كتاب عربي 21

انتخبوا الرئيس الغندور

تنتشر صور السيسي بالابتسامة- جيتي
انتشرت صورة الرئيس المفلترة العملاقة، وقد حُمّرت شفتاه، ونُجّلت عيناه، ووُسّعت بسمته، وصغر عمره بآلة التحسين والتطرية والتحلية، كأنه سيقدم إعلاناً تجارياً لبضاعة استهلاكية، مثل معجون الأسنان، أو طعام الكلاب، وهي صور منتشرة، ماثلة أمام الناس طوال أيام السنة، فالرئيس العربي في حملة انتخابية متواصلة غير منقطعة، كأنه على ثغرة من ثغور الحرب.

وقد رأينا ولع الرئيس، الذي يوصف بالفحل وذكر البط في الإعلام المصري، بالغندرة والمكياج، مثل المحاربين الهنود الذين كانوا يلوّنون وجوههم بالألوان في الحرب، قد يضاف إليها في المناسبات الدينية زبيبة تشبه زبيبة الهندوس. وزبيبة الهندوس زرقة لونية اسمها العين الثالثة، أو عين الحكمة، أما زبيبة الرئيس فهي نضوة سوداء، وهي كناية عن تهجّده في الليل. وما دمنا ذكرنا الهندوس، فقد نقلت وسائل الإعلام خبر أهل قرية مصرية احتفلوا بعِجلة مصرية عشراء، وهم يكبّرون الله على كرامة حملها، تبين أنها مريضة ومصابة بورم!

لقد بدأ الموسم الانتخابي المصري باكراً تجديداً للشرعية الممزقة بأنواء القوانين وأعاصير القرارات، فخير البر عاجله. بدأ القِمار الانتخابي، الرابح فيه هو صاحب الكازينو، وصاحب الكازينو هو الجيش، وهو لا يخسر أبداً، وذلك هو دأب أصحاب القمار.

معلوم أن الرئيس بطل في الوثب العالي من غير عصا، وثب على الدستور؛ ليس حباً منه للسلطة، وإنما استجابة لرغبة الشعب في إتمامه لمسيرته الظافرة وإكماله مشاريعه العملاقة. المدّتان -والمدة طويلة ولعلها أطول مدة رئاسية- كافيتان في بلاد العالم للرئيس حتى ينجز وعوده، إلا في مصر وبقية البلاد العربية، فالرئيس لا يرتوي من السلطة إلا بالموت، ولا يملأ عينه سوى التراب.

يذكر روبرت غرين في كتابه: "فن الإغواء.. كيف تمسك بزمام القوة"، طرقاً للإغواء الجنسي والسياسي، وأمثلة عن الغنج السياسي، منها غنج ماو تسي تونغ ونابليون بونابرت، وهو غنج لا يكاد يرى إلا لذوي الأبصار، غير أن غنج عبد الفتاح السياسي ظاهر للعيان.

نجد غنجه في طريقة كلامه، خجله، دموعه، طريقة نطقه للكلمات، مشيته. يداه اللتان يعقدهما على صدره حتى وهو يمشي، للرجل كاريزما مقلوبة، جاذبية، سحر العيون والمقل، لعله سحر الطفل الذي يأكل الحلوى ويلطخ وجهه بها.

الإعلام المصري يدندن حول أمرين؛ فُحولة الجيش، وأنوثة الرئيس، تودداً للشعب، وقد وقع كثيرون في غرام الرئيس، فله معجبون كثير، وقد ذُعروا من حكم الإخوان الذين كانوا يُزمعون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. المعروف ثقيل والمنكر لذيذ.

تُظهر تصرفات السيسي مع أقرانه من الزعماء غنجاً وغندرة، والأمثلة أكثر من أن تحصى، خذ مثال مؤتمره مع صاحب سدّ النهضة الأثيوبي، آبي أحمد عندما قال له السيسي بالعربية التي لا يتقنها آبي أحمد: "قل والله والله، لن نقوم بأي ضرر للمياه في مصر"، خشي كاتب السطور أن يذهب الرئيس ويدقّ على صدر آبي أحمد كما تفعل بطلة الفيلم المصري وتقول له: أنا مخاصماك، احلف إنك بتحبني، فحلف.

