ملفات وتقارير

انقسام حول مبادرة العمدة للصلح بين السيسي والإخوان

تحفظات واعتراضات في معسكر الإخوان - أرشيفية
أثارت المبادرة التي أعلنها محمد العمدة العضو السابق بمجلس الشعب المصري،  للصلح بين قائد الانقلاب الدموي عبد الفتاح السيسي وجماعة الإخوان المسلمين، انقساما حادا في الرأي بين مؤيدي السيسي الذين أعلنوا رفضها، ومؤيدي الإخوان الذين لم يرفضوها، لكنهم تحفظوا بشأنها.

وقال العمدة -في بيان أصدره أول أمس- إن مبادرته ترتكز إلى بنود أهمها "الاعتراف بالأمر الواقع، وليس شرعية النظام الحالي، واعتبار فترة السيسي فترة انتقالية، يتعاون فيها الجميع لتحقيق مصالحة وطنية تضمن حقوق الشهداء، والإفراج عن المقبوض عليهم، والاعتراف بشرعية جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة، وتوفير المناخ الديمقراطي للعمل السياسي".

وأضاف أن المبادرة حوت كذلك "إدخال تعديلات على قانون الانتخابات تكفل إجراء انتخابات برلمانية نزيهة، وكذلك تعديل قانون التظاهر، والاتفاق على آلية لتعديل الدستور تكفل التوافق الشعبي حول نصوصه"، مشيرا إلى أنه سوف يضع عناصر تفصيلية للمبادرة، وأهاب بالجميع التجاوب معها.

ونقلت شبكة "رصد" عن "العمدة" إجابته عن سؤالها حول أسباب طرح المبادرة الآن بالقول: "إن السبب الرئيسي هو ما اعتبره "استمساك جميع الأطراف برأيها"، وأن البلد وضعها صعب جدا، وأن السياسة تقتضي قدرا من المرونة"، بحسب رأيه.
 
وردا على الاتهامات الموجهه إليه بالخروج من السجن عن طريق صفقة أمنية، قال: "هذا كلام عار تماما من الصحة.. أنا ما زلت على ذمة قضايا".

وأضاف أنه لم يخرج بمفرده، وإنما خرج معه أيضا الدكتور "حلمي الجزار"، أحد قيادات جماعة الإخوان وقال العمدة في بيان له، الأحد: وسيتم تقديم المبادرة الأسبوع المقبل للإخوان ومؤسسة الرئاسة، بحسب وكالة الأناضول للأنباء.

ومحمد العمدة نائب برلماني سابق، أعلن انحيازه إلى الشرعية، وإلى الرئيس محمد مرسي منذ انتخابه في حزيران/ يونيو عام 2012، وحتى بعد الإطاحة به، حيث ظهر بقوة فوق منصة رابعة العدوية قبل أن يتم القبض عليه بعد مذبحة فض رابعة في 14 آب/ أغسطس 2013، ووجهت إليه اتهامات عدة تتعلق بإهانة القضاء، والتحريض على العنف، وذلك في عدد من البرامج التلفزيونية، وتم إخلاء سبيله الاثنين بكفالة 100 ألف جنيه.
 
تحفظات واعتراضات في معسكر الإخوان

وتعليقا على المبادرة، قال خالد الشريف المتحدث الإعلامي لحزب البناء والتنمية إن أصحاب المبادرات، وعلى رأسهم محمد العمدة نياتهم طيبة، وتريد حلا للأزمة. 

وأضاف من مقر إقامته بتركيا -في تصريحات نقلتها صحيفة "اليوم السابع" الأربعاء-: "إن تفعيل تلك المبادرات يتطلب تهيئة الأجواء، ووقف المحاكمات، والإفراج عن المظلومين، ووقف الحملات الإعلامية"، مضيفا أنها كلها تؤدي للتهيئة للحوار، وأن القائمين على السلطة هم من يملكون مفاتيح حل الأزمة. 

 ومن جهته، اعترض السفير إبراهيم يسري، رئيس جبهة الضمير، على مصطلح "مصالحة" قائلا: إنه لفظ دارج خاطئ، والأصح هو "تسوية"، نافيا أي تفاهمات تجري حاليا بين الإسلاميين والنظام الحالي، موضحا أن التسويات التي تجري بين الطرفين يفوز فيها الطرف القوى على الضعيف. 

