قضايا وآراء

نظرة تأملية في أطراف معادلة الثورة المصرية

1300x600
دعونا نتأمل معادلة الثورة المصرية بأطرافها والمؤثرين فيها داخليا وخارجيا، بعيدا عن التحليلات الجزئية لكل طرف من أطرافها وأهدافه، وبعيدا كذلك عن المفروض والممنوع أو المحظور الذي يُلزم كل طرف به نفسه وتحركات أتباعه، وتأييده أو رفضه.

من المسلّم به أن مصر وبقَدَرٍ تاريخيّ هي محور رئيس في كل ما يمر بالشرق الأوسط والمنطقة العربية، والذي بالضرورة يلقي بتبعات أحداثه على الوضع العالمي. وهذا ما شاهدناه عيانا بعد ثورة 25 يناير، فلم يكن لثورة تونس (والتي كان لها السبق ولا شك في الحراك الذي شهده من بعدُ الربيعُ العربي) ذلك الأثر الذي كان لثورة مصر ولا الاهتمام والقلق العالمي، فما لبثت أن تبعتها ثورة ليبيا وسوريا واليمن، وبدأت بوادر الحراك في البحرين وإن كان البعض يراه طائفيا، وتحركت في الخفاء أياد أنذرت بتحولات تلوح في الأفق؛ تمثلت في مطالبات للشيعة في المنطقة الشرقية بالسعودية.

وبعيدا عن كون العالم لا يهتم بالحريات في بلادنا أو يُعنى بحقوق الإنسان بشكل حقيقي فيها؛ فإن الصورة التي بدت ظاهرة للعيان أن العالم تُحركه بالدرجة الأولى مصالحه السياسية والاقتصادية، وما سينعكس عليه لو نجحت هذه الثورات في العالم العربي.

لا يظن أحد (كما توهمنا نحن ثوار يناير) أن نجاح الثورة متحقق بسقوط مبارك أو حتى بسقوط نظامه (إن حدث)، فالمعادلة يا سادة اوسع وأعقد من ذلك، وتلعب فيها الأطراف الخارجية الإقليمية والعالمية دورا ليس بالقليل. وفي حال الثورة المصرية تحديدا، أخص دور تحالف الثورات المضادة. فلقد نجح هؤلاء بخداع الكثيرين حينما أظهروا خلاف ما يبطنوا، ثم وجدوا حاضنة خيانة تمثلت في الانقلاب على التجربة الديمقراطية الوحيدة التي شهدتها مصر، والتي ساعدتهم على تغيير المعادلة، والتحرك بمكر مالي وفجر إجرامي وتأييدا دوليا لوأد الثورة المصرية. وللأسف كنا نحن المعينين لهم بصراعاتنا الغبية وكرهنا لبعضنا البعض، والانتهازية السياسية للبعض، وانقسامنا وعدم نضوج الوعي الكافي بطبيعة ومصاعب التحول الديمقراطي في مصر، وهي معركة النفس الطويل، وان كانت تتلقى الكثير من الضربات القاضية، والمستمرة حتى الآن..

إذن، الأمر باختصار يتمثل في طرفين لهذه المعادلة التي صنعتها الثورة المصرية: طرف الثوار المطالبين بالحرية والتغيير على اختلاف أطيافهم، ورؤيتهم لتحقيق الحرية لوطنهم، والكرامة والاستقلالية لشعبهم، وطرف آخر عدو لدود لهذه الثورة، وهذا العدو شاء لنا عالمنا أن يجعله خارجيا وداخليا، فخارجيا (كما قلنا) يتمثل في الوضع العالمي القائم والمصالح الموجِّهة لسياساته، بعيدا عن حرية الشعوب وتطلعاتها.

أما العدو الداخلي (للأسف) فهو أضعف الأطراف؛ لأنه لا يعدو كونه أداة نفعية لتلك الأهداف، تحركه فقط مصالح أصحابه الشخصية. وقد نجح هذا العدو (وساعدناه نحن) في أن يغير المعادلة بعد الانقلاب بالقمع والتنكيل الذي شهدناه وسكت العالم عليه، بل وأيده ودعمه، ونجح كذلك في شيطنة الثورة.

والآن.. بعد أن رأينا ولسبب أو لآخر؛ نسائم الأمل والحرية تهب من جديد على مصر على يد أبناء جيل جديد لم يكسره الخوف، ومعهم هذه المرة أكثر أبناء الشعب الذي بدأ يرى الصورة بعد أن سحقه الفقر والعجز والقهر والظلم والفساد. وبظني أن الشعب قادر على قلب موازين القوة، وهو الرقم الصعب في المعادلة، والتغيير قادم بلا شك، ولا أعتقد أن ذلك سيطول.

لكن.. لا بد لنا أن نعي الدرس جيدا، ونتعلم من أخطاء الماضي وكوارثه التي وقعنا فيها جميعا وأوقعنا وطننا فيها؛ حتى إذا نجحت صرخات الشعب في إسقاط هذا النظام، يكون لدينا الوعي الكافي والإرادة المخلصة لإدارة الموقف، والتعامل الصحيح مع الذي (ولا شك) لن يتركنا أبدا ننال حريتنا واستقلالنا، كما فعل من قبل.