أفكَار

السودان.. أطروحات لتجديد الخطاب الإسلامي ما بعد الثورة

مفكرون سودانيون يعيدون طرح سؤال تجديد الخطاب الديني بعد نهاية عهد الإنقاذ (عربي21)

منذ سقوط نظام حكم عمر البشير في السودان مطلع العام الماضي عقب مظاهرات احتجاج شعبية عارمة، جرت مياه كثيرة في نهر التغيير السياسي في السودان، ربما كان ملمحها الغالب هو تحميل مسؤولية كل ما أصاب السودان في العقود الثلاثة الأخيرة إلى تيار الإسلام السياسي، ومن خلالها إلى المرجعية الإسلامية.

لم يكتف قادة السودان الجدد فقط بتوجيه سهام نقدهم إلى قادة ورموز الإسلام السياسي الذين حكموا البلاد منذ انقلاب حزيران (يونيو) 1989 فقط، وإنما اعتقلوا رأس النظام ورموزه من دون أن يميزوا بين مكونات الصف الإسلامي، حيث أن قسما كبيرا منهم كان في الأصل جزءا من المعارضة، ومن القوى الرئيسية التي أضعفت نظام البشير.

ومع أن الوقت لا يزال مبكرا لمطالبة قادة الإسلاميين السودانيين بتقديم مراجعات جدية في تجربتهم، حيث ان كثيرا منهم الآن إما في السجن أو في المنفى، أو في أحسن الأحوال في بيته أو في عمله الخاص إذا كان له ذلك، إلا أن ذلك لم يمنع عددا من المفكرين والنشطاء المحسوبين على التيار الإسلامي في السودان من بحث إمكانيات تجديد الخطاب الديني بما يأخذ بعين الاعتبار المستجدات السياسية والفكرية التي حدثت في السودان والمنطقة العربية والعالم.

الإعلامي السوداني خالد سعد، يسلط الضوء في هذا التقرير الخاص بـ "عربي21"، على مسعى عدد من المفكرين السودانيين لتقديم قراءة جديدة في الخطاب الإسلامي، تعيد النظر في أخطاء الماضي في ضوء تحديات الحاضر والمستقبل.  

بدأ كثير من المفكرين والمثقفين في الفكر الإسلامي، الانشغال بمهام جديدة تتعلق بإعادة النظر في الخطاب الإسلامي وتجديده للاتساق مع التحولات الكبيرة في المجال العقدي والفكري والسياسي والثقافي بعد زوال نظام الرئيس عمر حسن البشير بثورة شبابية في كانون أول (ديسمبر) العام الماضي.

وبعد صراع طويل بين المكونات السودانية العقدية والثقافية المتعددة والتي كانت من بين أسباب رئيسية لفصل جنوب البلاد في عام 2011م، ما تزال البلاد مرشحة لمزيد من التشظي والانقسام والحروب؛ إن لم يتم تدارك ذلك عبر سلسلة طويلة ومعقدة من المراجعات في المناهج والرؤى والأفكار والتصورات والمصطلحات خاصة الدينية.

تعدد الفكر

في هذا الصدد، يناقش باحثون سودانيون إمكانية الخروج من خطاب متصلب إلى خطاب إسلامي تجديدي ومتماسك ويراعي الاختلافات التي تهيمن على المشهد السوداني، ما دام الأمر متاحا شرعيا حسب الدكتور عبد الرحيم آدم محمد الباحث في مفهوم تعدد الفكر في الإسلام.

وحسب ورقة بحثية للدكتور آدم في مؤتمر نظمه مركز المقاصد في الخرطوم مؤخرا، فإن الفكر هو عمل عقلي بشري، حيث تكون أمام المفكر مجموعة من التصورات لأشياء يحتاج إلى تفكيكها وتجزئتها أحياناً كما يحتاج إلى ربطها وجمعها لينشئ منها حكما كلياً أحياناً أخرى؛ كما قد يحتاج إلى معرفة خصائصها ومآلاتها أحياناً أخرى إلى غير ذلك وهذا العمل هو عمل العقل، والعقل لكي يفكر لابد له من مقدمات ليتمكن من العمل والإنتاج المعرفي، وما كان مقدمة للفكر يسمى المنظور فيه وعليه فإن الفكر في الإسلام ليس هو عمل بشري محض.

