سياسة دولية

الهجوم الإيراني.. كسر لقواعد الاشتباك يلقي كرة التصعيد في ملعب نتنياهو

الولايات المتحدة شاركت باعتراض المسيرات الإيرانية- الأناضول
بعد ترقب طويل، ردت إيران على الهجوم الذي استهدف قنصليتها في دمشق مطلع الشهر الجاري.

وانطلقت عشرات المسيرات من إيران في ساعة متأخرة من مساء السبت تجاه الأراضي المحتلة.

وأعلن الحرس الثوري الإيراني أنه نفذ عملية بطائرات مسيرة وصواريخ، "ردا على جريمة الكيان الصهيوني بقصف قنصليتنا في سوريا".

وأضاف أن "العملية نفذت بعشرات الصواريخ والطائرات المسيرة، لضرب أهداف محددة في الأراضي المحتلة".

ورصد الاحتلال إطلاق عشرات الطائرات دون طيار من إيران نحو تل أبيب، في حين أعلنت حكومة الاحتلال إغلاق أجوائها ابتداء من الساعة الـ 11 مساء.

وعقد الهجوم الإيراني المشهد المتأزم في المنطقة، فيما فتح الباب أمام توسع الحرب إقليميا، وهو الخيار المرتهن بنظرة الاحتلال للهجوم الإيراني؛ هل خرق قواعد الاشتباك أم ثبتها؟


تكتيك الهجوم
استخدمت إيران في هجومها طائرات مسيرة من الأسطول الكبير الذي تمتلكه، سيما طائرات شاهد المطورة.

ونقلت شبكة "أي بي سي" الأمريكية عن مصادر في واشنطن اعتقادها بأن الحرس الثوري الإيراني استخدم في الهجوم ما بين 400 إلى 500 طائرة دون طيار، إضافة إلى الصواريخ.

وشوهدت الطائرات في سماء عدة مدن عراقية وأردنية وهي في طريقها للأراضي المحتلة، حيث وصلت طلائعها عند الساعة الثانية بالتوقيت المحلي.

طائرات شاهد 149 "غزة"
كشفت طهران عن تفاصيل طائرة غزة، أحدث طائرة مسيرة إيرانية، منتصف العام الماضي، حيث يصد طول جناحيها إلى 21 مترا وبوزن 3100 كيلوغرام وقت الإقلاع.

ويمكن لطائرة "غزة" الطيران لـ 35 ساعة متواصلة، وتصل لارتفاع 35 ألف قدم "حوالي 10 كيلومترات"، وبسرعة تبلغ تفوق 350 كيلومترا في الساعة.

وتستطيع الطائرة حمل 13 من الصواريخ والقنابل أو معدات إلكترونية بوزن 500 كيلوغرام.

كما تحتوي على قدرات إلكترونية وتصويرية كبيرة، إذ تمتلك كاميراتها تقنية التصوير الحراري وجهاز تحديد المدى بالليزر.

صواريخ من لبنان ومسيرات من اليمن
بالتزامن مع الهجوم الإيراني، انطلقت عشرات الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه الجليل والجولان المحتل.

وقد تزامن ذلك مع سماع أصوات انفجارات في منطقة الجليل الأعلى، فيما ذكرت القناة الـ 12 العبرية، "أن الجيش ينفذ الآن هجوما واسعا في قلب لبنان".



في ذات الوقت، قالت شركة أمبري للأمن البحري ووسائل إعلام عبرية، إنه تم إطلاق طائرات مسيرة من قبل الحوثيين في اليمن تجاه الأراضي المحتلة.

تأثير الهجوم
لم يبلغ عن سقوط قتلى في صفوف الاحتلال خلال الهجوم الإيراني، فيما ذكرت وسائل إعلام أن طفلا عربيا أصيب بجروح بليغة في صحراء النقب، تلك المنطقة التي تستثنيها سلطات الاحتلال من حماية القبة الحديدية.

وأعلن المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، دانيال هاغاري، إصابة مطار عسكري إسرائيلي في الهجوم الصاروخي الإيراني، مبينا أن عدد الصواريخ التي أطلقت تجاوز الـ 200 صاروخ.

