اقتصاد عربي

لماذا أجلت "موديز" إعلان تصنيف مصر الائتماني؟.. حذرت من مؤشرات سلبية

عندما تعطي وكالة موديز هذا التقرير فتسعى الحكومة المصرية لأخذ قرض مالي مثلا بسعر فائدة 7 بالمئة في العام- جيتي
أجلت وكالة "موديز إنفستورز سيرفيس" للتصنيف الائتماني، إعلان تعديل تصنيفها الائتماني السيادي لمصر لمدة 3 أشهر رغم أنه كان مقررا الكشف عنه، الجمعة، ليثير جملة من التساؤلات بشأن أسباب ذلك التأجيل ودلالاته والنتائج المترتبة عليه.

وقابلت الحكومة المصرية، تأجيل تصنيف "موديز"، بالتفاؤل والترحاب، فيما رأى فيه المراقبون مؤشرا سلبيا، خاصة وأن الوكالة حذرت من العديد من المؤشرات السلبية باقتصاد البلد العربي الذي يقطنه أكثر من 105 ملايين نسمة، ويعاني اقتصاده من أزمات هيكلية وتداعيات خطيرة.

وكانت "موديز"، قد وضعت التصنيف الائتماني السيادي لمصر الذي يقيس قدرتها على الوفاء بالالتزامات طويلة الأجل بالعملة الأجنبية والمحلية "قيد المراجعة السلبية" أو بغرض الخفض خلال أيار/ مايو الماضي، وذلك بعد تخفيضها لتصنيف البلاد إلى B3 في شباط/ فبراير الماضي.

وحلت مصر حينها في الجزء الأسفل من جدول "موديز" للتصنيف الائتماني ما وضعها بين الدول دون مستوى الجدارة الاستثمارية "Below investment grade"، بست درجات (B3). وهو التصنيف الذي تواكب حينها مع إعلان وكالة "فيتش"، في 5 أيار/ مايو الماضي، خفض التصنيف الائتماني لمصر من ‏B+‎‏ إلى ‏B، وتعديل النظرة المستقبلية من مستقرة إلى سلبية بمستويات الدين العام المرتفعة.‏

"ماذا قالت (موديز)"؟
الوكالة التي تتواجد في مدينة نيويورك الأمريكية، وتسيطر على نحو 40 بالمئة من سوق تقييم القدرة الائتمانية في العالم، قالت إن استمرار المراجعة يعكس مخاوفها بشأن استمرار نقص العملات الأجنبية، كما يتجلى في سوق العملات الموازية، وتجسيد شروط التبادل التجاري الجديدة في قطاعي الغذاء والطاقة.

وتزيد هذه العوامل بحسب تقرير "موديز"، من احتمالية تجدد تخفيض قيمة الجنيه مما قد يدفع التضخم وتكاليف الاقتراض ونسبة الدين الحكومي العام إلى مستويات أكثر اتساقا مع مستوى تصنيف أقل.

وبحسب المصدر نفسه، إن فترة المراجعة الممتدة لخفض التصنيف الائتماني في مصر ستركز على المدى الذي تساعد فيه عائدات مبيعات الأصول في استعادة احتياطيات السيولة بالعملة الأجنبية الواضحة في احتياطيات النقد الأجنبي، وصافي مركز الأصول الأجنبية للنظام النقدي، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وكذلك سعر الصرف.

وستركز المراجعة كذلك الممتدة 3 أشهر، على قدرة الحكومة على تأمين المدفوعات بنجاح في إطار برنامج صندوق النقد الدولي على أساس الإصلاحات الهيكلية التي تم إجراؤها فيما يتعلق بإصلاحات بيئة الأعمال والمالية العامة، بالإضافة إلى مبيعات الأصول التي تم الانتهاء منها مؤخرا.

"تفاؤل حكومي"
ورغم ما حمله التقرير من إشارات وتحذيرات للحكومة المصرية، إلا أن وزير المالية محمد معيط، أشاد بقرار "موديز" باستمرار وضع التصنيف الائتماني لمصر والنظرة المستقبلية تحت "المراجعة السلبية" 3 أشهر إضافية.

واعتبر معيط، ذلك التأجيل "يعكس نظرة "موديز" المتوازنة للخطوات والإجراءات الإصلاحية الأخيرة المتخذة بالأشهر الماضية"، ويُبدي تفهمها لما يواجه الاقتصاد المصري من صعوبات وتحديات خارجية وداخلية، تؤثر سلبا على المؤشرات الاقتصادية الكلية.

"أزمة طاحنة"
وتواجه مصر أزمة اقتصادية طاحنة منذ ربيع العام الماضي، دفعت بالعملة المحلية لخسارة نحو 50 بالمئة من قيمتها، بعد 3 قرارات حكومية بتعويم جزئي للجنيه الذي سجل 31 جنيها مقابل الدولار من نحو 15.60 جنيها في آذار/ مارس 2021، وحوالي 38 جنيها بالسوق الموازية.