ويرى الدكتور آدم أن تعدد الفكر تتعلق بما يعتبر دليلا وما لا يعتبر، وكيفية استخدام الأدلة، وتفاوت الناس في الإدارك، وتبلور المسلمين حول مدارس فكرية، إضافة لعوامل مؤثرة في الفرد، وجود قضايا مستجدة.

ويشير الدكتور آدم إلى أن العوامل المؤثرة في الفكر متعددة ومتداخلة ومتحركة وبالتالي لابد من اتهام النفس بالتقصير مما يسهل الاعتراف المتبادل بين الأفراد والجماعات ويجعل الأسلوب الأمثل لإدارة الاختلاف في الرأي هو الحوار وليس منطق القوة والتحكم والمصادرة.

ويصل إلى خلاصة تمهد ضرورة إعادة النظر في الخطاب الإسلامي داخل السودان بالقول: "مادام أن الفكر عمل بشري لا يضمن صاحبه وقوع الخطأ منه، ومن هنا فإن المسلم في كل صلاة يدعو لنفسه ولبقية المسلمين بعدم الضلال فما الضلال إلا خطأ العقول عليه فلا بد من الالتفات إلى آراء الآخرين".

ويدعو إلى أن ينشأ بين الأفراد والجماعات المسلمة حوار تواصل لا ينظر إلى الفوارق في الاعتقادات والانتماءات ويكون هدفه تقويم الآخرين واستدراك الخطأ، وأن لا يعتقد أي فرد أو جماعة أنه يمثل الحقيقة المطلقة والنهائية.

وأوضح أن هذا الوضع يتطلب المراجعة الفكرية ونقد الذات وإصلاح الخلل لأن الفكر مبني على تصورات متحركة أما بذاتها أو في بعض صفاتها.

دور الجماعات الدينية

من هذا المنطلق النظري، يشير باحثون إلى أن الخطاب الإسلامي في هذه المرحلة من مراحل التطور السياسي والاجتماعي السوداني يتطلب دورا للكيانات الدينية في مكافحة ظاهرة الغلو والتطرف، وإنهاء للاتهامات التي ظلت توجه للنظام المعزول من قبل الغرب بخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي ما تزال تضع السودان على لائحة الدول الراعية للأرهاب على الرغم من أن مفهوم الإرهاب نفسه ما يزال حيز الجدل ولم يتفق العالم على تعريف محدد له، فضلا عن ارتباط المفهوم بالشأن السياسي أكثر مما يدل على موقف فكري واضح على الأقل في معناه المتداول إعلاميا.

بالنسبة للدكتور محمد إبراهيم أحمد البلة الباحث في تجربة جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان، فإن الجماعة تعاملت مع الأنظمة والحكومات التي حكمت السودان على اختلاف تنوعها وتعدد مصادرها ومرجعياتها، وهذا خلاف منهج أهل الغلو والتطرف الذين يكفرون الدول والحكومات والأنظمة، ومن ثم كل مواطن يتصل بها ويعمل فيها أو معها.

 


 
ويشير البلة في حديث مع "عربي21" إلى تعامل "أنصار السنة" مع الجماعات والكيانات الأخرى الموجودة في الوطن والبلد بكافة أشكال التعاون بالمعروف والذي يؤسس لوطن آمن ومستقر ومزدهر، وتحمل تبعات سلوك منهج الوسطية والاعتدال ومكافحة الغلو.
 
ويضيف أن هذا المنهج تأسس على إن كل أمور الشرع تدل بوضوح أنه دين الحنيفية السمحة، دين اليسر؛ بل هو دين ينافي الغلو والتشدد، بمعنى أن ما ثبت كونه من الدين فهذه صفته، لا بمعنى أن يأتي شخص ما بعقله وتفكيره فما رآه وسطا قال: هو الدين!، فالوسطية في الدين، أي ما ثبت أنه دين فهو يسر.

