كتاب عربي 21

"النعجة دولي" تطل بلحيتها البيضاء: الشيخوخة المبكرة للانقلاب!

1300x600
لا أعرف مصير "النعجة دولي"، وهل هي علي قيد الحياة، أم رقدت على رجاء القيامة؛ فلست متابعاً لمسيرتها العطرة..

فما أعرفه، أن المستنسخة "دولي" ظهرت بعد عام من ذيوع شهرتها، وقد دبت فيها شيخوخة مبكرة، ووهن العظم منها، وظهرت لها لحية بيضاء، تظهر للنعاج عندما يتقدم بها السن.. وكذلك الانقلاب العسكري في مصر، الذي يعاني من شيخوخة ظهرت عليه قبل الأوان وبات الخطر الذي يواجهه من داخله، أكثر من هذا الذي يواجهه من خارج دوائره، حتى صار مؤهلاً لإطلاق رصاصة الرحمة عليه، أخشى ألا تبادر بها القوى الموالية للشرعية، ليكون الأمر بيد "الرعاة الرسميون" لهذا الانقلاب في الخارج، فيسبقون هذه القوى بخطوة، وربما بخطوات، بما يمكن من إعادة "تدوير الانقلاب"، وهو الاصطلاح، الذي دشنته، وقد استقيته من اختراع "تدوير القمامة"، عندما يتم تدويرها إلى منتجات، تدخل الغش والتدليس على الناس، فلا يظنون لبريقها، أنها في الأصل "قمامة"!.

لا أقلل من حجم تأثير الحراك الحاصل الآن على الأرض، رغم أن البعض لا يراه يشفي الغليل. فهذا الحراك الثوري نجح في حصار الانقلاب، وعدم تمكينه من الاستمتاع بالمسروقات. وهو الذي جعل من الثورة المصرية قضية حية في الداخل والخارج، وجعل عبد الفتاح السيسي يتحرك داخلياً وخارجياً، وهو يتحسس بطحته، التي تتمثل في أنه جاء للحكم نتيجة انقلاب علي الشرعية، وليس بالإرادة الحرة للناس.

وهذا الحراك ساهم في إفقاد الظهير الشعبي للسيسي للحماس، ومنه من كان كل ما يشغله منذ قيام ثورة يناير، هو تحقيق الاستقرار، وقد استقر الرأي عند هذا القطاع على أن السيسي هو القادر على ذلك، فهو "الدكر". ولكن ها هو "الدكر" يغرق في شبر ماء، ويعجز عن تحقيق الاستقرار، فيبدد كل جهده في مواجهة الخصم السياسي، ولا ينشغل بأمن المواطن والجريمة الجنائية، رغم احتشاد الشرطة والجيش من أجل إنجاحه!.

وإذا كان الأقباط الأرثوذكس، هم الكتلة المهمة التي وقفت مع السيسي في انقلابه، فقد بدوا الآن بفضل استمرار أصحاب الحق في الشوارع، لا يضرهم من ضل، وبفضل فشل السيسي في الحكم، يستشعرون خطراً من المستقبل، إذا انكسر هذا الانقلاب فجأة، وفشل العقلاء في السيطرة على الموقف، وهو أمر مطروح، ولعل هذا ما يخيف جماعة الإخوان، فهي لا تريد انتصاراً علي الانقلاب بالضربة القاضية، فهم يريدون إسقاطه، بذات الطريقة التي سقط بها مبارك، علي نحو يمكنهم من السيطرة على الحراك الثوري، فلا يتحول إلى فوضى، ينتصر فيها المظلومون لأنفسهم بأيديهم، وإذا خرج شباب الجماعة عن "طوع القيادة" يوماً، فقد يكون من الصعب كبح جماحهم بعد ذلك، وقد تكون الثورة نتيجة لذلك كالثورة الإيرانية في بدايتها، فلم يكن المجتمع الإيراني الذي ابتلي بحكم الطاغية، قادراً علي أن يكون سمحاً كسماحة الثوار المصريين بعد ثورة يناير، وهي السماحة التي يراها الشباب المتحمس قد أوردت ثورتهم مورد التهلكة، ومكنت منها الثورة المضادة.