وتعاني البلاد التي تعتمد على استيراد أغلب سلعها الاستراتيجية مثل القمح والذرة والزيت والبترول، والمواد الخام وقطع الغيار من عجز في العملات الأجنبية، دفعها لمعاودة الاقتراض من صندوق النقد الدولي الذي يفرض عليها شروطا بينها تحرير سعر الصرف وبيع الأصول العامة لتنفيذ اتفاق قرض بـ3 مليارات دولار.

وما يزيد من التوقعات السلبية حول اقتصاد مصر، هو تزامن تأجيل "موديز" تصنيف القاهرة الائتماني مع إعلان مصرف "سيتي غروب"، الجمعة، تقليص توصيته المتفائلة للسندات المصرية بسبب تأخر خطة الخصخصة والضغوط المالية.

وأشار المحللون لدى المصرف الذي يعمل من نيويورك أيضا، إلى مخاطر عالية في تنفيذ اتفاق صندوق النقد الدولي وضرورة زيادة وتيرة الخصخصة لتحقيق الأداء المطلوب.

وخلال 3 أشهر الماضية، كانت الأسواق المصرية تترقب صدور تقرير "موديز"، ممّا دعا الخبير الاقتصادي المصري الأمريكي، محمود وهبة في حديثه لـ"عربي21"، قبل صدور التقرير بأيام أن "التصنيف الائتماني القادم سيضع كثير من النقاط على الحروف في ملف الاقتصاد المصري، وهو ما يدفع للتساؤل عن أسباب تأجيل تقرير "موديز"، ودلالاته ونتائجه".

"اعتبارات سياسية"
من جتهه، قال رئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي، أشرف دوابه، إن لـ"عمليات التصنيف من مؤسسات التصنيف الدولية جوانب سياسية تتحكم فيها".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد رئيس التمويل والاقتصاد بجامعة اسطنبول، أن "تأجيل موديز إعلان تصنيفها الائتماني لمصر لمدة 3 أشهر، خلفه أناس لهم مصالح في الحالة المصرية، ويسعون ألا تسوء الصورة بشكل أكبر".

ويرى أنه من الواضح، من خلال بيانات اقتصادية عديدة وسابقة حول الاقتصاد المصري أن "الوضع صعب، والاقتصاد المصري دخل نفقا، ويعاني أزمات بلا حدود، نتيجة لاعتبارات متعدد، مثل ملف الديون، وعسكرة الاقتصاد، وما إلى ذلك من أشياء".

وأكد أن "مصر مقبلة مقبلة على عملية تخفيض للجنيه في أيلول/ سبتمبر أو تشرين الأول/ أكتوبر على الأكثر، لأن الشريحة الثانية من قرض صندوق النقد الدولي الأخير لمصر والبالغ 3 مليارات دولار متوقفة على إجراءات منها التعويم".

ويعتقد الأكاديمي المصري، أن "الأمور سيئة، وأن تصنيفات موديز أو غيرها وبصراحة تخضع لاعتبارات سياسية، وفقا لأصحاب المصالح، خاصة وأن هناك دول لها مصالح حريصة على أن يظل نظام الحكم بهذه الصورة بعيدا عن المدنيين".

وفي نهاية حديثه  لـ"عربي21" أكد الأكاديمي المصري أنه "لا حل في مصر إلا أن يكون لها أساس جديد بعيدا عن العسكرة، سواء عسكرة الاقتصاد أو عسكرة الحكم نفسه".

"علاج الكي بالنار"
وعن الأسباب والخفايا وراء قرار "موديز"، منح مصر 3 شهور إضافية قبل إعلان تصنيفها الائتماني، قال الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور مصطفى شاهين: "ربما أرادت الحكومة المصرية أخذ بعض الوقت من موديز، لأنها الآن في وضع صعب للغاية".

وأشار مدرس الاقتصاد بكلية أوكلاند الأمريكية، في حديثه لـ"عربي21"، إلى أن ذلك الوضع المتفاقم يأتي "في ظل عدم توفر الدولار لدى الحكومة المصرية، وهي العملة الأجنبية التي تسعى لأجل أن توفرها، ولكن لأجل ذلك سيكون العلاج هو الكي".

وأضاف: "واضح تماما أن دول الخليج العربية (الداعم الأكبر لرئيس النظام عبدالفتاح السيسي) رافضة تماما منح أية قروض جديدة، وبالتالي يكون الحل المتاح الاقتراض من سوق التمويل الدولي بشراء سندات أو الحصول على تمويل من بعض الدول".

وأوضح الأكاديمي المصري،  أنه هنا تكمن أزمة الحالة المصرية، لافتا إلى أنه "عندما يكون تصنيف مصر الائتماني ضعيف فإن أي مؤسسة أو بنك أو دولة تخاف أن تصل مصر إلى (default) أو العجز عن السداد".

