مقالات مختارة

مصر: مقدمة في الخداع والمراوغة الرئاسية والحكومية

1300x600

في البداية قد يبدو مقال هذا الاسبوع عن شأن محلي لا يُستحب تناوله في صحيفة تصدر خارج الفضاء الإعلامي العربي الرسمي وغير الرسمي، بقيوده وتعقيداته، وأتصور ما أتناوله هو لكشف طبيعة نظم الحكم؛ خاصة في مصر، وقيامها على الخداع والتسويف، وموضوع اليوم ليس شأنا محليا ولا يخص أبناء مصر وحدهم، لكنه مثال له دلالاته الخطيرة وكاشف لتلاعب رجال الحكم والوزراء في أكبر بلد عربي، وفاضح في الخداع والنصب الرئاسي والحكومي، ويُمارس من عناصر كنا قد تصورنا أنها ولت الأدبار، لنكتشف أنها نجحت في تغيير هيئتها وجلدها، وبعد أن لملمت شتاتها عادت أكثر خداعا وتلاعبا مما كان قبل شباط/فبراير 2011؛ تاريخ خلع الرئيس الأسبق حسني مبارك من الحكم، بعد ثلاثة عقود من الاستبداد والفساد والتبعية، وكان قد تصور أن إحكام قبضة نظامه ودولته البوليسية على الأوضاع بلا رحمة ستبقيه أبد الدهر؛ له ولأسرته من بعده.
ونموذج التعامل الرئاسي والحكومي الحالي مع المواطن المصري غريب وعجيب ومعيب، ونبدأ بتصريح «االمشير» السيسي، الذي لم يستفزني وحدي، بل استفز من أعرفهم وكثيرين غيرهم، ففي آخر حديث له بدمياط، ألقى بقنبلة من قنابله المعتادة؛ كـ«إنتم فقرا قوي»، وقنبلة الرد على ململة الناس من الجبايات بقوله؛ «حتدفعوا يعني حتدفعوا»؛ أي الدفع بالإكراه، بعيدا عن القانون أو السياسة والمنطق، ويستمر في قذف قنابله سريعة الانفجار في وجه الجميع؛ «أنا ما عنديش علشان أديك (أعطيك)، لو عندي حديك (سأعطيك)» وهو مَنّ على صاحب فضل وضعه على رأس دولته، وهو الشعب، أو كأنه يقوم بالصرف عليه من جيبه الخاص ومن ثروته وثروة آبائه وأجداده، ونسي أنه موظف لدى الشعب، وعليه أن يكون في خدمته وطوع بنانه، وعلى «المشير» أن يتوقف عن هذه الإهانات المتواصلة، وهذا مُنافٍ لأصول اللياقة واللباقة والكياسة. وإذا كان السادات قد صَغُر بمصر لمستوى القرية، فإن «المشير» انخفض بها لحجم المزرعة.
والمستفِز في كلام «المشير» الأسبوع الماضي، هو اعتبار أن الخطر الحقيقي على مصر هو خطر الداخل، وهو على قناعة بأنه: «لا يوجد خطر على مصر إلا من الداخل، داعيا للنظر إلى ما يجري في المنطقة والحفاظ على أمن مصر وحمايتها»، والرسالة واضحة لإبعاد أنظار الداخل عما يجري له في الخارج؛ بعلاقات مثيرة للجدل وصفقات مشبوهة، وأفاض: «الدولة تعمل على حل مشاكل الكهرباء والصرف الصحي والمياه والغاز، ويجب على الدولة والمواطنين احترام التخطيط المتكامل»، والأهم هو إشارته إلى أحد محرمات القاموس الرئاسي المصري الراهن، فللمرة الأولى؛ في حدود علمي، يتلفظ بتعبير «التخطيط» ويضيف إليه صفة «المتكامل»، فينفي عن نفسه ما يتردد عن غرقه في العشوائية، والعمل بطربقة «مقاول الباطن»، أو بأسلوب مورد عمال البناء، الذي يريد من كل منهم «ألا يرى ولا يسمع ولا يتكلم»، عملا بهذه الحكمة الصينية.
السيسي يتصور القوة في القمع والتنكيل وقطع الألسنة، وهي أبرز شواهد الضعف؛ فالتنكيل سهل، والقمع يسير، وقطع الألسنة ممكن؛ لكن الثمن باهظ.
ومن تنبه أن هناك شيئا اسمه «تخطيط» بعد خمس سنوات من الحكم؛ عليه أن يعرف أن التخطيط لا قيمة له؛ دون تجويد، وتقييم، وتقويم، ومراجعة، وتصحيح، وكلها أمور لا علاقة لها بتعبير تخطيط التي قالها؛ بمعزل عن كل ذلك، لذا فمشاكله واقعيا أعقد بكثير من نطقها لفظيا، ومع ذلك جاءت متأخرة خمس سنوات؛ تدنى فيها مستوى معيشة الطبقات الوسطى وما دونها، وزادت فيها أعباء الديون عن طاقة المجتمع والدولة على سدادها، وأضحى نهر النيل الخالد مهددا، وتهددت معه حياة المصريين ووجودهم ذاته، وكانوا وما زالوا لا يملكون غيره، وهو رأسمالهم المتجدد؛ اخترعوا به الزراعة، وبنوا على ضفافه القرى والمدن واستوطنوها، فتحولت إلى مجتمع ثم صارت وطنا منذ فجر التاريخ؛ هو الأقدم، وأضحى حضارة ما زلنا نتمسح بها، ونتكسب من ريعها، وهي حضارة لم تكشف عن كل مكنوناتها بعد.
صحيح أن «المشير» أمر بشق تفريعة جديدة لقناة السويس، مولها المصريون من «حر مالهم»، دون طلب من «صندوق النقد الدولي» أو ممالك النفط. فقد كان المصريون يأملون منه ألا يمد يده لأحد، وتعلم التاريخ منهم أنهم أشداء وقت الشدة. ولأن «المشير» يعجز عن فك شفرات الشعوب، لذا خذل المصريين، حين توجه إليهم قائلا «إنها هديته للعالم»، وسلبها من أيدي من دفعوا تكلفتها؛ دون عون أباطرة المال والمرابين والفجار، الذين أكلوا مصر لحما ويرمونها عظما، والشعب المصري العريق يصفه «المشير» بأهل الشر، وهم من هبوا وقدموا له في ثمانية أيام فقط 64 مليار جنيه؛ بقيمتها قبل التعويم، والمثل يقول: «من لا يرى من الغربال أعمى».