وأضاف -فيما نقلته صحيفة "المصريون"- أن "السلطة الحالية لا تقبل أي تسويات فى الوقت الراهن"، مشيرا إلى أنه قدم شخصيا ثلاث تسويات قوبلت بالرفض من جانب النظام الموجود، واصفا العمدة بأنه "رجل طيب، ونقي، ولكن مبادرته لن يقبلها الطرفان". 

ومن جانبه، وصف الدكتور خالد سعيد، رئيس "الجبهة السلفية" والقيادي بـ "التحالف الوطني لدعم الشرعية"؛ مبادرة العمدة بأنها "محترمة لأنها صادرة من رجل محترم"، مستدركا: "لكن لن تُقبل لوجود شهداء وقتلى ومصابين، لم يقتص لهم إلى الآن"، مؤكدا  أنه "لا يمكن القبول بأي مبادرات أو مصالحات مع الظلمة"، بحسب تعبيره. 

وشدد على أن: "المصلحة الوطنية هي مقصدنا، لكن هذه مبادرات مذبحة، وليست مصالحة"، على حد تعبيره. 

كما اعترض يسرى حماد، نائب رئيس حزب "الوطن"، والقيادي بـ "تحالف دعم الشرعية" على توقيت المبادرة التي تقدم بها العمدة، قائلا: "كنت أود لو سألت إخوانك أولا عما تم بخصوص المبادرات التي قُدمت من قبل، قبل أن تطرح مبادرتك، وكنت أتمنى أن تنتظر فترة من الزمن لتستعيد عافيتك". 

وأضاف: "لمن لا يعرف.. الرجل ليس قياديا بالإخوان، بل هو رجل متدين، مصري، صعيدي، بسيط". 

أسئلة محسوب السبعة

فى السياق نفسه، قال محمد محسوب، وزير الدولة للشئون القانونية والمجالس النيابية السابق، في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك": "إن كل مصري يسعى لمصالحة أيا كان رأيي فيها.. لا يسعنى أن أشكك بنيته.. لكن كثرة الحديث عن المصالحة لن يحققها، وإنما ما يقربنا إليها هو الإجابة عن أسئلة أعرف أنها صعبة لكنها علاج مر لابد من تناوله للتخلص من مرض عُضال". 

السؤال الأول: من سيدير إجراءات ومرحلة المصالحة؟ هل هو نفسه من اتخذ قرارا بقتل آلاف أو على الأقل مئات المصريين فى سويعات؟ وهل يمكن أن يُساعد ذلك على تحقيقها أم يؤدي لدفنها؟! 

السؤال الثاني: هل ستشمل المصالحة تعويضا للشعب المصري عما فقده -ليس فقط من شهداء ومعذبين- لكن أيضا نزيف أمواله وثرواته التى بلغت -خلال 14 شهرا- حوالي ترليون جنيه مصري (مائة وثلاثين مليار دولار تقريبا)؟! هل ستلتزم الدول التى دعمت الانقلاب ورجال الأعمال الذين مولوه، مثلا، بأن يتضامنوا معا لوضع خطة لتعويض الشعب عما فقده من خيراته؟! أم المصالحة ستعني استمرارهم فى استرداد فاتورة دعمهم للانقلاب بغض النظر عن المخاطر الكارثية التي تحيق بعيش المصريين؟! 

السؤال الثالث: كيف تمكن محاسبة الإعلاميين الذى أداروا ماكينة الكراهية، وأحلوا لمصريين قتل مصريين؟! هل سيُترك لهم مهمة الترويج للمصالحة؟ وهل لديهم المصداقية لذلك؟ وهل من ضمانات لعدم استعمالهم لقتل أي احتمال للمصالحة؟ هل يضمنهم أصحاب مبادرات المصالحة؟ 

السؤال الرابع: إذا كان القضاء سيتحمل الجانب الأكبر فى التسويات الضرورية للمصالحة؛ كيف يمكن إعادة ترتيب البيت القضائي بحيث لا يتحكم فى مصائر الناس من صنع خصومة بينه وبين جزء من الشعب، ومن أشعر الكثير من المصريين بأنهم خصومه لا قضاته؟ 

