حقوق وحريات

عمليات تهجير واسعة تنفذها قوات حفتر في بنغازي.. وقلق أممي

ندد سبعة من المقررين التابعين لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بانتهاكات لحقوق الإنسان جراء عمليات إخلاء قسري لسكان في مدينة بنغازي- جيتي
تواصل قوات حفتر عمليات إخلاء قسري وتهجير لمئات المنازل في مدينة بنغازي شرق البلاد، وسط مطالبات أممية بوقف هذه العمليات فورا، والكف عن أعمال الانتقام ضد المحتجين عليها.

ورغم أن عمليات التهجير ليست جديدة، وبدأت فعليا منذ أن سيطرت قوات حفتر على مدينة بنغازي عام 2014 عقب عملية أطلقتها تحت مسمى "عملية الكرامة"، لطرد ما يسمى "الإرهاب"، لكنها نفذت بوتيرة سريعة انطلاقا من آذار/ مارس الماضي عمليات هدم وتهجير واسعة للمنازل زاعمة أنها للمصلحة العامة في إطار عملية ضرورية لإعادة الإعمار الجارية في بنغازي.

واكتوى بنار هذا التهجير العديد من سكان المدينة الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى النجاة بأرواحهم هربا من بطش مليشيات مسلحة تابعة لحفتر، خصوصا لواء طارق بن زياد، ولواء 20/20 اللذين ذكرا في تقرير أممي حول الانتهاكات في بنغازي.

مهجّر يروي معاناته

"اقتلاع شجرة من جذورها، والشجرة عندما تقتلع من أرضها فإنها لا تعيش"، بهذه الكلمات عبر المهجر من شرق ليبيا عبد الله محمد عن معاناته بفعل استمرار تهجيره من بيته للسنة التاسعة على التوالي، مع تضاؤل الآمال بالعودة قريبا، في ظل استمرار حملات التهجير وهدم المنازل في بنغازي شرق البلاد، والتي تخضع لحكم عسكري بقيادة اللواء المتقاعد، خليفة حفتر.


كيف بدأ التهجير؟

بدأت معاناة عبد الله وعائلته كما الآلاف أمثاله بعد العملية التي شنتها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في المدينة والمناطق المحيطة عام 2014 تحت ذريعة الحرب على تنظيم الدولة.

يقول عبد الله في حديث خاص لـ"عربي21"، إنه بمجرد أن انتهت هذه العملية بسيطرة حفتر على بنغازي، عمدت قواته إلى ملاحقة كل من يخالفه أو يعارضه، حيث هجرت الكثيرين وأحرقت بيوتهم، فضلا عن عمليات اعتقال وإخفاء قسري وتصفية جسدية واسعة طالت العديد من منتقديه وغير الراضين عن سلوكه، الأمر الذي دفع الكثيرين للهرب من المدينة أملا في النجاة بأرواحهم.

كم تبلغ أعداد المهجّرين؟
أكد خبراء في الأمم المتحدة الإثنين الماضي أن 20 ألفا هجروا من بنغازي، داعين إلى ضرورة توقف قوات حفتر التي تسمي نفسها "القيادة العامة"، فورا عن عمليات "الإخلاء القسري للسكان وهدم المنازل في وسط مدينة بنغازي، مشددين في تقرير لهم على ضرورة أن تنهي تلك القوات "الأعمال الانتقامية والعنف ضد المتظاهرين الذين يحتجون على عمليات الإخلاء هذه".

وندد سبعة من المقررين التابعين لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بما اعتبروه "انتهاكات لحقوق الإنسان جراء عمليات إخلاء قسري لسكان في مدينة بنغازي وهدم تطال مناطق أثرية وتراثية بالمدينة القديمة تشرف عليها وحدات تابعة لحفتر.

وكان خطاب للخبراء طالب السلطات الليبية بتوضيح معلومات عن عمليات إخلاء قسري لمواطنين وهدم مناطق في مدينة بنغازي، بما في ذلك مناطق وأحياء أثرية، ومواقع للتراث، إضافة إلى "العنف الممارس ضد مواطنين، والاحتجاز القسري وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان".