الخطاب السودانوي

أما الباحث في مفهوم الحاكمية وتطبيقاته وضاح أحمد جمعة فيشير إلى ضرورة الفهم الصحيح لمعنى الحاكمية من أجل صياغة خطاب إسلامي في السودان، ويرى أن بعض الجماعات الإسلامية لم تفهم معنى الحاكمية الفهم الصحيح بدلالته اللفظية وسياقاته القرآنية ومساقاته الاجتماعية، ولم تفقه منهجية القرآن في التعددية الإنسانية والدينية والمذهبية فغلوا في مفهوم الحاكمية وجعلوا من أنفسهم فرقة ناجية تتحدث باسم الله وصنفوا من يخالفونهم بأنهم مجتمعات جاهلية وعلمانية والأمر لا يخلو من تأويل واستقراء ناقص لبعض الآيات القرآنية في الحاكمية فجاءت هذه الورقة لتعالج هذا المفهوم وتطبيقاته.

ويدعو في ورقة قدمها في المؤتمر الذي عقد في الخرطوم، إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الحاكمية وذلك باختيار عدد من الموضوعات التي تطرح الموضوع بشكل منهجي، والاتفاق على المبادئ والقيم التي يتم بها اختيار الحكام، وترسيخ مبدأ المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، إضافة إلى فهم المنهجية القرآنية في قضية التعددية البشرية والدينية والمذهبية وإعلاء المصلحة العامة على المصالح الحزبية والطائفية والشخصية الضيقة.

وفي هذا الخصوص، يرى الأستاذ المشارك في برنامج التأريخ بكلية الآداب والعلوم في جامعة قطر البروفسور طارق أحمد عثمان في حديث مع "عربي21"، إمكانية أن تتم إعادة صياغة للعديد من الأفكار وفقا لمبدأ السودناوية بالنسبة للسودانيين في قيمهم وأخلاقهم، وربط الخطاب الإسلامي بالمشروع السودانوي، وتطوير سياسات الدعوى والإصلاح في المجتمع، وتقطيب الجرح الذي تفتق من التجربة السابقة، والاعتذار الكامل والسماح والعفو.

 



الشعارات والواقع

بينما يشير الباحث الحافظ مأمون عبد النور إدريس في ورقة عن مواءمة شعارات ثورة كانون أول (ديسمبر) (حرية/ سلام/ عدالة) في سياق بناء الدولة الحديثة، مع المحافظة على هوية البلاد ووحدتها.

ويرى أن أصعب التحديات التي تواجه الثورة السودانية هي الشعارات التي رفعتها من حيث تنزيلها في واقع الممارسة السياسية المقبلة، تفادياً للانحراف الذي شهدته ثورات الربيع العربي. وأكبر نقاط الضعف تتجلى في استغلال تلك الشعارات لاقتسام السلطة والثروة والمزايدة السياسية، مما يعني إجهاض مسيرة الثورة إصلاحاً وتغييراً، داعيا إلى تجنب حالة الفشل الثوري بالتوافق على رؤى فكرية وسياسية جامعة تحافظ على وحدة الصف الوطني، وتسعى لتحقيق متطلبات بناء الدولة وتجاوز المخاطر التي تكمن في الفساد والوهن الوطني؛ بصياغة مفاهيم شاملة لمضامين تلك الشعارات وتحصينها من الاختراق والتجزئة في الممارسة، والتأسيس لإصلاح الدولة والأحزاب والمنظمات وفق برامج وآليات مستمدة من تلك الشعارات بما يمنع تكرار ما حدث بعد الثورات الشعبية السابقة في السودان.
 
