مقالات مختارة

الإسلاميون وجاهلية العنصرية: السودان نموذجا

1300x600
رغم كثرة الاتهامات لحكومات السودان ـوحتى شعبه- باستهداف الأقليات على أساس عرقي، فإن السودان المركزي ظل فريدا في بعده عما شهدته بلدان أفريقية وعربية أخرى من تناحر عرقي، ما عدا استثناءات سنعرض لها تؤكد القاعدة. 

على سبيل المثال، فإن نازحي حرب الجنوب كانوا يلجؤون باستمرار إلى المواقع التي تسيطر عليها الحكومة، سواء في الجنوب أو في مدن السودان الشمالي، خاصة العاصمة الخرطوم، دون خوف من استهداف على أساس عرقي. بالقدر ذاته، فإن غالبية نازحي الحرب في دارفور لجأوا إلى المدن التي يسيطر عليها النظام في دارفور. 

وقد ظلت غالبية المواطنين في حالة حياد في الصراع بين الأنظمة المتعاقبة والحركات المتمردة في مناطق السودان المختلفة، بل ظل كثير منهم يجاهر بالتعاطف مع الحركات ضد النظام. هذا على الرغم من خطاب بعض هذه الحركات الذي يجرم السودانيين الشماليين بالجملة. 

ورغم وجود رواسب من التعصب الجاهلي لا يخلو منها مجتمع، إلا أن المجتمع السوداني ظل نموذجا يحتذى به في التعامل المتحضر عبر الفواصل والثقافية، بل أبعد من ذلك إلى المودة الحقيقية والتقارب الشخصي والأسري. وما زال الكثيرون من خارج السودان يعبرون عن مدى دهشتهم عن مستوى الشعور الودي الذي يسود حتى في مفاوضات السلام السودانية بين قيادات القتال في الجانبين.

من الاستثناءات المجازر التي راح ضحيتها المدنيون الشماليون في الجنوب في أعقاب تمرد عام 1955، والهجمات التي تعرض لها مدنيون في العاصمة السودانية في ديسمبر عام 1964 ثم في أغسطس عام 2005. فيما عرف بـ «الأحد الأسود» في ديسمبر 1964، ارتكبت مجموعة صغيرة من الجنوبيين غاضبة من تأخر طائرة وزير الداخلية كلمنت أمبورو القادم من الجنوب وكانوا في استقباله، أعمال عنف عشوائية. وأعقب ذلك استهداف جماعي للجنوبيين المقيمين في العاصمة. وقدر عدد القتلى من الجانبين بأربعة عشر، والجرحى بأربعمائة. 

وفي الحالة الثانية، وقعت أحداث عنف من قبل أنصار زعيم الحركة الشعبية جون قرنق بعد وصول خبر مقتله في تحطم طائرة في يوغندا. وقعت نتيجة ذلك ردود فعل عنيفة في بعض المناطق، ولكنها كانت محدودة. 

إلا أن ما شهدته العاصمة السودانية وبعض مدن الشمال السوداني عقب مواجهات طلابية عنيفة نهاية أبريل الماضي ينذر بأمر لا سابقة له في تاريخ السودان. بدأت بصدامات بجامعة شرق النيل بين طلاب داعمين للحركات المسلحة في دارفور وأنصار للحكومة قتل خلالها زعيم طلابي مناصر للحكومة. انتشرت المصادمات بعد ذلك إلى عدد من الجامعات السودانية، في تزامن مع اعتقالات لطلاب من دارفور. 

أما المقلق حقا فقد كان اتساع نطاق هذه المواجهات وزيادة شراستها، كما ظهر من إحراق داخلية مخصصة لطالبات دارفور في الخرطوم بحري مطلع الأسبوع الماضي، أعقبها في نهايته إحراق داخلية طلاب دارفور في مدينة دنقلا في شمال السودان. وما أثار الاستغراب أكثر هو أن الطلاب اضطروا إلى مغادرة المدينة، ولكن سائقي الحافلات رفضوا نقلهم!

وفي زمان غير هذا الزمان، كان التقليد هو أن يخف مواطنو المدينة لمساعدة هؤلاء الطلاب الأبرياء، وإيوائهم في منازلهم حتى تنفرج الكربة. أما تجاهلهم ورفض حتى مجرد نقلهم إلى خارج المدينة بأجر، فيشي بأن كارثة ألمت بالسودان هي فوق كل جائحة وقعت به حتى الآن.

