مقالات مختارة

عن الفرس والصفويين والمجوس ومصائب أخرى

1300x600
كتب عبدالوهاب الأفندي: (1) منذ عقود، والخطاب السياسي العربي يشهد انحطاطاً متزايداً على وقع الدعاية الشعبوية لأنظمة وجماعات سياسية بدأت برفع شعارات التحرر وكرامة الشعوب والنهضة، قبل أن تنتكس أسفل سافلين. فقد دفعت الانهيارات المتلاحقة، والذعر الذي ضرب الأنظمة البعض إلى تبني خطاب غلبت عليه الشوفينية، إن لم نقل العنصرية، وساده التنابز بالألقاب، والترامي بالكبائر من خيانة وعمالة، وما إليها.

(2) 
عم البلاء اليوم حتى أصبحت بعض الجهات «الإسلامية» لا تتورع عن مثل هذا الخطاب «الجاهلي» (وهو تعبير نبوي في إدانة التنابز العنصري بالألقاب حين قال لمن تورط فيه: «إنك امرؤ فيك جاهلية»).

فقد دأبت الدعايات العربية الهابطة في أيام الحرب العراقية-الإيرانـــية إلى وصـــف الإيرانيــــين بأنهم «الفرس» بقصـــد الذم، كأن انتساب فئة إلى عرق أو هوية ثقافية هو جريمة. بل ذهب البعض إلى وصف الإيرانيين بـ«المجوس»، في خطاب تكفيري تحقيري كله كذب.

(3)
لا يعيب شخصاً أن يكون فارسياً أو ديلمياً أو حتى مغولياً، حتى لو لم يكن مسلماً، فليس النسب بسبة. والفرس مع ذلك أهل حضارة وثقافة، قبل الإسلام وبعده. وقد كتبت بعض أروع منتجات العصر الإسلامي الثقافية باللغة الفارسية، من الشاهنامة ورباعيات الخيام، إلى حكم جلال الدين الرومي ثم أشعار محمد إقبال. 

وقديماً ذكرنا ابن خلدون بأن غالب حملة العلم الديني في الإسلام كانوا من العجم، ومن الفرس تحديداً. فمنهم الغزالي وأبو حنيفة والبخاري وكثيرون غيرهم. ولكن حتى لو لم يكن لأي جهة غير عربية علم أو ثقافة أو بلاء في أي مجال، فليس من الدين أو الخلق تعييرهم بأصلهم. فقد حكم الله من فوق سبع سموات بأن الأكرم عنده هو الأتقى. 

وبما أن التقوى هي في علم الله وحده جل وعلا، فإن التفاضل يكون بظاهر العمل الصالح ونفع الخلق، أو في أضعف الإيمان، كف أذى النفس عنهم.

(4)
من أبشع ما يرتكب في هذا المجال رمي الإيرانيين بأنهم «مجوس»، وهي فرية كبيرة في حق المؤمنين بالله ورسوله، لأن نظير ذلك وصف العرب بأنهم مشركون من عباد اللات والعزى. فكما أن المجوسية كانت دين الفرس قبل الإسلام، كذلك كان الشرك دين العرب. 

وبالمثل يمكن وصف أهل الشام وشمال أفريقيا بأنهم نصارى ويهود، وكله إثم عظيم. ويكون الأدهى حينما تصدر مثل هذه الاتهامات من قوم لا يلقون بالاً إلى الدين أصلاً، والكافر الملحد أحب إلى نفوسهم، وأرضى عندهم من القانت المتعبد.

(5)
للأسف ساهمت الثقافة العربية الموروثة ـ خاصة في العهد الأموي وشطر من العباسي- في نشر هذه النزعات الشوفينية المناقضة لروح الإسلام والتمكين لها في الوجدان الشعبي. فقد تفاخر الشعراء بالقبلية، وأحيوا نعرات الجاهلية، وشجعهم على ذلك حكام ظلمة، ونخب نسيت تحذيرات الرسول الكريم من مغبة مثل هذه الانحرافات والضلالات. 