ويشير إلى أن تحقيق نجاح الثورة يتطلب تطبيق شعاراتها في واقع الحياة، والتوافق على برنامج وآليات مستندة إلى مضامين شعارات الثورة لبناء الدولة المدنية الحديثة، وتوعية الشباب والنشء بمفهوم الحرية وضوابطها، وتطوير الوعي بالمسؤوليات السياسية والاجتماعية حول المسائل المتعلقة بالسلام، إلى جانب تطبيق معايير العدالة في توزيع عوائد التنمية الاقتصادية لتحقيق رفاهية الأمة، مؤكدا على أن حيدة واستقلالية الأجهزة الأمنية والعدلية تحافظ على مكتسبات الثورة.

الخطاب الإسلامي والإعلام الجديد

وفي مقابلة مع "عربي21" يقول الباحث في الفكر الإسلامي الدكتور محمد خليفة صديق: "إن الخطاب الدعوي الموجه للشباب في مناخ الإعلام الجديد فيه كثير من التشابك والتعقيد، ويحتاج لكثير من التكامل وتنسيق الجهود بين مختلف الوسائط الإعلامية الجديدة والقديمة على حد سواء، لإحداث النجاح والقبول للخطاب الدعوي، مع دراسة الجوانب النفسية للجمهور المستهدف لضمان الوصول السلس للرسالة المطلوبة؛ بجانب تكرار الرسالة حتى تتضح وتُفهم كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم".

 



ويرى صديق أنه من الضروري التصدي لإنتاج خطاب دعوي معاصر صحيح، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الحكمة وفقه الأولويات، ويوظف التقنيات الحديثة المؤثرة لاجتذاب المدعوين، وذلك للارتقاء بمستوى الخطاب الدعوي، ولتؤدي الدعوة دورها في التوجيه والإصلاح ـ في كل زمان ومكان ـ على الوجه الأمثل، وضرورة مراجعة وتجديد الخطاب الدعوي بضوابطه الشرعية عند أهل السنة والجماعة، وتقويم ما يرون فيه من إيجابيات وسلبيات؛ للإفادة منها في مواجهة تحديات هذا العصر وإيصال هذا الدين بنقائه وصفائه إلى المسلمين وغيرهم.

ويدعو إلى إدخال مادة الإعلام الجديد ضمن مواد التدريس بكليات وأقسام الإعلام في الجامعات، والاستفادة من تقنيات الإعلام الجديد في تنظيم ندوات تدريبية متخصصة فى مجال ترشيد الخطاب الدعوي، والتواصل مع العلماء الراسخين للتعرف على أفضل السبل لخطاب دعوي متوازن.

ويدعو صديق إلى أهمية المراجعة العلمية المستمرة لتقويم الآداء الدَّعوي في وسائط الإعلام الجديد كافة، ورصد الملاحظات على الخطاب الدعوي بدقة من خلال الآخرين والمستهدفين بالخطاب، وتسهيل ولوج العلماء والدعاة والموجهين لفضاء الإعلام الجديد، وإعداد الدعاة المسلحين بالثقافة الإلكترونية لمواكبة تطور العصر واستغلال أدواته الإلكترونية للقيام بواجبهم في توجيه المجتمع والشباب خصوصاً، ويشير أيضا إلى أهمية مواكبة كل جديد في مجال الإعلام الجديد وضمان حسن استغلاله في مجال الدعوة إلى الله، ومشاركة الإعلاميين فى حل مشكلات المجتمع من خلال طرح الحلول غير التقليدية للاستفادة القصوى من وسائط الإعلام الجديد والاستفادة من الكفاءات الموجودة، وتجديد القيادات الدَّعوية، ومحاولة المزاوجة بين علم الشيوخ وحكمتهم، وبين حماسة الشباب واندفاعهم وطاقاتهم، والعناية بالخطط التي تضبط مسار الخطاب الدَّعوي وتحكم أداءه في كل الظروف والأحوال.

ويؤكد على العناية بالتخصصات في الخطاب الدَّعوي في الإعلام الجديد دراسةً وممارسةً بتقديم الدراسات العلمية الدقيقة التي تطرح كل وسيلة والأساليب المتجددة المناسبة لها، في كل بيئة ولكل ظرف.