يحتاج هذا الأمر إلى تأمل عميق، خاصة حين يصبح طرفا الصدام طلابا ينتمون إلى إقليم (هو دارفور)، وآخرون ينتمون إلى تيار سياسي، هو ما يسمى بـ «الحركة الإسلامية»، «الجناح الديني» (إن صح التعبير) لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان. فكيف تصبح حركة «إسلامية» طرفا في صراع عرقي- قبلي في الأساس؟ هل أصبح الإسلام قبيلة؟

يعيدنا هذا إلى سؤال سبق حول ما إذا كان الإسلام هو الذي يحرك ما يسمى بالحركات الإسلامية أم دوافع وأجندات أخرى، أحيانا بدون وعي كامل؟ ذكرنا سابقا أن حركة الإخوان في مصر ظلت قرابة عقد من الزمان تنادي في البرية داعية إلى العودة إلى الإسلام دون أن يلتفت إليها أحد، حتى تفجرت القضية الفلسطينية، فحملت لواءها وحققت اختراقها الأكبر عبر ذاك السبيل. 

وفي دول أخرى مثل سوريا والعراق لم تسلم الحركات من التحيز الطائفي-العرقي أو القبلي، وكذلك في الأردن. ولعل أبلغ دليل على عمق هذه الإشكاليات انقسام الحركة الإسلامية السنية في العراق إلى فرعين مستقلين، كردي وعربي، وهو انقسام يثير الدهشة، ويدل على العجز عن القفز فوق هذه التحيزات «الجاهلية» إلى العرق والقبيلة!

لم تكن الحالة السودانية بدعا من الأمر، سوى أن تحيزاتها كانت كارثية أكثر من غيرها. فقد بقيت الحركة الإسلامية السودانية ممثلة في حركة الإخوان المسلمين هامشية في المجتمع إلى حد كبير، وذلك رغم عمق تأثير الدين على المجتمع السوداني، والطبيعة الدينية لقيادة وجماهير الأحزاب الكبرى في البلاد.

ورغم محاولة موفقة في منتصف الستينات لاتخاذ موقف إيجابي من قضية الجنوب، إلا أن الحركة عادت في مطلع السبعينات لاتخاذ موقف سلبي من اتفاقية أديس أبابا للحكم الذاتي. وقد استمر ذلك العداء حتى بعد المصالحة الوطنية في عام 1977، وتعمق مع إعلان النميري تشريعاته «الإسلامية» في عام 1983 في تزامن مع تجدد التمرد بقيادة قرنق في وقت سابق من ذلك العام.

ولم تأت الانطلاقة الحقيقية للحركة إلا في سبتمبر من عام 1985، بسبب ما واجهت من عداء شبه جماعي من القوى السياسية الأخرى على خلفية دعمها حكم النميري الدكتاتوري حتى اللحظة الأخيرة، وتمسكها بتشريعاته المثيرة للجدل. 

ولكن تعنت حركة التمرد تجاه مبادرات حكومة الانتفاضة والقوى السياسية الداعمة لها، خلق تيارا قويا داخل الجيش وفي الشارع يناهض التمرد وينتقد القوى السياسية المتحالفة معه، خاصة قوى اليسار. 

نجح الإسلاميون في استثمار هذا التيار بعد الكشف عن محاولة انقلابية فاشلة قادها ضباط صف من عرقيات أفريقية موالية لقرنق في سبتمبر، فأعلنوا عن تظاهرة «مليونية» لدعم الجيش، أكدت هيمنتهم على الشارع، وخلقت واقعا سياسيا جديدا. وغير خفي أن هذا «الواقع» قام على استثمار خوف الشماليين «العرب» مما وصف بأنه محاولة «انقلاب» عرقي يقوده «أفارقة» غير مسلمين لتغيير هوية السودان وطمس ثقافته العربية-الإسلامية. 

ولكن تحولا عميق المغزى وقع في هذه المرحلة بالتركيز على العروبة أكثر من الإسلام، كما اتضح في التقارب مع أحزاب البعث في العراق وسوريا، رغم معاداة هذه الأحزاب للتوجهات الإسلامية. وأعقب ذلك التحالف مع القبائل «العربية» في حزام التماس مع الجنوب، ثم دعم وتسليح هذه القبائل، والتغاضي عن تجاوزات ميليشياتها. 

وقد مهد كل هذا لكارثة دارفور عبر اصطناع استقطاب عربي-أفريقي على حساب اللحمة الإسلامية التي وحدت مسلمي السودان حتى تلك الحقبة. ولا تزال «جاهلية» الحركة المسماة إسلامية للأسف هي التي تشكل الساحة السياسة في السودان، وتنقل البلاد من كارثة إلى أخرى.

وعليه، إذا كانت الحركات الإسلامية تحتاج في مجملها إلى أسلمة كما أسلفنا في مقال سابق، فإن الحركة الإسلامية السودانية تحتاج إلى «تطهر عرقي» بالبراءة مما بها من جاهلية، وأن تتوب إلى الله بالعودة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: كلكم لآدم، وآدم من تراب.



(نقلا عن صحيفة القدس العربي)