صحيح أن «المشير» زاد من شبكات الطرق، وأقام معها مزارع سمكية، ومصر تملك أكبر البحيرات الصناعية العذبة في العالم، هي بحيرة ناصر خلف السد العالي، ولديها سواحل تزيد على ألفي كيلو متر؛ على البحرين المتوسط في الشمال والأحمر في الشرق، بجانب بحيرات عملاقة موزعة شمالا وشرقا وغربا وجنوبا. وكلها مصادر لثروات سمكية طبيعية هائلة تتضاءل بجانبها كل المزارع السمكية الصناعية، ولم تكن تحتاج أكثر من إعادة التأهيل والتطهير من التلوث والسموم التي تسربت إليها وأفسدتها.
«المشير» يتعامل مع المواطنين تعامل المقاول البدائي مع «عمال التراحيل»؛ لذا لا يُقَدِّر خطورة كلامه وتأثيره السلبي على الجبهة الداخلية؛ المصنفة حسب قاموسه ضمن «أهل الشر» وأعداء الدولة المصرية، وكل فترة يتحفنا بلفظ أو عبارة تتعمد سحب الجدارة من شعب عريق كالشعب المصري على مدى التاريخ، وفي عصور المد والقوة، وفترات الجزر والضعف، كالفترة التي يعيشها في ظروفه الراهنة.
«المشير» يتصور القوة في القمع والتنكيل وقطع الألسنة، وهي من وجهة نظري أبرز شواهد الضعف؛فالتنكيل سهل، والقمع يسير، وقطع الألسنة ممكن؛ لكن الثمن باهظ، وهذه وصْفَة لقصف عمر أي حكم حتى لو ملك كل أسباب القوة المادية والجبروت الأمني، وسأضرب مثلا عن الخداع المعتمد في التعامل مع المواطن؛ فالمواطن الذي هبط مستوى معيشته إلى درجة متدنية، يقع تحت طائلة خداع رسمي وفساد حكومي في حساب فواتير الكهرباء، وذلك هو الذي اعتذرت عنه من بداية هذه السطور، وتقوم على الخداع في جباية الفواتير، والضحك على المواطنين بدعوى تغيير العدادات العادية إلى عدادات قالوا عنها «عدادات ذكية» وهي لا تمت للذكاء بصلة، إنما تعكس شدة غباء «المرابين» الذين يتصورون أنهم الأذكى، في سبيل الحصول على المال بأي ثمن، ولو من لحم المواطنين، الذين يئنون من وطأة الغلاء والجشع. وسوف نبين «ما هو العداد الذكي، وكيفية عمله»، وكونه الجيل الأحدث للعداد العادي، ولا يعني العداد المدفوع مقدما بضعف السعر، وتطلق عليه وزارة الكهرباء «العداد الذكي» وعلى القارئ انتظار ملخص ترجمة من اللغة الإنكليزية عن تعريف العداد الذكي وكيفية عمله؟ وهذا بحاجة إلى تفاصيل لا يتسع لها المجال.

 

(القدس العربي)