كتاب عربي 21

إحسان أوغلو يسير في طريق مسدود

1300x600
"أعرف كل شيء عن النبيذ غير طعمه".. هكذا قال عبد اللطيف شنر، أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، في نوفمبر / تشرين الثاني 2005، قبل أن ينشق عن الحزب ليرسم لنفسه خطا آخر يسير عليه. وكان آنذاك وزير الدولة ونائب رئيس الوزراء. ولم يترشح شنر في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في يوليو / تموز 2007، وبعد الانتخابات بسنة استقال من حزب العدالة والتنمية، وأسس في مايو / أيار 2009 "حزب تركيا" ولكنه أغلق هذا الحزب الجديد في أغسطس / آب 2012 بعد فشل ذريع.

ما قاله عبد اللطيف شنر حول النبيذ آنذاك في ورشة عمل نظمتها جمعية منتجي النبيذ حظي بالقبول والتصفيق لدى حزب الشعب الجمهوري، وكذلك تصريحاته حول العلمانية وحظر الحجاب واختلافه مع حزبه في أزمة الانتخابات الرئاسية، حتى قال رئيس حزب الشعب الجمهوري دنيز بيكال "يمكن أن نفكر في ترشيحه لرئاسة الجمهورية".

لم تكن تلك التصريحات مجرد اختلاف في الآراء والمواقف، بل كان الرجل يحاول أن ينأى بنفسه عن حزب العدالة والتنمية الذي قالوا له إنه سيتم حظره، ووعدوه بتولي رئاسة الجمهورية بعد إسقاط حكومة أردوغان. وكان تصديق تلك الوعود أكبر خطأ ارتكبه عبد اللطيف شنر في حياته، لأنه بسبب تلك الوعود خان رفاق دربه ودخل في طريق خاطئ أنهى حياته السياسية بشكل دراماتيكي فيه كثير من الدروس والعبر لمن يتعظ. 

كان عبد اللطيف شنر وزير المالية في حكومة أربكان الائتلافية، وانشق مع أردوغان وغول وأرينتش وآخرين عن تيار أربكان ليؤسسوا حزب العدالة والتنمية. ورفع المدعي العام عبد الرحمن يالتشينكايا إلى المحكمة الدستورية في مارس / آذار 2008 دعوى قضائية بطلب حظر حزب العدالة والتنمية، إلا أن المحكمة الدستورية أفسدت حسابات عبد اللطيف شنر ولم تحظر الحزب. وهكذا تجاوز حزب العدالة والتنمية أكبر أزمة واجهها منذ تأسيسه إلا أن عبد اللطيف شنر لم يعد له ممكنا أن يواصل فيه حياته السياسية بعد أن خسر الرهان.

عندما قرأت الحوار الذي أجري مع والد زوجة نجل أكمل الدين إحسان أوغلو وقال فيه الرجل إنه لم ير إحسان أوغلو مصليا، تذكرت عبد اللطيف شنر ومحاولاته لكسب قلوب العلمانيين وعاقبة مسيرته السياسية بعد أن فقد البوصلة. وها هو البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو هو الآخر يسير اليوم في طريق خاطئ ومسدود لن يوصله على الإطلاق إلى الهدف الذي يحلم به.

إحسان أوغلو اعترف في حوار أجرته معه وكالة جيهان التركية في مارس 2013.بأنه ليس مؤهلا لممارسة السياسة، وجدد هذا الاعتراف قبل عدة أشهر في برنامج لقاء الجمعة الذي يقدمه الإعلامي السعودي عبد الله المديفر بقناة الرسالة ردا على سؤال المديفر: "هل سنشاهد معالي الأمين رئيسا للوزراء، رئيسا للدولة في تركيا؟" وقال بالحرف الواحد: "أنا لا أحب السياسة الداخلية وأنأى بنفسي عنها كما نأيت طول حياتي"، وأضاف: "أسلوب السياسة ليس من أسلوبي، لا يتوافق مع مزاجي وطبيعتي".

ليس لنا إلا أن نصدق أن إحسان أوغلو كان صادقا فيما قاله قبل أشهر، ولكنه وقع فجأة في حب السياسة أو هناك من أقنعه بضرورة ترشيحه، وربما قالوا له: "أنت الوحيد الذي يمكن أن تنقذ البلد". ومهما كان السبب في تغيير رأيه حول ممارسة السياسة فإنه سيجد صعوبة بالغة في إرضاء أنصار حزب الشعب الجمهوري الذي قام بترشيحه كما تشير إليها المؤشرات.

ومن تلك المؤشرات إصدار 42 من قادة حزب الشعب الجمهوري، الاثنين الماضي، بيانا شديد اللهجة للاحتجاج على ترشيح أكمل الدين إحسان أوغلو كمرشح توافقي، اتهموا فيه الرجل بأنه ليس غيورا على قيم الجمهورية ومبادئ أتاتورك، ووصفوا ترشيحه لرئاسة الجمهورية بــ"خطأ تاريخي"، ودعوا إلى التراجع عن هذا القرار قبل فوات الأوان واختيار مرشح آخر منحاز للعلمانية ومبادئ أتاتورك.
وهناك استطلاع للرأي يشير إلى أن 32 بالمائة من أنصار حزب الشعب الجمهوري يؤيدون ترشيح إحسان أوغلو بينما يعارض 68 بالمائة منهم هذا الترشيح. وفي المقابل يؤيد 75 بالمائة من أنصار حزب الحركة القومية ترشيح إحسان  أوغلو، ولا غرابة في ذلك لأنه عمل مستشارا في السابق لمؤسس الحزب وزعيم القوميين الأتراك ألب أرسلان توركش.

مهما حاول إحسان أوغلو لكسب قلوب أنصار حزب الشعب الجمهوري من خلال الدعاية المكثفة وعمليات العلاقات العامة فلن ينجح في ذلك، ولكنه قد يكسب أصواتهم التي من الممكن أن يدلوا بها نكاية بأردوغان. ومع ذلك، احتمال انتصاره في الانتخابات الرئاسية يبدو بعيدا. والأدهى منه والأمرّ أن معظم هؤلاء الذين يدعون اليوم إلى تأييد إحسان أوغلو في العاشر من شهر أغسطس / آب المقبل سيتخلون عنه بمجرد إعلان النتائج كما تخلوا قبله عن عبد اللطيف شنر.