اقتصاد عربي

الصين والعراق.. شراكة اقتصادية أم صراع نفوذ مع واشنطن؟

تبلغ الاستثمارات الموقعة بين العراق والصين 500 مليون دولار لعشر سنوات قادمة- جيتي

أوضح رئيس حكومة تصريف الأعمال العراقية، عادل عبد المهدي، في تصريح مقتضب، الخميس الماضي، أنه عقد اجتماعا خاصا بمشاريع الاتفاق العراقي الصيني، هدف إلى "متابعة تنفيذ المشاريع الأكثر جدوى" لتطوير البنى التحتية في مجالات عدة.

 

  

 

اللافت أن الاجتماع عُقد بالتزامن مع تصاعد الخلاف العراقي الأمريكي حول تواجد القوات الأجنبية في البلاد، وقد قوبل طلب بغداد من واشنطن الانسحاب من أراضيها بالرفض، وصاحبه تهديدات الأخيرة بفرض عقوبات على العراق.

 

وترافق مع هذا الخلاف الذي بلغ ذروته باغتيال الولايات المتحدة لقائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس، القائد بقوات الحشد الشعبي العراقية، مطلع كانون الثاني/يناير الجاري قرب المطار الدولي ببغداد، اتهامات لواشنطن بأن تصعيدها جاء لعرقلة تنفيذ الاتفاقيات الصينية العراقية.

 

اقرأ أيضا: العراق.. هل وحّدت إيران "البيت الشيعي" بمظاهرة الصدر؟
 

وروج سياسيون ونشطاء وإعلاميون عراقيون أن لدى واشنطن خشية من تزايد النفوذ الاقتصادي للصين في البلد الغني بالموارد النفطية. وأطلقوا دعوات تطالب الحكومة بالمسارعة في تنفيذ التفاهمات الاقتصادية مع بكين، وتوسيعها كرد على "العدوان الأمريكي".

 

 

 

استثمارات متزايدة

 

وتشير الأرقام إلى أن استثمارات العملاق الآسيوي تزايدت فعليا في العراق لتصل إلى 30 مليار سنويا، وفق تصريحات السفير الصيني في بغداد، تشانغ تاو، مطلع أيار/ مايو الماضي.

 

وكان "تاو" قد أوضح في ذات التصريحات أن "حجم التبادل التجاري بين البلدين يزداد ويتطور سنويا، وبنسبة 10 بالمئة"، وبين أن "الصين أكبر شريك تجاري للعراق، وكذلك يعتبر العراق ثاني أكبر مورد نفطي للصين، ورابع أكبر شريك تجاري للصين في الشرق الأوسط".

 

وتتعلق معظم الاستثمارات الصينية في العراق بقطاع النفط، كان آخرها اتفاقيات وُقعت مطلع العام الماضي،حصلت بموجبها الشركة الصينية للهندسة والإنشاءات البترولية على عقد استثمار للغاز في حقل أرطواي غربي محافظة البصرة، كما وقعت شركة "بتروجينا" الصينية استثمار الغاز المصاحب، في حقل الحلفاية بمحافظة ميسان جنوبي العراق، وسط توقعات بأن تحقق علاقات البلدين "قفزة نوعية" في هذا الصدد.

 

وأتبع هذه الاتفاقيات، زيارة وفد حكومي كبير برئاسة عادل عبد المهدي إلى الصين في الـ19 من أيلول/ سبتمبر الماضي، أفضت إلى توقيع ثماني اتفاقيات مشتركة بين البلدين تتجاوز قيمتها (500) مليار دولار للسنوات العشرة القادمة، وتجعل الصين المستورد الأكبر للنفط العراقي، إضافة للإعلان عن انضمام العراق للمشروع الصيني الضخم المعروف بمبادرة "حزام وطريق"، وهو المشروع الذي يثير قلق واشنطن من زيادة رقعة نفوذ منافسها الاقتصادي.

 

هذه الاتفاقيات التي لم تفصح الجهات الحكومية عنها، أثارت جدلا متواصلا لدى الأوساط البرلمانية والشعبية العراقية، بين فريق محذر ومشكك في جدواها الاقتصادية معتبرين أنها تنطلق بدوافع سياسية بعيدة عن تحقيق مصالح العراق، وآخرين رحبوا بها واعتبروها مرحلة جديدة تصب في صالح إعمار العراق،وتتجاوز الهيمنة الأمريكية المفروضة عليه.

 

 

التنافس على العراق

 

من جانبه يوضح الخبير الاقتصادي، أسامة التميمي، أن العراق في عهد صدام حسين كان يتمتع بعلاقات واسعة مع الصين تركزت في مجال تسليح الجيش العراقي، وبعد 2003 كان الانفتاح على الصين من قبل القطاع الخاص أكثر بكثير من الانفتاح الحكومي.

