كتاب عربي 21

الأدوية المغشوشة والصحافة الحقيقية

1300x600
أسس مجموعة من صحفيي جريدة صنداي تايمز اللندنية، شركة وهمية لاستيراد الأدوية، ونشروا إعلانا في الانترنت شرحوا فيه طبيعة نشاط الشركة، ورغبتها في استيراد أدوية معينة، من مختلف المُصَنِّعين من مختلف الدول، وكانت الغاية من ذلك اصطياد الجهات التي تقوم بتصنيع وتصدير الأدوية المغشوشة، وجاءهم عرض يسيل له اللعاب من شركة يديرها صيني اسمه جبرائيل زهانغ: عندنا أدوية لأمراض القلب والدورة الدموية والعجز الجنسي وارتفاع الكولسترول بسعر التكلفة، وكانت الأسعار التي تقدمت بها الشركة تعادل أقل من واحد على خمسين من الأسعار التي تباع بها العقاقير المشابهة في دول أخرى، وأوفدت الشركة البريطانية الوهمية مندوبا عنها إلى الصين لمقابلة زهانغ.

وللأمانة فإن زهانغ رجل صريح وواضح بل ويمكن أن تقول عنه إنه "أمين"، فقد قاد مندوب الشركة البريطانية (الصحفي المتخفي) أولا إلى مكتب فيه عدد كبير من كمبيوترات أبل ماكنتوش، حيث يتم طباعة ملصقات الأدوية المغشوشة، وقال له: الغش في الأدوية نفسها سهل، ولكن الإتقان الشديد مطلوب في الديباجات والتغليف ولهذا فإننا نولي هذه المسائل اهتماما أكبر.

كان مصنع الأدوية نفسه في بلدة ريفية نائية اسمها تيانجين، وهناك تم الاتفاق على الصفقة: بلافيكس لسيولة الدم، وكاسودكس لسرطان البروستات وزيبركسا للفصام، إلخ.

وعلبة كاسودكس ذات ال 28 قرصا تباع في بريطانيا بنحو ثلاثمائة دولار، ولكن وبما أن زهانغ "فاعل خير" فإنه عرضها على الشركة الوهمية بعشرة دولارات، ثم أدلى بتصريح جعل الصحفي البريطاني يصاب بفتق في الحجاب الحاجز: ما من شخص في بريطانيا يتعاطى الفياغرا لعلاج العجز الجنسي أو ليبيتور لخفض الكولسترول إلا ويشتري بعض منتجات مصنعنا.

الصحفي أبلغ السلطات الطبية في بلاده بالأمر، واتضح أن الكثير من الصيدليات تبيع فياغرا زهانغ المغشوشة، ولكن الكارثة كانت في أن كل قرص منها كان يحتوي على 4 أضعاف مادة سيلدنافيل (وهي العنصر الأساسي) التي تحويها الفياغرا الأصلية.

يعني معظم من يتناولونها قد ينتهي بهم الأمر في "العناية الفائقة" أو المقابر، وفي العام الفائت وحده تم اكتشاف أكثر من 8 ملايين قرص دواء مغشوش في دول الاتحاد الأوربي، مما يعني ان عشرات الملايين من الأقراص المغشوشة لم يتم اكتشاف أمرها، ومن المضحكات المبكيات ان تلك الأقراص الصينية كانت ملونة بحبر الطابعات العادي، وبعضها يحوي الأسمنت لضمان عدم تفتته وتكسره.

والبلدان الأوربية وقعت ضحية الغش الدوائي لأنها تمارس الفهلوة في شراء الأدوية بتداولها عبر أكثر من مستورد ومنفذ بحثا عن السعر الأرخص.      


في ثمانينات القرن الماضي فضحت صحف دولة الأمارات أمر شحنة من اللحوم مكتوب عليها بكل صراحة ونزاهة "لحم خنزير.. مذبوح حلالا"، وكانت هناك شحنة أخرى من الدجاج المجمد تحمل ديباجة "مذبوح حلالا"، في حين أنها لم تكن مذبوحة أصلا، فقد كانت كل دجاجة تحتفظ برقبتها ورأسها سالمين مما يعني أن تلك الدجاجات ماتت منتحرة، او صعقا بالكهرباء أو خنقا أو شنقا.

وفي شهر نوفمبر الماضي ذهبت الى صيدلية في الخرطوم لشراء مضاد حيوي سائل (للحقن) فقدم لي منتجا صينيا، فقلت للصيدلاني: تحسبني "هندي"؟ (الهند اليوم ثاني قوة اقتصادية صاعدة في عالمنا المعاصر، ولكن الأفلام التي تنتجها تلك الورشة المسماة بوليوود، تعطي الانطباع بأن الهنود بلهاء، فأن توجه لكمة قوية إلى صدر شخص ما فيسقط على وجهه لا تحدث إلا في الأفلام الهندية، مما يعني أن قوانين الجاذبية والفيزياء عموما غير سارية في الهند).

المهم قلت له: يا صديقي، كبير الصيادلة في السودان قال أن 37% من الأدوية في أسواقنا مغشوشة، وأن 76% من الأدوية غير المغشوشة فاسدة بسبب سوء التخزين، أو لأنها استوردت وصلاحيتها منتهية!! يعني 7+ 6 تساوي... 3 معنا الواحد... آآآ 113% من الأدوية المتداولة في السودان لا تصلح للاستهلاك الآدمي، وهذه رقم يصلح لفيلم هنديوما يهمني في كل ما ورد أعلاه، ليس فقط وجود أدوية مغشوشة في الصيدليات، فكل شيء من حولي كمواطن عربي "مغشوش": نتائج الانتخابات ومؤهلات الوزراء وأرقام الميزانيات والشعر الأسود الذي يعلو رؤوس الديناصورات الجالسين على كراسي الحكم وصدورنا منذ عام الفيل.

ما يهمني أكثر هو ما قام به صحفيو صنداي تايمز: يؤسسون شركة، ويسافر موفدهم، ويشاهد البضاعة، ويصور ويدون ثم يطوف على الصيدليات ويحصل على إحصاءات دقيقة.

هذه هي يا زملاء هي صحافة التقصي الحقيقية، التي بسببها توصف الصحافة بأنها مهنة متاعب، بينما هي عند الكثيرين منا مهنة "ملاعب": يلعب الصحفي بالكلمات، مستعيضا بلغة الحصافة عن لغة الصحافة، وبعقول القراء، ويجعل من كذا عمود صحفي ملعبا لمسؤول ذي سجل أصلع أو مُخزٍ، كي يصول ويجول معددا إنجازاته الافتراضية (ولكنني أرفع عمامتي احتراما لقلة شريفة من الصحفيين العرب مستعدة لمناطحة الديناصورات لخدمة الحقيقة وتحمل العواقب الجسيمة لجسارتهم).