السؤال الخامس: كيف سيكون وضع القيادات العسكرية الذين أعطوا أوامر بالقتل والجرح والتعذيب؟ هل سيُتركون يكملون عملهم أم ستتم محاسبتهم أم سيتم الاستغناء عنهم؟! لا أسأل عن الضباط والجنود من الدرجات الأقل، وإنما عن عدد معين من القادة أصبح الشعب يعرفهم بالأسماء، وتضمهم التقارير الدولية فى اتهاماتها؟ 

السؤال السادس: ما أدوات التحول من الحالة الدكتاتورية والفوضوية التى تحياها الدولة إلى حالة استقرار وحرية وضمان للحد الأدنى من حقوق المصريين (سياسية واقتصادية)؟! هل باستمرار المسيرة الحالية التى خلقت هذه الفوضى أم بالاتفاق على مسيرة جديدة بإجراءات جديدة؟! لم يسمع أحد بأن أي مبادرة للمصالحة تضمنت (خارطة طريق) جديدة يمكن مناقشتها بعقلانية. 

السؤال السابع: هل يمكن أن تنجح المصالحة بمجرد دعوة الضحايا للقبول بالأمر الواقع؟! وهل من ضمانات (لدى من يطرح المبادرات) بأن من يُمسك بزمام السلطة ويستخدم القوة سيجيب عن أي من الأسئلة السابقة؟ أم أن هذه الأسئلة ليس وقتها، وأن المطلوب الآن هو فقط القبول بالأوضاع القائمة المختلة، التى لا تبشر بأي خير في أي مجال؟!

وعلق محسوب بالقول: "بالتأكيد هناك أسئلة أخرى يمكن طرحها، ومناقشتها سويا.. لكن الإجابة عن هذه الأسئلة السبعة ربما تجعل كثيرين ينصتون للمبادرات.. أما الحديث عن مبادرات بينما السلطة المتحكمة فى رقاب الناس ومعاشهم ماضية فى طريق فرض نفسها بقوة السلاح فلن يكون سوى إهدار للوقت، وحديث طرشان"، وفق تعبيره. 

الموالون للسيسي: مبادرة "خبيثة"

في المقابل، حذر سياسيون موالون للسيسي من الاستجابة لمبادرة العمدة، مؤكدين أنها "خبيثة"، وتستهدف عودة جماعة الإخوان للحياة السياسية من الباب الخلفي، على حد تعبيرهم.

وقال الدكتور أحمد دراج، وكيل مؤسسي حزب الدستور، إن المبادرة "خبيثة" وتصب معظم نقاطها في صالح الجماعة، كما أنها تستهدف من خلال مطالبتها بتعديل قانوني التظاهر والانتخابات البرلمانية اجتذاب العناصر المدنية الرافضة للقانونين؛ للوقوف في صف الجماعة ضد الدولة.

وأكد أن الدولة لن توافق علي هذه المبادرة، وبالتحديد إعادة الشرعية للجماعة والحزب، وإن وافقت تكون ارتكبت خطأ كبيرا؛ لأن الشعب لن يقبل باندماج الجماعة في الحياة السياسية بعد أن هدمت مؤسساته، واستهداف جنوده، بحسب قوله.

ومن جانبه، قال جورج اسحق، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، إن العمدة  ليس له وزن كي يطرح مبادرة للمصالحة بين الدولة والإخوان، مشيرا إلى أن المبادرة "هزل في وقت الجد"، ولن تكون هناك استجابة عليها من جانب الدولة، وفق رأيه.

وفي السياق نفسه، قال حسين عبد الرزاق، نائب رئيس حزب التجمع، إن ما يطرحه "العمدة" ليس مبادرة للتصالح، وإنما محاولة للعودة للحياة السياسية من الباب الخلفي؛ لأن المصالحة شروطها معروفة، كما تمت في كل بلدان العالم، وهي أن يعترف الإخوان بجرائمهم في حق الشعب، ويعتذروا، ويقبلوا الجزاء بعد أن يوقفوا عمليات العنف، بحسب مزاعمه.

وأشار إلى أن تعديل قانوني التظاهر والانتخابات البرلمانية، مطلب لكل القوى السياسية، ولا مجال لهم في المصالحة، على حد قوله.

أما الدكتور كمال حبيب الباحث فى الجماعات الإسلامية فقال إن المبادرة تؤكد أن جماعة الإخوان تبحث الآن عن أي حل، وأن الإفراج عن حلمي الجزار قد يسهم فى ذلك، على حد قوله.