 

وفي حديثه لـ"عربي21" أيد التميمي أن "توجه العراق إلى الصين في الآونة الأخيرة يأتي بدوافع سياسية وبمشورة خارجية في إطار الصراع الدائر مع الولايات المتحدة"، ويهدف إلى "توجيه ضربة الى التواجد والهيمنة الأمريكية في العراق".

 

ويعتقد بأن هذا التوجه يعكس "محاولات تخفيف ضغط العقوبات الاقتصادية الموجهة ضد إيران وبعض المؤسسات الصينية".

 

ويلفت إلى أن: "السياسة الاقتصادية الصينية بعد تحقيق معدلات نمو عالية ومنافستها للولايات المتحدة على المرتبة الأولى باعتراف ترامب في ملتقى دافوس الأخير، تحاول بكين إحياء طريق الحرير البري الذي يمر عبر أفغانستان وإيران والعراق، والبحري عبر ميناء الفاو بأقل التكاليف والحصول على مردودات مالية هائلة بالمشاركة مع العراق ما يجعل اقتصادها يتجاوز الاقتصاد الامريكي في السنوات القادمة".

 

ونبه الخبير الاقتصادي إلى أن "جميع دول العالم المتقدم عيون شركاتها ترنو إلى العراق لما فيه الخير الكثير وأثره العظيم في تحقيق التنمية بالعديد من الدول ولهذا تجد الصراع يشتد في هذه المنطقة دون غيرها من دول العالم".

 

جدوى الاتفاقيات

 

وحول جدوى الاتفاقيات من الناحية الاقتصادية على العراق، يُقر التميمي بأن "العراق محتاج إلى كافة أنواع المشاريع وبمختلف الاختصاصات"، ويستدرك "لكن هذا ليس معناه أن نذهب به إلى الجحيم عن طريق عدم إطلاع المؤسسات المختصة على نوع الاتفاقيات" في إشارة إلى تفرد الحكومة بعقد التفاهمات دون إطلاع البرلمان وباقي مؤسسات الدولة المختصة عليها.

 

ويقول: "نحن بحاجة إلى خلق ملايين فرص العمل وملايين المشاريع، ولكن عن طريق تظافر الجهود في بحث جميع جوانب أي اتفاق على مستوى المؤسسات الاقتصادية والتشريعية، لضمان عدم وقوع العراق فيما لايحمد عقباه، وخصوصا أن الولايات المتحدة تتربص للإيقاع بالعراق في حال التوجه إلى الصين بشكل كامل".

 

ويوضح "هذا معناه أن العراق بحاجة إلى قيادة حكيمة وليست تابعة لأحد من أجل تفضيل المصلحة العراقية وجعلها فوق كل المصالح، لا أن نرهن خيرات البلد من أجل عيون إيران أو الصين أو أمريكا أو أي جهة كانت".

 

اقرأ أيضا: الصدر يدعو لتظاهرات جديدة أمام السفارة الأمريكية ببغداد
 

ومحذرا من الاندفاع غير المتوازن نحو التفاهمات مع الصين، يقول التميمي: "الصين من البلدان المتقدمة عالميا، وهذا ليس معناه أنها تخلو من الفساد والفاسدين الذين يمكن أن ينفذوا مشاريع ليست بالكفاءة المطلوبة، وعليه يجب على العراق أن يسير بخطوات حتى لو كانت بطيئة ولكن موزونة لضمان عدم الوقوع في أخطاء فادحة".

 

ويضيف: "مطلوب من العراق الانفتاح على جميع دول العالم المتقدم للحصول على الأفضل مع دراسات واقعية وحقيقية من قبل طواقم أشراف يفكرون بمصلحة الوطن والأجيال القادمة لتحقيق بنى تحتية ضمن خطط خمسية أو بأطر زمنية ضيقة، أو من خلال توقيع اتفاقيات صداقة غير ملزمة ويمكن بواسطتها إبرام أي اتفاقيات لتنفيذ مشاريع مختلفة، لأن الاقتصاد العالمي فيه متغيرات سريعة وقد ولى زمن الاتفاقيات طويلة المدى".

 

وعقّب على طبيعة الفريق الحكومي الذي قاد الاتفاقيات مع الصين بالقول: "أثبتت الحقيقة أن عادل عبد المهدي شخصية ليست بالعبقرية الاقتصادية، كما يروج، إنما بإمكانيات محدودة، ومثل هذه القرارات الخطيرة لا يجب أن تُبنى على خلفيات سياسية وإنما وطنية صرفة".

 

وينوه: "قبل الحديث عن التنمية علينا إنجاز المشهد السياسي المستقل، وإيصال الأشخاص النزيهين إلى السلطة، ومحاسبة الفاسدين وإعادة الأموال المنهوبة، وعندها يمكن بناء استراتيجية اقتصادية أساسها مصلحة العراق أولا".

 

وختم بالقول: "إلى الآن لا توجد اتفاقيات وإنما مذكرات تفاهم، وإذا ما أرادت الحكومة تمريرها من خلال قانون الموازنة فسيكون هذا خرقا فاضحا، ويثير جملة من الشكوك حول الموضوع".