كتاب عربي 21

وإذا المرجومة سئلت بأي نص قتلت

1300x600
يقول تعالى: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ".

ويقول تعالى: وَالَّلاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، واللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا.

يأمرنا الله بالجلد عقابا رادعا، قاسيا، ويحذرنا من الرأفة لأنها شعور إنساني طبيعي والحال كذلك، لذا كان التحذير، رحمة بنا، وإشفاقا علينا، كما يطرح حلولا أخرى حسب تغير الأزمنة والأمكنة والمقامات والأحوال وذلك لحماية المجتمع من خطر انتشار الرذائل، وتوفير البدائل المختلفة أمام من يريد إصلاحا، فيقول: "فأمسكوهن في البيوت"، ويقول: "فآذوهما" لعل في هذه الإقامة الجبرية الدائمة أو المؤقتة، أو التقريع والتعيير، وهو الإيذاء المقصود، رادعا.

هذه المساحات الرحبة التي لا تهمل الجرم ولا تتركه يتمدد لكنها أيضا لا تتعامل معه بوصفه نهاية تاريخ المذنب، والحد الفاصل بينه وبين الحياة، هذه الآفاق يرفضها فقهاء الحل الواحد، والرؤية الواحدة، وتأميم النص، وسجنه في دائرة إجماع علماء زمن واحد في تاريخ واحد ومجتمع واحد، ذلك الذي لم ينعقد على حجيته إجماع أصلا، فضلا عن الاضطراب الواضح في تعريفه ودلالته.
لقد تخلص الفقهاء من كل ما عدا الجلد، بدعوى نسخ الآيات، ثم عادوا ليخبروننا أن الآيات التي نقرأها آناء الليل وأطراف النهار، ونتعبد بها منذ نزول الوحي إلى قيام الساعة، هي مجرد سطور على ورق، للقراءة، وليس لها أي أثر في حياة المسلم، لأنها منسوخة بغيرها!!!.

ومن نسخ الموجود إلى إثبات المنسوخ، كي تكتمل دائرة العبث، ويصبح لزاما علينا أن نختار بين الشك بالدين أو الكفر بهم، فهم يخبروننا أن القرآن الكريم كان فيه آية تأمرنا برجم الزاني والزانية، من المحصنين، وأين ذهبت الآية؟ أكلتها الفرخة .. مهلا يا صديقي ليس هذا موضع سخرية أو استهزاء، أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، هذه أحدى المرويات اللقيطة فعلا، والتي يسوقها بعض أصحاب هذا الرأي بوصفها سببا في اختفاء الآية من المصحف: حدثنا ‏ ‏أبو سلمة يحيى بن خلف ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الأعلى ‏ ‏عن ‏ ‏محمد بن إسحق ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن أبي بكر ‏ ‏عن ‏ ‏عمرة ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏وعن ‏ ‏عبد الرحمن بن القاسم ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏قالت: لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وتشاغلنا بموته دخل ‏‏داجن ‏‏فأكلها.

وهنا يمكننا أن نشرح لبقية الأمم كيف أن الله تعالى هو الذي أنزل القرآن الكريم وتعهد بحفظه، ولا شك أنهم سيصدقوننا، ولم لا وقد صدقنا انفسنا، وطرحنا هذه المرويات المدسوسة على تراثنا في كتب لا تتنزه عن الخطأ رفعناها بدورها إلى مرتبة الوحي المحفوظ، وجعلنا من صحيحها عندنا قرآنا آخر.

ومن وراء الآية المتخيلة مرويات هنا وهناك تزعم بدورها أن النبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين قد رجم، وأن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم قد رجموا، منها مثلا كلام منسوب للفاروق عمر بن الخطاب يقول فيه: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي، والآن عليك أن تحذف كل ما قرأته في حياتك عن عمر بن الخطاب الذي فرق الله به بين الحق والباطل، فهذا عمر الذي يخشاه الشيطان يمتنع عن كتابة آية قرأها ووعاها ورأى تطبيقها لأنه يخشى كلام الناس!

مساحة المقال لا تتسع لمزيد من عبثيات الأخبار والمرويات والآثار التي مرت على الناقد دون التفات لكتاب الله وسنن نبيه الصحيحة المتواترة، ودون الاهتمام بنقد المتن بدرجة تساوي نقد السند أو تزيد، وكان من نتائجها ما نحن فيه إلى الآن من تخبط وارتباك وأخطاء فادحة في القراءة والتلقي والاستدلال، إلا أن الغائب ليس بأفضل من الحاضر، كلاهما معتل، جزافي، خرافي، لا وزن له، ولا معنى، سوى أن بعضا من فقهائنا قرروا أن يأخذوا به، وأن يسوقوه ولو كان سببا في إيقاع الشك في دين الله نفسه انتصارا لمذهبهم.

لقد أمر الله في أقصى عقوبة للزاني بالجلد، وطرح حلولا أخرى أكثر رحمة واحتراما لآدمية المسلمين، ليس هذا فحسب بل لقد فتح الطريق امام تجاوز الحد بالتوبة، والرجوع وعدم العودة جاعلا من الحد الكلمة الأخيرة لمن لم تردعه توبة ولم يكفه الإنذار والتقريع.

