قضايا وآراء

الدين في الثورة.. سوريا نموذجا

1300x600

أن تأخذ الثورة السورية طابعا دينيا إسلاميا شيء، وأن توصف ـ من قبل مناهضيها ـ بأنها ثورة ذات طابع طائفي (السنة ضد العلويين) استحضرت مقولات دينية متطرفة، شيء آخر تماما.

في الحالة الأولى، ثمة معطيات فكرية واجتماعية وسياسية وتطورات إمبريقية لعبت دورا رئيسا في جعل الثورة تأخذ هذا المنحى في شكلها وخطابها، من دون أن يؤثر ذلك أو يؤدي إلى تغيير في المطالب الدنيوية المتمثلة بالتحرر من قبضة الاستبداد السياسي.

في المجتمعات ما قبل المدنية، حيث يتداخل السياسي مع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والديني، يصعب فصل المجالات عن بعضها البعض، خصوصا في مجتمع لا يملك أنساقا تحتية مستدامة كما قال وليم تومسون عن سوريا، ووفقا لذلك، لا يمكن فهم الثورة السورية بتعبيراتها الدينية.

لم يكن التجمع في المسجد بداية الثورة تعبيرا عن هوية دينية، بقدر ما كان المكان الوحيد الذي يُسمح فيه بالتجمع، وبالتالي المكان الذي تُصنع فيه قوة لا شعورية عند الثوار، لا بوصفه مكانا دينيا، وإنما بوصفه مكانا للتجمع يجعل الفرد ضمن جماعة أصبح لها إرادتها وقوتها الخاصة، بما يجعل التحرر من عقدة الخوف أسهل.

وهذا ما حصل في مصر قبل سوريا، حيث كان المسجد حاضنة تعبوية ولوجستية للثوار ليس إلا، وفي الحالتين، السورية والمصرية، لم يطرح المتظاهرون مطالب دينية ولا طائفية، بل مطالب سياسية واقتصادية.

كما أن السلوك الديني الذي مارسته فصائل الثوار في سوريا، إن كان على مستوى التسمية أو على مستوى الخطاب، نجم عن اعتبارات شعورية ولا شعورية معا، ففي الوضع اللاشعوري، سرعان ما يلجأ الفرد والجماعة أثناء تعرضهما لخطر الموت إلى المتعالي، بما فيه من قوة، ناهيك عن أن الدين الإسلامي ما يزال مهيمنا في البنية الشعورية والعقلية للمسلم العربي، خصوصا عندما يكون الصراع في بيئة اجتماعية غير متجانسة.

 

ليست التعبيرات الدينية وبعض السلوكيات تعبيرا عن هوية الثورة كما حاول النظام دائما القول بذلك، ومحاولاته الدؤوبة لإظهار المعارضة على أنها ظلامية نابذة للوحدة الاجتماعية، فيما هو المدافع عن التنوع المذهبي والطائفي، والضامن للوحدة الاجتماعية.

 



أما على مستوى الشعور والوعي، فقد جاءت التسميات الإسلامية لفصائل الثورة لاعتبارات إقليمية من جهة، ولدغدغة مشاعر الناس في البيئة المتجانسة من جهة أخرى.

ليست التعبيرات الدينية وبعض السلوكيات تعبيرا عن هوية الثورة كما حاول النظام دائما القول بذلك، ومحاولاته الدؤوبة لإظهار المعارضة على أنها ظلامية نابذة للوحدة الاجتماعية، فيما هو المدافع عن التنوع المذهبي والطائفي، والضامن للوحدة الاجتماعية.

لقد بين علماء الاجتماع، كيف أن الثورات في الغرب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تأخذ طابعا دينيا، وإن كانت أسبابها وأهدافها في معظمها دنيوية لا دينية.

في كتابه روح الثورات، كتب عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون "تتألف شخصية الإنسان الخاصة من اجتماع شخصيات وراثية كثيرة تبقى متوازنة ما دامت البيئة ثابتة لا تتقلب، فمتى تقلبت هذه البيئة كثيرا، كما يقع أيام الفتن، اختل هذا التوازن وتألف من تكتل العناصر المنحلة شخصية جديدة ذات أفكار وعواطف ومناهج تختلف جدا عن الشخصية العادية، ومن ذلك أن كثيرا من رجال الصلاح والقضاء، الذين كانوا موصوفين بالحلم، انقلبوا أيام الهول إلى أناس متعصبين سفاكين للدماء".

وتابع لوبون: "لم تلبث مبادئ الثورة الفرنسية أن ألقت في قلوب الناس حمية دينية كالتي ألقتها المعتقدات الدينية السابقة، وكان تدين زعماء الثورة الفرنسية يظهر في أدق أعمالهم".

وفي تتبعه لمسارات العنف الديني في أوروبا والولايات المتحدة، كتب فيليب بوك: إن خطابات الثورة الفرنسية استعارت من الخطابات الكاثوليكية والإصلاحية الكثير، ويمكن بذلك اعتبار الثقافة السياسية للثورة على أنها حدثا دينيا.

وفي منتصف القرن التاسع عشر، كتب أليكسي دو توكفيل: "الثورة الفرنسية ثورة سياسيا سارت على منوال ثورة دينية، وكثيرا ما اتخذت مظهرها: إنها لم تكن فقط تنتشر مثل الثورة الدينية إلى مسافة بعيدة، بل كانت تتوغل إلى هناك مثلها أيضا عن طريق التبشير والدعوة".

على المستوى السياسي، لم تكن هيمنة القوى الإسلامية على مشهد المعارضة السياسية السورية انعكاسا للتمثيل الشعبي، بقدر ما كان الأمر متعلقا بمن يملأ الفرغ السياسي، ففي تلك الفترة من بداية الثورة، كان ثمة دعم عربي وإقليمي ودولي للإسراع في تشكيل معارضة سورية.

وبسبب خبرتهم السابقة، وتنظيمهم القوي، وخطابهم المتماسك، نجح الإخوان المسلمون وحلفاؤهم في تثبيت أقدامهم بسرعة في الصفوف الأولى.

وفي الحالتين، حالة المستوى السياسي وحالة المستوى الميداني، لم يكن الشكل والمضمون الإسلاميين انعكاسا لمطالب حامليها.

* كاتب وإعلامي سوري