قضايا وآراء

"نبع السلام" والعضلات المزيفة

1300x600
العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية، ومنذ تسعة أعوام، مقنّعة كانت أم مكشوفة، تقوم بالأساس على أهداف بعيدة كل البعد عن طموحات الشعب السوري، وتتخذ لنفسها استراتيجية مدروسة ومحسوبة.

هذا ما تؤكده لنا مجريات الأعوام الماضية، وهذا ما يؤكده لنا ظهور المواقف السياسية من العملية العسكرية التركية ضد "المليشيات الكردية" ومناطق سيطرتها في الشمال السوري، سبقتها مئات العمليات العسكرية للنظام في دمشق وحلفائه، وكل قوى الاحتلال، وأدت لسقوط ملايين الضحايا بين قتيل وجريح ومهجر.

الاستراتيجية العسكرية المتّبعة ضد الشعب السوري، التي بدأها وأسس لها وفتح الأبواب على مصرعيها لكل من هب ودب؛ نظام الأسد، مقابل الحفاظ على كرسي الحكم وحلم التوريث، دفع السوريون أثمانا باهظة، فأعمال النظام وطرقه العدوانية وممارساته ضد السوريين كشفت بؤس السيادة على الأرض؛ التي مُنح جزء منها ومن اقتصادها لقوى الاحتلال الإيراني والروسي. فهل كان يتوقع أصحاب البلد أن تقف خريطة العدوان عند التقاسم المرسوم فقط وبيع المواقف اللفظية لمعاناتهم. بالتأكيد هناك جزء توهم بانتفاخ عضلاته العسكرية من حقن الدعم المشروط بأجندة على أبناء جلدته، ثم ما تلبث أن تتلاشى العضلات إن تعلق الأمر بمختلف الاحتلالات، لتنتفخ تارة أخرى إن تعلق الأمر بحرية وكرامة الشعب السوري.

لم يستفد أصحاب العضلات المزيفة، والجيوب المنتفخة، من دروس التاريخ المعاصر، ولا من استحقاقات الدم التي تروي كل يوم جداول السوريين. وحيثما تواجد سوريون يحملون في صدورهم الحقد الأزلي على الأسد، يتوجب على استراتيجية المصالح أن تتفق على ضرب وبعثرة قوة السوريين. كل اعتداء وقع على مقدرات الشعب السوري، في البشر والحجر والجغرافيا والتاريخ، يعود مردوده على النظام وحلفائه، وبالمحصلة على قوى الاحتلال الداعمة له.

الاحتلال الروسي والإيراني والأمريكي والتركي والإسرائيلي، مع عصابات الأسد ومليشياته والإرهاب، لا يمارسون العدوان على السوريين صدفة، بل يرتكزون إلى سياسة وتوجه معروف وليست بحاجة لتذاكي توضيح هدفها. ومن تعبيرات ذلك، أن مليشيات السوريين التي تتبع الأسد أو تتبع بعض فصائل المعارضة وتحالف الكرد، تختلف في الأجندة وتتفق على الالتزام في مد جيوبها بالمال، وغرف عملياتها بالعتاد من خزائن لا تلتقي مطلقا مع طموحات وآمال الشعب السوري. ومن التعبيرات الصارخة أيضا المواقف السياسية، التي تدين العملية العسكرية التركية، لكن ليس لخدمة مصالح السوريين، بل مصالح النظام الذي ينتظر حصد نتائج إبادة ثورة السوريين مع قوى الاحتلال المختلفة، وهو ما تفعله أعمال العدوان منذ اليوم الأول للثورة ومنذ الرصاصة الأولى والبرميل الأول والصاروخ الأول، فلم تعد هناك قذيفة وصاروخ "وطني" إلا في حالة الاستعمال الدعائي.

أكاذيب الصراخ السخيف والبيانات المتهاكلة عن السيادة ووحدة أراضي "الجمهورية العربية السورية" تتردد منذ أكثر خمسة عقود، فما الذي تغير في المواقف السياسية الآن" في رفع الصوت عاليا من عملية "نبع السلام"، مع أن عمليات عدوان عاصفة السوخوي، ويا لثارات الحسين والقصير وحلب وحماة، وملطشة الاحتلال الصهيوني اليومية لمواقع النظام وحلفائه، ومجازر الأسد ومليشياته، وعصابات الاحتلالات المتعددة، جعلت لسان الصارخين في صمت أبدي. حتى في مجازر وجرائم استخدام غاز السارين والنابالم والكلور كانت المواقف قياساً مع الموقف من "نبع السلام" خجولة ولا ترتقي لحجم الجرائم، التي كلفت السوريين مئات آلاف الضحايا، وملايين المهجرين الذين تحولوا لسلعة رائجة يتم تسول وابتزاز المواقف بمعاناتهم.

نتقصد في ذكر عمليات العدوان لا للمفاضلة بينها، بل للتذكير أين وصلت ما أنتجته سياسة الإدانة الكاذبة، والصمت الدولي والعربي لمقتلة السوريين، والتبني الصريح وحماية رأس النظام من قوى الاحتلال المختلفة وعلى رأسها الأمريكي والروسي والإسرائيلي، والقفز عن جرائمه، ما سمح بفيضان نهر الدم السوري.. وتم تجاهل كل علاقة تربط إجرام الأسد مع جرائم العدوان المختلفة على السوريين، والابتعاد عن الالتزام بأبسط قواعد الأخلاق مع مطالب السوريين بالتخلص من القاتل في دمشق، والتركيز على "جريمة نبع السلام" دون الالتفات إلى نهر الدم السوري الذي شق خلده ساكن قصر المهاجرين، لمنحه مزيدا من الوهم بتحويل مجرى نهر الدم، الذي لن توقفه تحذيرات سمعها السوريين آلاف المرات من حناجر تتحجرش كلما سال الدم السوري!!