كتاب عربي 21

الهيمنة الإيرانية في اليمن عبر اجتزاء الجغرافيا

1300x600
قبل أكثر من أسبوعين زار وفدٌ من جماعة التمرد الحوثية المسلحة، طهران، مدشنًا أولى الرحلات الجوية التي تم البدء بتسييرها، وأُعلن حينها أنها ستشمل 28 رحلة جوية تُسيرها شركتا الخطوط الجوية في البلدين. وخلال هذه الزيارة وفي ختامها أطلق وفد الجماعة المسلحة، سلسلة من التصريحات بشأن حجم التعاون المستقبلي الذي تحاول إيران إقامته مع سلطة الأمر الواقع في صنعاء. أبرز مجالات هذا التعاون هو إطلاق يد إيران في أهم ميناء تجاري في اليمن بعد ميناء عدن، والأكثر نشاطًا على الإطلاق، هو ميناء الحديدة.

لا يتوقف التدخل الإيراني المعيق للسلام في اليمن على الادعاء بأن صنعاء باتت جزءًا من الإمبراطورية الفارسية، ولكنها بدأت تسرب تصريحات خطيرة مفادها أن شمال اليمن باتت جغرافية محاصرة ومعزولة إقليميًا، بعد أن اتجهت الأنظار إلى عدن حيث انتقل الرئيس هادي إلى هناك لممارسة صلاحياته الرئاسية.

لا أحد يريد عزل صنعاء وشمال اليمن أكثر من إيران، لقد تعودت على التعامل مع جغرافيات مجتزئة من دول عربية ذات سيادة: (لبنان وسوريا أنموذجًا)، ومارست في ظل هذا الواقع أدوارًا معيقة ليس فقط للسلم الاجتماعي في تلك البلدان، ولكنها أيضًا مدمرة لمقومات العيش المشترك بين المكونات الاجتماعية والسياسية فيها.

عبر ميناء الحديدة يؤسس الإيرانيون وجودهم وتأثيرهم في الشأن اليمني، إذ لطالما أنفقوا أموالاً طائلة في الدعم اللوجستي الذي قدموه للحوثيين طيلة السنوات الماضية، وخاضوا تجارب مضنية ومحفوفة بالمخاطر، من أجل إيصال السلاح لجماعة التمرد الحوثية، التي كانت تقاتل الدولة في محافظة صعدة في الشمال الغربي للبلاد، وتم إيقاف سفينتين على الأقل، تحملان اسمي (جيهان1، وجيهان2) وعلى متنهما أسلحة ثقيلة بينها صواريخ مضادة للطائرات.

اليوم بإمكان إيران فيما لو تمادت في ممارساتها المنافية للقانون الدولي، أن تستغل الوجود الشاذ للجماعة الحوثية المتمردة في صنعاء، في وضع اليد على البلاد، بدءًا بمنافذها البحرية والجوية التي تختصر الكثير من الجهد والوقت في عملية طويلة الأمد لتأسيس وجودها الذي تتداخل أهدافه الجيوسياسية مع العقائدية، لتولد مغامرة إيرانية يبدو أن اليمنيين متحفزين أكثر من أي وقت مضى لإجهاضها، إذا لم تعترضها انتهازية أخرى من دول الإقليم، كما حدث في 21 أيلول/ سبتمبر 2014.

 وعلى الرغم من نافذة الأمل التي يحاول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن يفتحها بقبول دعوة أوعز بها المجلس أصلاً إلى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، بشأن رعاية حوار بين الأطراف السياسية اليمنية في مقر أمانته العامة بالرياض، إلا أن الأفق يبدو أكثر انسدادًا، بما لا يسمح بنفاذ حلول حقيقية لمشكلة اليمن التي تزداد تعقيدًا، بحيث يبدو أن خيارات الحرب باتت أكثر احتمالاً.

بالأمس أكمل لواء عسكري انتشاره في مدينة عدن تنفيذا لتوجيهات الرئيس عبد ربه منصور هادي، فيما يبدو أنه تهديد حقيقي من الحلف الذي نفذ انقلابًا فاشلاً ضد الرئيس، وهو حلف يضم الرئيس المخلوع والقوى العسكرية المرتبطة به، وجماعة التمرد الحوثية، خصوصًا وأن الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، كان قد ظهر كزعيم حرب نافذ ليهدد بحرب أخرى ضد الجنوب، وتحت يافطة الدفاع عن الوحدة.

خلال هذا الظهور أطلق المخلوع تهديدًا للرئيس ومن ينتقل إلى عدن بأنهم لن يحظوا بمنافذ عديدة للهرب من عدن كما كان الحال عام 1994، عندما هاجم الشمال بقيادة المخلوع المحافظات الجنوبية، ومارس عملية إقصاء شاملة للشركاء السياسيين الجنوبيين وقام بتصفية القوات المسلحة والأمن الجنوبيتين، وفرض احتلالًا مباشرًا للجنوب.

بالتأكيد لا يمكن النظر إلى التلويح بالحرب، من جانب الرئيس المخلوع وشركائه الحوثيين، لا يمكن أن يتم في معزل عن المساندة الإيرانية، في ظل ما يفترض أنها عزلة مفروضة على صنعاء من قبل الإقليم والمجتمع الدولي.. ولا شك أن هدف حلف الانقلاب وإيران هو الانقضاض على الجنوب وطي صفحة التسوية السياسية، وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 2011.

ولا شيء يمكن أن يؤذي دول مجلس التعاون وأمنها الإقليمي أكثر من تمكن حلف الانقلاب الموالي لإيران من حكم البلاد والسيطرة عليها، وإعادة إنتاج النظام الجهوي والمذهبي والشمولي ذاته الذي سيطر على كامل المحافظات اليمنية الشمالية والجنوبية، منذ 1994.