وزعم هاغاري أن عددا قليلا من الصواريخ التي أطلقتها إيران سقط في الأراضي المحتلة.

في المقابل، ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية، أن الجيش استهدف بنجاح قاعدة جوية إسرائيلية في النقب بصواريخ خيبر.

وأضافت الوكالة أن القاعدة الجوية المستهدفة في النقب كانت منطلقا للهجوم على القنصلية بدمشق.

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطعا مصورا لقصف مسيرات إيرانية لمطار رامون العسكري جنوب الأراضي المحتلة.



ودوت أصوات عدة انفجارات في سماء مناطق مختلفة جنوب ووسط وشمال الأراضي المحتلة.

وذكرت وسائل إعلام، أن الدفاعات الجوية للاحتلال اعترضت عدة أجسام في سماء "تل أبيب".

كما سمعت صفارات الإنذار في الجليل الأعلى وبئر السبع والنقب والسهل الساحلي في حيفا وتل أبيب والبحر الميت والقدس.




ونقلت القناة الـ 14 العبرية عن مسؤول سياسي "إسرائيلي" كبير قوله، "إن هناك تعاونا ممتازا مع عدد من الدول إلى جانب الولايات المتحدة، بما في ذلك فرنسا وبريطانيا والدول العربية المجاورة التي أرسلت رسائل مفادها أنها تنوي اعتراض التهديدات الجوية في طريقها إلى إسرائيل".

وحول احتماليات التصعيد، يقول الباحث والكاتب السياسي لقاء مكي: "بغض النظر عن نتائج القصف الإيراني، فإن مجرد القيام به يكسر قواعد اشتباك ثابتة مع إسرائيل، وقد تستدعي ردا إسرائيليا ولو لمرة واحدة، كما حدث ضد العراق عام 1981". 

وأضاف في منشور على منصة "إكس": "قد تكون إيران أنهت لتوها سياسة استمرت 45 عاما من الصراع مع إسرائيل عبر وكلاء".



رد الاحتلال
بعد دقائق من انطلاق الهجوم الإيراني، أعلنت دولة الاحتلال عن اجتماع طارئ للكابينت الوزاري لمناقشة الهجوم الإيراني في مبنى محصن تحت الأرض بمقر وزارة حرب الاحتلال.

وخلص الاجتماع إلى تخويل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يوآف غالانت اتخاذ القرارات للرد على الهجوم الإيراني.

ونقلت هيئة البث العبرية عن مسؤول كبير قوله، "إن إسرائيل سترد بقوة على الهجوم الإيراني".

كما ذكر مسؤول "إسرائيلي"، "أن إسرائيل كانت مستعدة تماما لهذا السيناريو، وسيكون هناك رد فعل كبير"، وفقا لهيئة البث العبرية.

وسبق أن تحدث مسؤول بجيش الاحتلال لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية، "أن لدى إسرائيل وضعا دفاعيا قويا للغاية للتصدي لأي شيء يتجه نحوها".

تحذير إيراني
قبل وصول طلائع المسيرات للاحتلال، أعلنت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة انتهاء الرد العسكري الإيراني على قصف قنصليتها بدمشق.

وذكرت البعثة أنه "يمكن اعتبار الأمر منتهيا، وإذا ارتكبت إسرائيل خطأ آخر فإن ردنا سيكون أكثر حدة"، مؤكدة: "إذا ارتكب النظام الإسرائيلي خطأ آخر فإن رد إيران سيكون أكثر حدة بكثير".

وأشارت البعثة إلى أن العمل العسكري الإيراني كان ردا على عدوان إسرائيل على مبانينا الدبلوماسية في دمشق.

بدوره، حذر الحرس الثوري الإيراني الإدارة الأمريكية "من أن أي مشاركة في استهداف مصالح إيران ستقابل برد حاسم".

وقال في بيان له، "إن واشنطن مسؤولة عن أعمال الكيان الصهيوني، وعليها تحمل العواقب في حال عدم ضبطه".

وأكد، "أن أي تهديد أمريكي وإسرائيلي ضدنا انطلاقا من أي دولة سيقابل برد مناسب ومماثل في مصدره".