ضحك السيسي، وصفق لآبي أحمد، وصفقنا على رطانة آبي أحمد وعجمته ونطقه للحروف العربية. قال الله تعالى في أطول آية في القرآن الكريم: "وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ"، لكن السيسي قبلَ بالحلفان في شأن أمن قومي، وأغلى نعمة على الأرض: مياه النيل.

الرجل له كاريزما..

لنذكر وعيده لمن يقترب من الكرسي، فهو يتوعد وهو جالس، يغضب وهو جالس، والغضب للحق يستوجب الوقوف، ويمكن ذكر أمثلة كثيرة من غندرته، وهو سريع النسيان. وقد قيل إنّ النساء ينسين بسرعة، حتى إن العرب اشتقت اسم النساء من النسيان، أو من النسيء وهو التأجيل، اصبروا معي: ستة أشهر، سنتين، سنة، دورة ثانية، دورة ثالثة.. الكائن جذاب، فاتن، يجب أن يُنفى لشدة جاذبيته من مصر خوفاً على تقوى الشعب المصري كما نفى عمر بن الخطاب نصر بن الحجاج.. كفاية فتنة.

أين مكمن فتنة السيسي؟ لعلها في سذاجته، أو في طفولته، وقد تدرجت الجمهورية المصرية في درجات من الفحولة من عبد الناصر إلى مبارك، مروراً بالسادات، حتى وصلنا إلى الرئيس الغندور، الرئيس المغناج.

لعل جاذبيته وتأثيره شارقة من ممارسته الحكم، أو بعض مشاهد الحكم على الهواء مباشرة، فهو يناقش الضباط والألوية والوزراء على الهواء، ويأمرهم بإنجاز أوامره في سنة، أو في أشهر، ويأمرهم بالجباية، فليست طابونة، ثم أنه يُغرق الشعب في الأرقام، وهي أرقام متضاربة، غير صحيحة، أحيانا هي مليارات وأحيانا أخرى فكة!

وهو يأتي بالعجائب، عندما يجادل وزراءه على الهواء حول المشاريع القومية: "أنا لو أحط فلوسي في بنك تجيب أكتر من كده".. إنه يبيح الربا، وللربا إغراء الكسل، فلعله يدغدغ رغبات شعبه المضمرة.

وهو يزاوج بين الإيمان ونقيضه، فهو يكثر من ذكر الله، لكنه يسلط شيوخه وإعلامه على الدين، مشككاً بأحاديث النبي وصحيح البخاري، ويستضيف الملحدين على وسائل إعلامه حتى يبلغوا الرسالة ويؤدوا الأمانة.

ومن صور الإغواء السياسي جمع الرئيس المعجزة بين التنمر والتهرر. ومن صور التنمر توعده من يقترب من الكرسي، وكأنه مُلكه، أما صور التهرر فكثيرة، منها تودده إلى المذيعة الحسناء، أو سيدة الكرتونة النحيلة التي دعت له بأن يعطيه الله على قدّ نيته، أو نوته (من المواء).

لقد اجترأ السيسي على ما لم يجرؤ عليه فرعون مصري من قبل، من غير أسلحة سياسية، فليس له حزب، والجيش هو حزبه، وكذلك الفنانون، حتى إن ممثلين شهيرين هما محمد صبحي ونور الشريف طالباه بأن يقفل على مصر ويمضي إلى عمله حتى ينجزه!

وصف حازمُ أبو إسماعيل السيسيَ باكراً بالقدرة على التمثيل العاطفي، وهو كذلك، إنه ممثل رديء قياساً بالممثلين، لكنه بارع قياساً بالرؤساء الممثلين.

لقد بكّر الجيش في العدة بما استطاع من قوة ومن رباط الحمير، مؤازرة لرئيسه المعشوق "القورني"، فانتشرت ندوات تثقيفية في مصر، يقودها قادة متقاعدون، ينزّهون معشوقهم السيسي من الطمع في السلطة، فهو بطل زاهد، لا طمع له بالسلطة، عرض حياته للخطر من أجل إنقاذ مصر: زرع الكباري والجسور، ومن حقه أن يحصد ما زرع. سينتظر المصريون ومعهم العرب أن يحصد الرجل ناطحات سحاب مسمّدة بحسرات الشعب العربي.

twitter.com/OmarImaromar