بعيداً عن ذلك فان المخاطر التي تتهدد الانقلاب العسكري، من داخله باتت هي الأقوى، فعبد الفتاح السيسي يحكم البلاد بشكل منفرد، فلا يستمع لأحد، ولا يوجد بجواره من هو صاحب كلمة مسموعة، أو غير مسموعة، والرجل يتلبسه إحساساً طاغياً، بالتفرد والحنكة، وتبدو مشكلته في عجزه عن التعبير، وعدم قدرته على الكلام، لأن الكلام يمر عنده عبر "فلاتر" بحسب اعتقاده، ولذا فلا يستمع لمن ألحن منه في حجته، فيهزمه، ليقينه بأنه هو العليم ببواطن الأمور، والذي أوتي العلم اللدني، وهو العلم الرباني، الذي اصطفي الله به عباده المخلصين!.

السيسي يريد أن يعامل مكونات الانقلاب في الداخل، بأنه الزعيم الأوحد، وينبغي أن يقفوا أمام باب القبول، فيقبل من يشاء في بلاطه، ويصرف من يشاء. وهم يعتقدون في أنهم شركاء في الانقلاب عند التواضع، لأنهم هم أصحاب هذا الانقلاب، وأن دوره، ليس أكثر من دور حركة "تمرد"، وهو لاستيفاء الشكل. فتمرد وأخواتها مثلوا غطاء ثورياً، وموقع السيسي كقائد للجيش، مثل العضلات، لكنهم هم العقل المفكر، وما جرى تم الإنفاق عليه من جيوبهم، وهم الذين حشدوا الحشود!.

لقد أراهم "العين الحمراء"، فردوا عليه التحية بأسوأ منها، قال أنه يريد منهم مائة مليار جنيه، وأنهم سيدفعونها شاءوا أم أبوا، لكنهم نقلوا الحقيقة المجردة في اليوم الأول للانتخابات والعزوف الجماهيري، ولم ينسوا أن يلطموا الخدود حزناً لذلك. فهم يملكون الميكروفون ممثلاً في الفضائيات الذي اسقطوا به الرئيس محمد مرسي.

السيسي يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، في قرار تحديد موعد الانتخابات البرلمانية، لأنه يخشي من مخطط رجال الأعمال " شركاء الانقلاب"، من أن يسيطروا بأموالهم علي البرلمان، على نحو يجعل منه أداة في أيديهم لوضعه في حجمه الطبيعي، وهنا كانت الاستعانة بنواب الحزب الوطني "المنحل"، وخرج أحمد عز أمين التنظيم بهذا الحزب من السجن ليستعد بالنواب السابقين لخوض الانتخابات. فهو بالنسبة للسيسي يمثل "الأمان العاطفي"، فسيظل السيسي صاحب فضل عليه. فعز لم يشارك في الانقلاب، ولن يدعي أنه صاحب دور فيه.

السيسي فقد مبكراً ظهيره الشعبي، من العوام، وهم أكثرية مؤيديه، برفعه للدعم الجزئي على المحروقات، وبفشله في حل الأزمة الاقتصادية، وكانوا هم أول من اكتوى برفع الأسعار. ويدفعون فاتورة عودة الشرطة لسابق عهدها وبشكل أعنف للتسلط على الشعب. انتقاماً لسنوات الهوان التي عاشها ضباط وأفراد الشرطة!.

وإذا كان السيسي يعتمد الآن علي أدوات القوة ممثلة في الجيش والشرطة، فان الأخيرة هي التي تعمل على الأرض، ولها الخبرة، وهي الآن تشعر بخيبة أمل كبيرة، إذ ظن القوم أن الانقلاب علي حكم ثورة يناير، سيعيدهم سادة وما دونهم كعبيد كما كانوا في عهد مبارك، لكن اكتشفوا أن المطلوب منهم أن يكونوا "عساكر مراسلة"، وعملية تكدير ضابط شرطة ومجموعته، علي يد قوات من الجيش، خلقت في نفوسهم مرارة. ولم تكن هي الحادثة الأولى، وإن كانت الأبرز، علي نحو يدفع لتخوف السيسي من أن يتحول البعض منهم إلى أداة طيعة في يد رجال الأعمال هؤلاء، في الانتخابات، ربما للانتقام "مدفوع الأجر"!.

جريدة "الشروق" وثيقة الصلة بالانقلاب، وبعبد الفتاح السيسي، نشرت أن تقريراً رفع له "يحذر من تزايد درجة الغضب بين دوائر سياسية عديدة شاركت في تحالف 30 يونيه".

