ 1967 خطة آلون بصمت، وفرضت سياسة خرم الإبرة لحشر الفلسطينيين بين الحواجز والجبال. فبعد سياسة التهجير والاستيطان والإفراغ التدريجي للحياة الحضرية في المنطقة، وهدم التجمعات السكانية التي نشأت بعد الاحتلال، يكتمل فصل السيطرة فعليا ولم يبق سوى إعلان الضم النهائي الذي يفصح عنه بنيامين نتنياهو، وهو أمر اعتادت عليه عقلية الاستيطان والسيطرة الصهيونية للتعاطي مع الأراضي الفلسطينية المحتلة في القدس والخليل، ورام الله ونابلس، وبقية المدن المحاطة والمخترقة بثقوب الاستيطان.

لم تتبدل عقلية وسياسة الاستيطان الإسرائيلي بما يخص الأراضي الفلسطينية المحتلة.. المتبدل الوحيد الظروف المحيطة بجرأة التعاطي مع ملف الضم والسيطرة على الأرض في بازار انتخابي، قبله وتحته يجري كل شيء بهدوء، وكل شيء محيط في منطقة الأغوار ينطق باسم "آلون".

تبقى المواقف الفلسطينية الرافضة والمنددة لسياسة الأمر الواقع التي يحاول فرضها بنيامين نتنياهو، بضوء أخضر من ترامب، والمواقف العربية الخجولة والصامتة هي التي يغرف منها العقل الإسرائيلي لاستنباط وسائل فرض السيطرة والعدوان المستمر، لكن تبقى الإمكانية العملية لعدم السماح باستقرار هذا الواقع، وتحوله إلى قدر ثابت تمهيدا لتغييره متوفرة وقائمة، خارج دائرة ردود الفعل على السياسة الإسرائيلية، كما هو شائع منذ زمن طويل بدءا من مشروع يغال آلون، وانتهاء بنية نتنياهو، وبينهما مرارة يتجرعها الفلسطيني.