ورغم أن تقرير الخبراء ذكر أن عدد المهجرين يضاهي الـ20 ألفا، لكن المهجر عبد الله يرى أن العدد يفوق ما سجلته الأمم المتحدة، ذلك أن أعدادا كبيرة شردت مبكرا واستقرت في الغرب الليبي، واضطر هؤلاء إلى تضميد جراحهم بيدهم، دون أن يتسنى لهم تقييد أنفسهم لدى الجهات المعنية سواء المحلية أو الأممية.

مبررات قوات حفتر
ساقت قوات حفتر مبررات وراء تهجير الآلاف من بيوتهم في بنغازي، بينها أن المهجرين على صلة بتنظيم الدولة، لكن عبد الله ينفي لـ"عربي21" هذه المزاعم، ويقول إنها تهم بدون دليل، وتقف خلفها أسباب سياسية، إذ إن بين من هجروا أطفال ونساء وبينهم أطباء وأساتذة جامعات ومهندسون ومثقفون، وأئمة مساجد، وفقهاء وتساءل بالقول:"إذا كيف قبلت المدن التي استقبلتنا بأن نقيم فيها ورحبت بنا، ولاحقا تمكنا من ممارسة حياتنا في مدن ليبية أخرى بعيدا عن بنغازي".

ما مصير منازل المهجرين؟
يؤكد عبد الله أن أحدا من المهجرين لم يتم تعويضه حتى الآن، بل إن بيوتهم استولت عليها قوات حفتر، وأحرقت بعضها، وأخرى تعرضت للهدم، بل وصل الحد إلى بيعها، إذ يقوم أحد عناصر أو ضباط قوات حفتر بالاستيلاء على المنزل، ويبيعه لاحقا لشخص آخر، وهكذا يتم تداوله في السوق بتواطؤ من الدوائر الرسمية والموثقين ومحرري العقود الذين يشتركون في جرائم تزييف العقود، بكتابة عقود ملكية لأشخاص لا يملكون هذا العقار.

وطالب عبد الله الجهات الحكومية المعنية بتعويض المهجرين عن فقدانهم لبيوتهم وأرزاقهم حسب القانون، وذلك في ظل استمرار سيطرة قوات حفتر على المدينة وتعذر العودة في الوقت الحالي، خشية تعرضهم للملاحقة من قبل حفتر وقواته.

معاناة متواصلة
ويعاني المهجرون من مدينة بنغازي معاناة شديدة، ففضلا عن تكبدهم تكاليف كبيرة بفعل اضطرارهم إلى استئجار منازل في الغرب الليبي حيث يقيم معظمهم حاليا، تبرز مشاكل أخرى أكثر تعقيدا، منها مثلا تسجيل الطلاب في الجامعات، وعدم تمكنهم من إكمال دراستهم الجامعية أو العليا، وذلك بفعل عدم تحصلهم على أوراقهم السابقة من الجامعات في بنغازي، وفي هذا الصدد يضيف عبد الله قائلا: "حرم الكثير من الطلاب من الحصول على أوراقهم وشهاداتهم من جامعة بنغازي عقوبة لأهلهم الذين يعارضون حفتر، ومنهم من يضطر لبدء الدراسة من جديد، والدولة لم تقم بحل هذه المشكلة بسبب الانقسام الحاصل بين الشرق والغرب".

وبينما يعاني كثير من المهجرين من توقف رواتبهم، خاصة من كانوا يعملون في الوظائف الحكومية، تبرز أيضا مشكلة تسجيل المواليد في غير أماكنهم الأصلية.

ولفت عبد الله إلى أن ما يجري بحقهم يعتبر عقابا نفسيا واجتماعيا لهم، واقتصاديا مضيفا بقوله: "إليك أن تتخيل معاناة شخص انتزع من بيته ومدينته وحياته، بعد أن كان له بيت وتجارة ومصالح وحياة".