قضايا وآراء

النخب الغائبة!

1300x600
لعل نجاح أي حوار سواء أكان علمياً أو سياسياً أو حتى مُجتمعياً؛ يرتكز على أدوات إدارته الأساسية، والمتمثلة في الأشخاص الأكفياء القادرين على إنجاحه، وهم ما يعرفون "بالنخب". فإذا ما تَمَّ تقييم النخبة أو النخب تقييماً جيداً، واختيار الأنفع والأصلح وطنياً وعلمياً وسياسياً وحتى مجتمعياً لإدارة أي حوار، فإن النجاح سيكون حليفه، وإن كان غير ذلك فالعكس هو الصحيح. 

إن محاولة فهم النخب - إن وجدت - هي محاولة لفهم وتفسير ما يمكن أن تنتجه، خاصة إذا كانت هذه النخب مرتبطة بالمجتمع والسلطة. وبعيدا عن التعريف الدقيق للمصطلح وتطوره، نخوض فيه واقعياً بمعناه العام والشامل، فالنخبة أو النخب هي: "الصفوة من المجتمع، ذات التأثير الواضح، تتميز بالنفوذ الاجتماعي، والتحصيل العلمي، والفكري، ناهيك عن تأثيرها السلطوي في كثير من الأحيان. كل ذلك يكون مقرونا بالتأثير الفاعل والمباشر في الحياة السياسية والفكرية وحتى الاجتماعية".

وعند تنزيل هذا الوصف على كثير من الوقائع الحوارية خاصة السياسية منها، نرى أن النخب غائبة أو مغيبة عنها بكل وضوح؛ بل في كثير من الأحيان يراد للنخب المجتمعية أن تكون "نخبوية" بفعل الاختيار والتصنيع، وليس بفعل الحقيقة والواقع، فاقدة للمقومات الحقيقية، التكوينية منها والذاتية. فالكثير منها مثلاً لا تملك أدنى تأثير في المجتمع، وهو ركيزة من ركائز النخبوية عند كل من نظَّرَ لها قديماً وحديثاً.

وهذا يقودنا إلى التأكيد على أن المجتمع خاصة في الأزمات السياسية وعند انعدام الطرق الشرعية والقانونية المتفق عليها في رسم خارطة للبلاد، فإن النخب الفاعلة والحقيقية هي التي تسعى في إيجادها، وتحقيق الوفاق والاتفاق عليها، مبنية على القواعد الصحيحة السليمة، ابتداء بتحقيق العدالة، وليس انتهاء بتفعيل المحاسبة والقانون، لا تلك التي تسعى في إيجاد مصالحها السياسية وتقاسمها مع الأطراف الأخرى، وإن كانت على حساب مصلحة الشعب والوطن.

ولكن قد يوجد سؤال يلوح في الأفق، وهو ما البديل عند انعدام النخب الحقيقة والممثلة للشعب في قضاياه ومصالحه؟ قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد أن أذكر بأن النخب الحقيقة لا تنعدم في المجتمع، وإن حاول الكثيرون القفز عليها لعدة أسباب لا سبيل لذكرها هنا. وأما الإجابة عن السؤال فإنها تتمحور في شقين، الشق الأول: قد يراد للمجتمع أن تكون النخب فيه "مصطنعة" ليسهل اقتيادها، ومن ثم التحكم في الشعب وأدوات الحكم عن طريقها، وهنا يبرز دور الشعب في عدم القبول بذلك، باعتبار أن الحلول الفاعلة تأتي من النخب الحقيقية التي يجب على المجتمع الدفع بها للظهور والبروز ومن ثمَّ التمثيل له، بلا يقبل بالقفز عليه.

وأما الشق الثاني: فإن النخب كما ذكرت لا تنعدم انعداماً مطلقاً، باعتبارها طليعة من الناس والمجتمع؛ معبرة عن انتمائه وهويته، وتحمل قضاياه وتدافع عنها، وإن كانت غير تلك التي تحمل مؤهلات أكاديمية فقط، وإنما من وجهة نظري أن كثيرا من العقول المجتمعية تحمل فكراً ورأياً معتبراً لا يقبل بالوصاية عليه، معبرا عن ذلك من عمق مجتمعه، ويحمل من أدوات التأثير ما لا تتأتي لغيره من الأكاديمي أو السياسي.

عموماً، كل حوار غابت فيه النخب الفاعلة والمؤثرة فإن مقومات نجاحه ضعيفة إن لم نقل منعدمة، والأحداث والوقائع السابقة واللاحقة في مختلف المجالات خير شاهد على ذلك.

alfetoory.sheab@yahoo.com