لقد استشعرت القوى السياسية الفاشلة الأزمة التي يعيشها السيسي، فوجدتها فرصة سانحة لتقدم نفسها على أنها "في الخدمة"، ولم يتوقف السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد، عن تقديم نفسه علي أنه رهن الإشارة، فيتطوع عن إعلان تحالفه الانتخابي عن أن يكون المستشار عدلي منصور هو رئيس البرلمان القادم، ظناً منه أن هذه رغبة السيسي، كما لخص دور البرلمان القادم الذي يناضل من أجل الفوز بأغلبيته، على تعديل الدستور بما يمكن "رئيس الجمهورية" من صلاحيات أوسع!.

أما حمدين صباحي، الذي بات في حكم من صدر ضده قرار بالعزل السياسي بعد الانتخابات الرئاسية، ومنع حتى من أن يقوم بدور المعارض، فقد وجدها فرصة مواتية، ليطفوا علي السطح من جديد، ولو من باب الخادم الأمين للسيسي، باعتبار أن خدمته خدمة للوطن، والعمل من أجل عدم تفتته. ونشرت جريدة "المصري اليوم" عن لقاء عقد في منزل أحد اللواءات، يستهدف الوقوف بجانب السيسي في " محنته".

وتكمن مشكلة هؤلاء، في أن السيسي لا يريد أصحاب فضل بجواره وهو أمر من طباع العسكر إذا حكموا، انظر كيف انتقم عبد الناصر، إلى درجة التصفية، من كل من أسدوا له جميلاً في يوم من الأيام عندما استتب له الأمر.

فضلاً عن أن السيسي الذي يعترف لدرجة الفخر بأنه ليس سياسياً، وإن كان يتولى أعلي منصب سياسي في البلاد، يكره الساسة، ويريد حلفاء بدون خلفية سياسية، ليصبح هو بالنسبة لهم "الأستاذ المعلم". وقبل هذا وبعده، فان من ينتهزون الفرصة، ويقدمون أنفسهم له على أنهم رهن إشارته، لا يمتلكون شعبية في الشارع تجعل من وجودهم بجواره قيمة.

ثلاث مقالات نشرت في الأسبوعين الماضيين لثلاثة كتاب مقربين من الانقلاب، تكشف حجم الأزمة التي تواجه الانقلاب داخلياً وخارجياً، إذا استبعدنا الطموح الشخصي للكتاب، استغلالاً للازمة!.

المقال الأول لمأمون فندي، تعليقاً علي ما كتبته صحيفة "نيويورك تايمز" من أن السيسي جاء بانقلاب عسكري، وأنه عدو للحريات.. وقد كشف عن أن هذا سيكون له تأثيره علي صانع القرار في واشنطن. وهو أمر كاشف عن فشل زيارة صاحبنا لنيويورك رغم "فرح العمدة" الذي نصب له!.

المقال الثاني كاتبه هو سعد الدين إبراهيم، والذي وان كان تحدث سلبياً عن جماعة الإخوان، وكيف أنها انتهت سياسياً، فإنه طالب بالمصالحة معها، وهو أمر يأتي تعبيراً عن أزمة السيسي، فيقترح إبراهيم حل الأزمة بالمصالحة، وربما يكتب هذا استجابة لأمر صدر من أوباما للسيسي في لقائهما بنيويورك، وربما ليخيف أطراف الانقلاب الأخرى من أنهم إن استمروا في مناوئتهم للسيسي فقد يضطر ليتحالف مع حزب الأغلبية نكاية فيهم.. وربما كتب ما كتب لهذا كله.

أما المقال الثالث فهو للكاتب الناصري عبد الله السناوي، المؤيد للانقلاب العسكري بالفطرة، والمدافع عنه، والذي رصد حجم الأزمة وأسبابها فـ"شيء من الشك بدأ يتسرب في صحة الرهان".. "الظلم الاجتماعي هو كلمة السر في اللغة كلها".. "كتلة التململ الحرجة قد تخرج عن صمتها الطوعي على أي أخطاء".. "لا أحد بوسعه أن يوافق على الطريقة التي تدار بها أزمة الدولة مع شبابها التي وصلت للقطيعة الكاملة".

إنها "النعجة دولي" تطل بلحيتها البيضاء.. فالهمة يا شباب.