وقد أحيا البعض اليوم هذه النعرات في إطار إحياء الجاهلية ومنكراتها تحت ستار إحياء العروبة، بدلاً من إحياء قيم الإسلام الصحيحة التي تنكر مثل هذا التنابز بالألقاب، والتعظم الكاذب بالآباء والأنساب.
(6)
يحق لمن شاء أن ينتقد النظام الإيراني، أو يذم الميليشيات الطائفية التي تمارس القتل والإجرام والترويع، وكلاهما يستحق الكثير من النقد والذم بما كسبت أيديهما. ولكن لا يبرر هذا التهجم الظالم على كل الإيرانيين أو كل الشيعة، وإلا لوقعنا ما وقع فيه بعض من يرمي كل المسلمين بالإرهاب بحجة أن كثيراً ممن يرتكب جرائم الإرهاب هم ممن يدعون اتباع ملة الإسلام، ويقولون عن كبائرهم: «الله أمرنا بها».

(7)
بالقطع ليس هناك ما يبرر تعيير فئة بهويتها العرقية، أو ثقافتها أو بلدها ونسبها. فضلاً عن تكفير المسلمين وصفهم بالشرك والمجوسية. ومثل هذه التجاوزات تسيء لمن يقترفها، ولا تضر من وجهت إليه شيئاً. ويدخل في ذلك وصف شيعة العراق -أو بعض قياداتهم- بأنهم «صفويون»، وهي مذمة مزدوجة. فهي من جهة، تستعير مسبة على شريعتي للتشيع الإيراني التقليدي بأنه «تشيع صفوي»، كناية عن كونه محرفاً. ومن جهة ثانية تجرد العراقيين من مواطنتهم وتنسبهم إلى إيران، مقام الصفويين.


(8)
يجب أن يتركز النقد لسياسة معينة على أخطاء وخطايا تلك السياسات، لا على هوية من نفذها، فتكون المفاضلة بين من يريد أن يحيي ويعمر وينفع الناس، وبين من لا هم له إلا التدمير والقمع والتنكيل. 

وفي هذا المقام، يستوي حفتر والسيسي ومن ناصرهما، وهم يزعمون أنهم من السنة (ونحن أول من نبرأ إلى الله منهم) مع المالكي وسليماني ونصر الله، وهم يزعمون أنهم شيعة ينصرون أهل البيت ويدعون أن لبيك يا حسين، ويعنون أن لبيك يا بشار الذي قال عنه أنصاره أنه لا إله إلا هو (ونحن وأهل البيت أبرياء منهم ونشهد الله على ذلك). فكلهم قتلة يريدون استعباد الخلق من دون الله، وفجرة يقتلون الأبرياء، ويكذبون علينا وعلى أنفسهم وعلى الله ليل نهار. وهذ جريمتهم، وليس كونهم من الفرس أو المجوس. وليتهم كانوا وكفوا أذاهم عن المؤمنين.


(9)
يكفي أن أذى هؤلاء القوم يقع أول ما يقع على من يدعون أنهم يدافعون عنهم. فمعظم ضحايا النظام الإيراني هم من «الفرس» الشيعة الذي امتلأت بهم سجون إيران ومنافي أرض الله الواسعة ومحارق الدمار من صحارى العراق إلى جبال سوريا. 

وقد بشر حسن نصر الله أتباعه بهلاك ثلاثة أرباعهم، وأنذر السيسي المصريين بهلاك جيلين منهم في محرقته العبثية لإطفاء نور الله. وحفتر دمر ليبيا ويهدد بتدمير مصر ومن يقف خلفها من دول الخليج. فنصر الله خطر على الشيعة في لبنان قبل غيرهم، والسيسي وحفتر خطر على مصر وليبيا والخليج، والخامنئي وسليماني خطر على إيران. فقد دمر صدام العراق ودمر الأسد سوريا، وما كيد الظالمين إلا في تباب.


(10)
التنابز بالألقاب هو كذلك خطر على من يجترحونه، فهو كذب بواح أولاً، وانحطاط أخلاقي وديني، ومبرر للعنف والقطيعة. فليطهر الناس ألسنتهم من الفحشاء كما يجب أن يطهروا أيديهم من دماء المؤمنين. فإن من قتل مؤمناً متعمداً فإن جزاءه جهنم خالداً فيها، وإن كان من آل البيت، أو كان من نسل الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

( عن القدس العربي)