وتابع: "نؤكد مضينا في الدفاع عن مصالح إيران الوطنية وإحباط مساعي العدو لزعزعة أمن بلادنا".

كما حذر وزير الدفاع الإيراني محمد رضا آشتياني من تنفيذ الاحتلال أي هجمات مضادة بعد أن أطلقت طهران صواريخ وطائرات مسيرة باتجاهها.

ونقلت وكالة أنباء الجمهورية الإيرانية (إرنا) عن آشتياني قوله إن أي دولة ستهاجم بلاده ستتلقى "ردا حازما".


وعن طبيعة الرد الإيراني، يقول الكاتب والباحث السياسي المصري عبده فايد: "من ينتظر حربا إيرانية شاملة لن يجدها، ومن يقيس الحرب بضربات ساحقة مدمرة، فتلك مقاييس غير دقيقة، فالقوة أن تستمر في مشروعك، وتستثمر في بناء قوتك الداخلية والإقليمية، وتكون ضرباتك على وزن الحدث، لا أقل منه ولا أكثر وتنتظر".

وأضاف في منشور على منصة "إكس"، "إن إيران تصبر ولا تنجر، تتحرك ببطء في حين يسرع الآخرون ويخطئون، تراكم قوتها في حين تفقد دول جوراها قوتهم تدريجيا.



وتابع: "فقد بدأت ثورة منبوذة إقليميا، وانتهت لإحدى القوى الكبرى في الإقليم، وبالتأكيد ألف مرة سوف تكتسب موقفًا أقوى حين تكون أول دولة منذ 40 عاما تستهدف العمق الإسرائيلي من قلب أراضيها.. وتلك خطوة لها ما بعدها".

مأزق أمريكي
منذ الدقائق الأولى للهجوم الإيراني، أعلن البيت الأبيض التزامه الكامل بحماية أمن دولة الاحتلال، وبذات الوقت بدا متخوفا من هجوم كبير يفجر حربا إقليمية.

ونقلت شبكة الجزيرة عن مسؤول أمريكي قوله، إن الولايات المتحدة ستدافع عن "إسرائيل" بكل ما يلزم.

وأكد المسؤول أن هناك مخاوف من أن يكون الهجوم كبيرا وتشارك به "الجماعات المدعومة من إيران" في لبنان والعراق وسوريا.

وعقد الرئيس الأمريكي جو بايدن اجتماعا مع وزيري الدفاع والخارجية ومدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ومستشار الأمن القومي.

وقالت شبكة "سي إن إن" الأمريكية، "إن واشنطن تريد ردا اسرائيليا محدودا على الهجوم الإيراني".

وأضافت الشبكة، "أن الهجوم على إسرائيل من الأراضي الإيرانية يرقى إلى مستوى السيناريو الذي سعى الرئيس الأمريكي جو بايدن بشدة إلى تجنبه منذ بداية الصراع الحالي في الشرق الأوسط، حيث تزيد هذه الأعمال الانتقامية من خطر نشوب صراع إقليمي أوسع نطاقا يمكن أن يجذب الولايات المتحدة بشكل مباشر إلى جانب دول أخرى".

ونقلت الشبكة عن أحد كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية في الأيام التي سبقت الهجوم الإيراني قوله، "إن السيناريو الأسوأ على الأرجح هو هجوم مباشر من جانب إيران على إسرائيل، واندلاع صراع بين الدولتين يمكن أن يؤدي إلى حدوث حرب مباشرة تمثل بداية صراع إقليمي أوسع تعمل الولايات المتحدة على منعه منذ الهجمات التي شنتها حماس في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول مباشرة".

وأكدت الولايات المتحدة عدة مرات خلال ساعات، أن رد الاحتلال يجب أن يكون بالتنسيق معها، وهذا ما أبلغه وزير الدفاع الأمريكي لوزير حرب الاحتلال يواف غالانت خلال مكالمة هاتفية جمعتهما، وفقا للشبكة.

وقالت هيئة البث العبرية، "إن بايدن يخشى من أن نتنياهو يريد جر الولايات المتحدة نحو توسيع الصراع".