يقول الدكتور جاسر عودة في كتابه الهام: "نقد نظرية النسخ .. بحث في فقه مقاصد الشريعة": وآية الجلد على إحكامها لابد من أن نضعها كذلك في سياق الأحكام الأخرى في الباب نفسه، وليس بمعزل عنها، فمثلا، إذا رأى الحاكم قبول سقوط الحد الذي تقتضيه الآية بتوبة الجاني، فيمكنه أن يعفو عنه، أو يعمل الآيات الأخف تعزيرا، وإذا كان الله تعالى يقول عن المحاربين:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم" وإذا كان العلماء لم يختلف واحد منهم في هذه الآية على أن حد الحرابة يسقط بالتوبة كما تنص الآية صراحة، فكيف بالتوبة في غيرها من الحدود على الرغم من أنها عقوبات أخف على جرائم أخف.

وفي آراء القدماء والمحدثين ما يوافق رأي عودة وأبرزهم ابن قيم الجوزية، وتوفيق الشاوي، ومحمد سليم العوا، وآخرون.

 في مواقع التواصل الاجتماعي انتشر فيديو رجم "داعش" لسيدة زنت أمام أبيها، الشاب الذي يتولى قراءة ديباجة بدعة الرجم يبدو متصالحا مع ما يفعل لا يعاني من أزمة نفسية، أو رغبة في القتل، أو الوحشية بحال، والأنكى أن والد السيدة رحمها الله تعالى يقف معهم مؤيدا، ورافضا أن يسامح ابنته التي تتوسل له أن يسامحها قبل أن تموت، فيما يلح عليه الشاب الذي سيرجمها بعد قليل مع أصحابه أن يسامحها، ويرفض.

شاهدت الفيديو وظللت أتأمل طويلا في حال هؤلاء المساكين جميعا، الدواعش، ووالد السيدة المسكينة، والسيدة نفسها التي تبدو راضية بما تظنه حكم الله، قاومت إحساسا عميقا بالقهر، وآثرت مزيد من التفكير، هؤلاء جميعا ظنوا أنهم منفذون لحكم الله، وما هو حكم الله، ولا يوجد دليلا واحد قويا يصلح لإهدار دم و"آدمية" مسلم إلى هذا الحد، وكل مروياتنا عن المسألة معتلة، فما الذي آل بهؤلاء إلى هذا المستنقع الآسن؟

في بلاد لا شغل لعلمائها سوى شغل الناس عن حقوقهم في العدل والحرية والكرامة الإنسانية بحرمة حلقهم للاحهم، وجريمة ظهور وجوه نسائهم، ومصيبة سماعهم للأغاني، وكارثة مشاهدتهم للتليفزيون، ووجوب لزومهم بيوتهم، وطاعتهم لحكامهم، واتباعهم لمذاهبهم، وتكفيرهم لمخالفيهم للدين، وتبديعهم لمخالفيهم في المذهب، في بلاد كهذه تكون محظوظا، إذا لم تصبع داعشيا، داعش هي النتيجة الطبيعية، بقطع النظر عن أي سياقات سياسية ساهمت في انتاجها واستشرائها واستعمالها، داعش هي بعض من غراس مشائخنا الكسالى عن فعل شيء سوى مزيد من التأسيس والترسيخ والتوتيد والتوطيد لسلطتهم الدينية وقيوميتهم الروحية والعقلية على الناس، والأهم: رضا الحاكم: ظل الله على الأرض.

مرة أخرى، هذا مشهد غريب وشاذ، هذا دين داعش، لا دين الله، ومهما علت الأصوات وارتفعت الأيادي فإن هذا لن يغني عن كتاب الله شيء، هذا مشهد يرفضه القرآن الكريم بوضوح، كتاب الله الذي نزل على محمد، وحفظه الله تعالى، ولم تأكله الداجن.

إن المسكينة التي رجموها ظلما كانت تناشد آباء البنات قبل موتها بألا يجبروهن على شيء، وكأنها تشير إلى الجاني الحقيقي، القهر، والظلم، والعدوان على حقها في الحياة والاختيار، والأنكى، بل والأوسخ: التبرير لكل هذا وتوفير الظهير الشرعي والمعرفي له.

والسؤال: متى يقوم العلماء والمتخصصون في المعارف الشرعية بشغلتهم الوحيدة، وهي إعادة النظر والقراءة والنقد لركام المرويات المطبق على صدور الناس ويوشك أن ينتزع منهم دينهم من بعد دنياهم؟ ومتى نكف عن اعتبارهم علماء ومرجعيات قبل أن يفعلوا؟ ومتى نفهم جميعا أن هذه المرجومة ضحية عالم كذاب، وعاطل، وآخر يتبعه وهو أعمى، ولعلها قبل الرجم وبعده أشرف منهما معا، وأكثر استحقاقا للاحترام، والانحياز والمساعدة، متى نخرج من دين داعش، دين السلطان، دين المرويات والحكايات والأساطير إلى دين الله القائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ.