كتاب عربي 21

الخيط الرفيع بين السخرية والمسخرة

1300x600
السؤال الصعب الذي يواجه من يمارسون الكتابة الساخرة هو: مم وممن تسخر؟ وكيف تسخر دون أن تتمسخر؟

تستطيع أن تسخر من كل "الأوضاع"، ولكنك لا تستطيع أن تسخر من كل "الناس"، فالشخصيات العامة من ساسة ومطربين ومؤلفين ومفكرين، إلخ، توفر سوقا ضخمة لأفكار المقال والكتب الساخرة، ودمها مباح، بل هناك أفراد من "عامة" الناس يأتون سلوكيات وأقوال تستجدي التناول الساخر، ولكن الكاتب الماهر هو من يحول ملكة السخرية إلى سيف بلاستيكي، لا يجرح ولا يدمي، بل يطعن القراء في جنبات أجسادهم بلطف فتنفرج أساريرهم بالابتسام أو ينفجرون ضاحكين. 

ومن حسن حظ الكتابة الساخرة في العالم العربي أنها ارتبطت بأسماء ذات مكانة عالية مستحقة، الجاحظ  والمازني وابن النديم وشفيق المصري والسعدني، وغيرهم، وهناك شعراء ذوو قامات فارعة كتبوا الشعر الساخر، غير أنه، من سوء حظها أن هناك من يتخذ منه أداة للشتم والسب المقذع البذيء، (ولكن هل تملك إلا أن تبتسم وأنت تسمع الشاعر يهجو آخر: يا عبقريا في شناعته ** ولدتك أمك وهي معتذرة؟).  

وهذه الفئة الأخيرة – الشتامون - هي التي جعلت الكثيرين يدرجون الكتابة الساخرة، تحت بند المسخرة ولا يعدّونها "جادة"، رغم أنها – في حال ممارستها بمسؤولية – تعدّ قمة الجدية، فالكاتب الساخر يتناول القضايا العامة شأنه شأن غيره من الكتاب، ولكن بلغة ومفردات لطيفة خالية من الوعظ والتقريرية والمباشَرة والهتاف. 

وعلى سبيل المثال، ففي الكتابة التقليدية يستطيع كاتب أن يتناول موضوعا معينا، وأن يردد في سياقه شعارات مستهلكة مثل "بالروح والدم نفديك يا زعيم"، بينما قد يتناول الكاتب الساخر الموضوع ذاته، ويهتف: بالدم والروح نفديك يا دحدوح، وباستخدام اسم عبثي (دحدوح) يكون قد أوصل رسالة مفادها أنه لا يرى زعيماً يستحق الافتداء بالدم والروح، وبعدها يكون ذنبه على جنبه. 

ولأن الأدب العربي اقتصر في معظم عصور نهضته ونكسته على الشعر، فإنه من العسف التحدث عن "أدب عربي ساخر". هناك شعر كثير ساخر، شارك فيه بين الحين والآخر أعلام مثل شوقي وحافظ إبراهيم، وكانت هجائيات المتنبي لكافور، "قمة" في السخرية "الممتعة" على قسوتها و"عنصريتها"، ثم أبدع كثيرون ما يسمى بالشعر الحلمنتيشي، ورغم أنه في معظمه يتسم ببلاغيات ومضامين رائعة، إلا أن هناك ترددا وإحجاما عن إدراجه تحت بند "الأدب".

ومع ظهور الصحف اليومية والدورية صارت هناك "مقالات" ساخرة، ولكن لا أعرف لغير الجاحظ أعمالا أدبية كاملة ساخرة، أعني أنه لم يعرف عن أديب عربي أنه ينتج الراوية أو المسرحية الساخرة كما هو الحال -مثلا- مع مارك توين، وتوم شارب، وبي جيه وود هاوس، وبرنارد شو، وأوسكار وايلد في الأدب المكتوب بالإنجليزية، ورغم رواج الأعمال الأدبية المترجمة إلى العربية للكاتب التركي عزيز نسين، إلا أن الكتاب الساخرين العرب – وبعضهم يملك كل الأدوات اللازمة – لم يُقْدموا على دخول مجال القصة والرواية والمسرحية الساخرة، ربما لتخوفهم من أن المتلقي العربي ما زال يعتقد أن الكتابة الساخرة "غير جادة".

وككاتب صحفي أضفت عليه إدارات الصحف والقراء لقب "ساخر"، فقد عانيت من تلك "العقدة". يأتيك أحدهم هاشاً باشاً ليقول لك: يا سلام.. أنت كاتب فكاهي ممتاز.. أنت كاتبي الكوميدي المفضل!! هو يقصد المدح، ولكنه مدح أقرب إلى الذم، فمع أنه لا ضير في أن يكون الإنسان "فكاهيا كوميديا"، إلا أن الفكاهة والكوميديا كلمتان مطاطيتان، تشملان الدعابة الذكية، والنكات البذيئة، وحكايات الحشاشين، والحركات والإيماءات الجسدية، وعادل إمام مثلا "كوميدي"، ولكن عندما يقول الشاعر الراحل أحمد مطر: حلم العرب بإمام عادل ثم قنعوا بعادل إمام، فإنه يكون قد أتى بعبارة ساخرة بارعة بامتياز.

ولكن لا سبيل لإنكار أن الكتابة الساخرة صارت محل قبول واحترام واسع في العالم العربي، وقل أن تجد اليوم صحيفة أو مجلة لا تحوي مقالا ساخرا، وكما أن النار من مستصغر الشرر، فإن الأعمال الأدبية الكبيرة ستولد من رحم تلك المقالات. 

وفي اعتقادي، فإن المناخ السلطوي القمعي الذي سبب ثقبا في أوزون الثقافة العربية لعقود طويلة، يمثل الحاضنة التي ستخرج من تلافيفها أعمال أدبية ساخرة وباترة، لأن الكتابة الساخرة هي أفضل وأنجع أداة للتحايل والخروج على ما هو سائد، والالتفاف حول القوالب والأطر الجامدة.

وبالتالي فالكاتب الساخر يستطيع "استعباط" الرقيب، لأن مفرداته وعباراته حمالات أوجه، ما لم يكن الرقيب ذكيا على نحو استثنائي، كما في الطرفة الرائجة عن الشرطي الذي اعتقل شخصا يوزع أوراقا بيضاء في مكان عام على الجمهور، فلما احتج المعتقل وطلب تفسيرا لاعتقاله، وهو يوزع ورقا ليس فيه كلمة واحدة، رد عليه الشرطي: هل تحسبني غبيا؟ أنت تريد أن تقول للناس أن واقع الحال في البلد لا يحتاج إلى "كلام"!!