كتاب عربي 21

طالبان أفعانستان وعام الحسم.. انتخاب وانسحاب

1300x600
كتب حسن أبو هنية: لا جدال بأن العام الحالي 2014 يشكل أهمية استثنائية في تحديد مستقبل أفغانستان، فالبلد الذي لم يعرف الاستقرار منذ أكثر من ثلاثة عقود، بدءا من عام ،1979 سوف يوجه جملة من التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تتطلب اتخاذ خيارات استراتيجية حاسمة وصعبة تنتظر الرئيس الجديد وفي مقدمتها التوصل إلى حلول توافقية  مع حركة طالبان، وإنجاز اتفاقية منصفة مع الولايات المتحدة مع اقتراب موعد انسحاب قواتها العسكرية مع  شركائها في حلف الناتو نهاية العام الحالي.

يبدو أن أفغانستان على وشك تخطي أحد التحديات الصعبة المتعلقة بالانتخابات الرئاسية  فضلا عن انتخاب أعضاء المجالس المحلية في 34 إقليما أفغانيا في نفس الوقت، فقد أعلنت  المفوضية المستقلة للانتخابات في أفغانستان يوم السبت 5 نيسان/ إبريل 2014 بأن سبعة ملايين شخص أدلوا بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية من بين 12 مليون ناخب يحق لهم  التصويت، وقد بلغت نسبة الإقبال على التصويت  نحو 58 بالمئة، وهي نسبة مرتفعة جدا قياسا إلى الانتخابات السابقة عام 2009 والتي لم تتجاوز 30 بالمئة، على الرغم تهديدات حركة طالبان بإفشالها.

تتمتع الانتخابات الحالية بأهمية كبيرة فأفغانستان لم تعرف منذ 13 عاما سوى حامد كرزاي رئيسا، منذ أن عينه الغرب بزعامة الولايات المتحدة رئيسا عقب الإطاحة بحكم طالبان نهاية 2001، عقب هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر التي نفذها تنظيم القاعدة، وجرى انتخابه عام 2004 ثم أعيد انتخابه عام 2009 في عملية انتخابية فوضوية شهدت تزويرا فاضحا ومشاركة ضعيفة،  وبحسب الدستور الأفغاني لا يسمح  لكرزاي بالترشح لولاية جديدة.

يخوض الانتخابات الرئاسية الحالية ثمانية مرشحين لخلافة كرزاي، وتنحصر المنافسة بصورة لافتة بين ثلاث شخصيات وازنة وهم: زلماي رسول الذي شغل منصب وزير للخارجية حتى تشرين الأول/ أكتوبر الماضي قبل أن يتنحى عن منصبه لخوض حملته الانتخابية، أما الثاني فهو أشرف غني الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق، وهو مرشح سابق شارك في انتخابات 2009، أما الثالث فهو عبد الله عبد الله، وكان قد حل في المرتبة الثانية من الدورة الأولى للانتخابات السابقة، وقد شغل منصب
وزير الخارجية في الحكومة الأولى لكرزاي، بعد أن كان متحدثا باسم القائد أحمد شاه مسعود.

وينص الدستور الأفغاني على أن انتخاب الرئيس يكون بأكثر من 50% من أصوات الناخبين، ويعاد الانتخاب بين المرشحين الحاصلين على أعلى عدد من الأصوات خلال أسبوعين من إعلان النتيجة الأولى، إذا لم يحسم الأمر في الجولة الأولى، وتكون نتيجة الانتخاب في هذه الجولة بالأغلبية فقط ولا تشترط فيها نسبة معينة من الأصوات، ويبدو أن الأمور ستتجه لخوض جولة إعادة يوم 28 مايو أيار المقبل.

الرئيس القادم لأفغانستان سيواجه تركة ثقيلة وملفات شائكة ومعقدة لم يتمكن كرزاي من انجازها، وفي مقدمتها انجاز مصالحة مع حركة طالبان وتحقيق السلام، وتوقيع الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة التي رفضها كرزاي، وهي اتفاقية تسمح ببقاء عشرة آلاف جندي أمريكي في البلاد بعد 2014 عقب رحيل معظم القوة الأمريكية التي تبلغ حاليا نحو 23500 جندي،  وقد تعهد المرشحين الثلاثة البارزين بتوقيعها.

 إلا أن هناك مشكلة أخرى معقدة وغير معلنة تتمثل برغبة الولايات المتحدة  في الحفاظ على حملة الطائرات بدون طيار في المنطقة والقوات الخاصة في أفغانستان كي تتمكن  من مواصلة جهودها في  قمع حركة طالبان وتنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات المعادية للسياسات الأمريكية  في المنطقة لاسيما في باكستان كحركة طالبان باكستان وشبكة حقاني وعسكر طيبة وغيرها.

التحدي الأساس الذي يواجه أفغانستان مع نهاية 2014، يتمثل بحركة طالبان بزعامة الملا محمد عمر، والسؤال الأهم الذي يشغل الخبراء هو هل ستتمكن قوات الأمن الأفغانية من التعامل لوحدها مع التحديات؟ أم هل ستتمكن حركة طالبان من تحقيق النصر  وبسط سيطرتها على مقاليد الحكم في البلاد كما فعلت في الفترة من 1996 الى عام 2001؟، وهل سيتمكن الرئيس الجديد من إقناع طالبان بالدخول في عملية سلام وإنجاز مصالحة تاريخية.

يبدو أن حركة طالبان غير مهتمة بالتفاوض مع الرئيس الجديد كائنا من كان فالحركة حسمت خياراتها الإيديولوجية والاسترتيجية منذ أمد بعيد بعدم الإيمان بالدستور والعملية الديمقراطية واعتبارهما من أنظمة الكفر والردة، ولا مساومة في عودة الإمارة وتطبيق الشريعة، فالقراءة الاستراتيجية لطالبان تؤكد على أن الولايات المتحدة لن تنسحب من أفغانستان بشكل كامل، وتعتبرها الحاكم الفعلي الذي يمكن للحركة التفاوض معه بشأن الانسحاب، والترتيبات النهائية حول مستقبل أفغانستان.

أحد الأسئلة المقلقة لواشنطن يتمثل بسلوك باكستان تجاه حركة طالبان وحلفائها الرئيسيين كالحزب الإسلامي بزعامة قلب الدين حكمتيار وشبكة حقاني، وتبدو الولايات المتحدة متشككة في هذا السياق، وهي مسألة تتطلب إغراء باكستان بمساعدات عسكرية واقتصادية باهظة، لكن المؤكد بأن الولايات المتحدة لن تنسحب بشكل كامل من أفغانستان وسوف تبقى لأمد بعيد فهي تدرك بأن هذه الخطوة سوف تجلب مزيدا من المخاطر على أمنها القومي وأمن حلفائها الإقليميين.

حركة طالبان ليست في عجلة من أمرها وهي تسيطر على مساحات واسعة من أفغانستان وهي تخوض الحرب على أرضها وبين أبنائها، وإذا كانت الولايات المتحدة تتوافر على شكوك في تحقيقها نصر نهائي في أفغانستان، فإن طالبان تتمتع بثقة ويقين بهزيمة أمريكا وحلفائها عاجلا أم أجلا.