مقالات مختارة

العراق المستنزِف أميركا يداوي جروحها؟

1300x600
كتب سركيس نعوم: الخبراء والباحثون في أميركا يستبعدون أن يكون الرئيس باراك أوباما منتمياً إلى مدرسة الانعزال في بلاده رغم ان الالتزامات التي تعهّد تنفيذها في معركته الانتخابية الرئاسية الأولى ركّزت في ما يتعلّق بالخارج على سحب الجيش الأميركي من العراق، ثم من أفغانستان، وعلى رفض أي تورّط عسكري مباشر وخصوصاً بري خارج بلاده في أثناء رئاسته.

وهو اتخذ المواقف المشار إليها أولاً حرصاً على أبناء بلاده ومواردها بعدما تحوّلت حرب إزالة أسلحة الدمار الشامل من العراق وتحريره من طغيان الراحل صدّام حسين حرب استنزاف لأميركا من إيران وحلفائها العراقيين، وإشغالاً لها ريثما تتمكن طهران من تنفيذ أجندتها العراقية وتالياً الاقليمية الطموحة جداً. وهم يقولون انه ليس متردداً ولا بارداً ولا متخاذلاً كما يقول عرب وعاملون سابقون في إدارته. لكنه يدرك أن العالم صار معقداً بحيث ما عادت ممارسة أميركا القيادة الأحادية للعالم وعلى نحو مباشر وفظّ ممكنة.

ومن هنا "اخترع" مبدأ "القيادة من الخلف". وهو يعني التعاون والتنسيق مع القوى الدولية الأساسية والاقليمية واعطاؤها أدواراً مع الاحتفاظ بالقيادة التي تستحقها بلاده جراء القوة الهائلة المتنوعة التي تتمتع بها بل تتفوّق بها على الدول الكبرى. ثم يضيف هؤلاء أن أوباما كما أسلافه أو معظمهم فضلاً عن نوابهم وشيوخهم يتصرفون ويقررون انطلاقاً من مصالح أميركا وأحياناً من مصالحهم السياسية رغم عدم تناقضها مع المصالح الاستراتيجية. وأبرزها التزلّف لإسرائيل وعدم محاسبتها والانحياز الدائم إليها والدعم المستمر لها. ولذلك فإن الأميركيين المسؤولين لا ينبسطون عندما يسمعون من حلفاءهم سواء كانوا من العالم الأول (أوروبا مثلاً) أو من العالم الثالث (الدول العربية والاسلامية) انتقادات لاذعة مثل "أنتم لا تدرون مصالحكم ولا تتصرفون على نحو يحفظها". ويردّون على ذلك وإن كانوا أساساً انتقاديين لسياسات رؤوسائهم. وقد حصلت حادثة مع ديبلوماسي اميركي كان يزور بيروت أوائل سنوات الحرب في القرن الماضي، وكانت السفارة الأميركية لا تزال في غربها، إذ انتقد وبشدّة فيها صحافي لبناني في حضور زميلين أميركا لمواقفها ولجهلها مصالحها. فما كان منه إلا أن ضرب على الطاولة بيده قائلا: "نحن هنا لنتحدث عن بلادك، فلا تحاضر أمامنا عن أميركا ومصالحها. نحن أدرى بها".
في أي حال يرى الخبراء والباحثون الاميركيون أنفسهم ان أوباما غير الانفعالي الذي يتخذ قراراته بهدوء وبعيدا من اجواء التشنج يمتلك تصوّراً استراتيجياً لمصالح بلاده وللسياسات التي عليه انتهاجها من أجل المحافظة عليها. فهو وبعدما رأى أن إيران و"محورها الممانع" يستفيدان من إحجامه، وهذا أمر أثرناه في "موقف" سابق،

غضّ الطرف عن ما حصل في العراق أخيراً، فأعاد التوازن بين الثوار والمجاهدين والارهابيين في سوريا وبين النظام، ووجّه للحكم الإيراني رسالة مفادها أن العراق مداه الحيوي يمكن ان يتهدد أيضاً ويتحوّل عبئاً عليه. وعندما وجد أن الذين "قادوا" أحداث العراق الأخيرة بدأوا يخرجون عن الخط المقبول تصرّف وقد يتصرّف أكثر لمنعهم من أخذ المنطقة إلى اتجاهات مرفوضة ومؤذية سواء داخله أو في المنطقة ومنها سوريا وربما لبنان.

وما شهده العراق، يتابع هؤلاء الخبراء والباحثون، من معركة حامية الوطيس حول من يترأس الحكومة بعد الانتخابات النيابية الأخيرة فيه، يؤكدون ان إيران تأثرت دوراً ونهجاً علماً ان ذلك لا يعني ان شيعة العراق وهم غالبية "الشعوب" العراقية سيطعنونها في الظهر لأنهم يعتبرونها عمقهم الاستراتيجي.

فطهران تمسكت في البداية ببقاء نوري المالكي رئيساً للحكومة لـ"ولاية" ثالثة. لكن السنّة كلهم وغالبية الشيعة في العراق ومنهم الأكراد رفضوا ذلك. وعندما نزلت عند ارادتهم قبل يومين تمرّد المالكي، كما تمرّد على أميركا عندما رفضت تأييده السياسي والعملي لأسد سوريا. وتجري الآن معالجة تمرّده بواسطتها وبواسطة قوى دولية واقليمية أخرى فضلاً عن القيادات والمرجعيات العراقية. ولا أحد يعرف إذا كانت المعالجة ستنجح أو ستخلّف نزاعاً شيعياً - شيعياً سياسياً وغير سياسي، وخصوصاً بعد تكليف العبادي تأليف الحكومة. علماً ان نجاحها لا يحجب التحدي الذي شعرت به أخيراً في العراق من داخل ومن خارج. وعلماً أيضاً ان فشلها، الذي لا يتمناه أحد، قد يضعها أمام اختبار صعب. فضلاً عن انه يزيد من الانقسام بل التقسيم في العراق، ويقرِّب شعبه أكثر من الحرب الشاملة المتنوعة.

(النهار اللبنانية)