وبين أنه في هذه الحالة "يقوم المقترض بالذهاب إلى شركات التأمين ويطلب منها التأمين على القرض الذي سيمنحه لمصر، وهو ما يضمن للمقترض أمواله لدى شركة التأمين حال أفلس المقترض أو رفض الدفع أو عجز عنه أو أجل الدفع".

وأكد أنه "عندما تعطي وكالة موديز هذا التقرير فتسعى الحكومة المصرية لأخذ قرض مالي مثلا بسعر فائدة 7 بالمئة في العام، فيذهب المقرض لشركة التأمين، ويرفع سعر الفائدة إلى 9 بالمئة فتزيد تكلفة الاقتراض، وتدخل مصر في حيص بيص".

وأشار إلى أن "مصر تفتقد الثقة في اقتصادها وقدرتها على السداد لدى المؤسسات الدولية وبهذا تقترض بأسعار مرتفعة ومن يقرضها يكون خائفا ويضطر لعمل تأمين على القرض".

ولفت إلى أنه "في السياسة الدولية عندما تكون هناك ثقة في دولة وقوة اقتصادها مثل أمريكا مثلا فالكل يتسابق مع إقراضها لأنه يعلم قدرتها على السداد، وهو الأمر غير الحاصل في الحالة المصرية الآن".

"الأسوأ قادم"
ووفق قراءة الخبير الاقتصادي والمستشار الأممي إبراهيم نوار، فإن تقرير "موديز" يحذر من المزيد من تدهور الوضع المالي، وزيادة حدة أزمة نقص السيولة الأجنبية، وانحطاط الثقة في بيئة الأعمال في مصر، ويثير قدرا كبيرا من المخاوف بشأن تفاقم الآثار السلبية للسياسة الاقتصادية الحالية في الأشهر القليلة القادم.

وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، لفت نوار، إلى أن التقرير يحذر من أن تخفيض قيمة الجنيه المصري بنسبة 20 بالمئة سيؤدي لزيادة تكلفة الدين الحكومي، وارتفاع التضخم لمستويات أعلى، وزيادة الدين المحلي العام القادم إلى 100 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة لصعوبة حصول الحكومة على تمويل خارجي.

ورأى أن التقرير يتحدث ضمنا عن تخفيض التصنيف الائتماني وليس العكس، وأنه يعج بالإشارات السلبية والقليل جدا من الإشارات الإيجابية (مثل تخفيض العجز في الحساب الجاري، وزيادة الفائض الأولي في الموازنة).

وأوضح أن التقرير يحذر كذلك من أنه ما لم تكن إيرادات بيع الأصول الاقتصادية كافية لإعادة ملء العجز في المدفوعات الخارجية، فإنها لن تترك الأثر المطلوب في إحداث التوازن في سوق النقد الأجنبي، وهو الأمر المطلوب لمنع المزيد من تدهور سعر الصرف ونقص العملات الأجنبية.

وألمح إلى أنه حذر أيضا من خطورة الأسلوب الجديد الذي لجأت إليه البنوك بإصدار شهادات استثمار دولارية بعائد مرتفع، مؤكدا أنها ستصبح حملت ثقيلا عليها عن حلول ميعاد استحقاقها، ما لم تتمكن من تدبير موارد مقابلة لاستحقاقات العملاء.
 
"رفض سياسات الإملاء"
أعرب عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن رفضهم لسياسات الإملاء وتوجهات تخريب مصر، محملين السيسي مسؤولية ما وصلت إليه البلاد من أوضاع.

وأعلن الخبير الاقتصادي، محمود وهبه، عن رفضه "مطالب موديز، وستي جروب، وغيرهم بتنفيذ شروط الصندوق الدولي"، مؤكدا أن تلك الشروط "ستنتهي بخراب مصر"، محملا نظام السيسي المسؤولية.

‏و قال العضو مؤسس‏ السابق لدى "‏تنسيقية 30 يونيو"،‏ المحامي محمد فاضل عاشور، إن "من تسبب بسياساته الفاشلة وتبعيته لإملاءات صندوق الخراب الدولي المؤدية للإفلاس والانهيار الاقتصادى لن يكون أبدا جزءا من تدارك أزمتنا الخطيرة وحلها"، ملمحا إلى ضرورة رحيل السيسي.

وعبر صفحتها بـ"فيسبوك"، طالبت الأكاديمية المصرية الدكتورة علياء المهدي، بالبحث عن حلول داخلية، وعدم الاعتماد على المساعدات الخارجية، متوقعة أنها لن تأتي وإن أتت ستكون مشروطة بشروط غير مقبولة.

ودعت لأن تكون "الحلول سريعة"، ملمحة إلى أن الأزمة تتفاقم يوما بعد يوم، ومشيرة لأهمية "الإرادة السياسية للتغيير الحاسم"، مطالبة الحكومة بـ"المصارحة والإعلان عن خطة التغيير بوضوح وتفاصيل ودون مواربة".