مقالات مختارة

زفة بلدي

1300x600
كتب أشرف البربري: الطريقة التي تعامل بها نفر من مريدي الرئيس عبد الفتاح السيسي مع زيارته لألمانيا، تكشف عن استهانة هؤلاء البالغة بقدر مصر وصورتها أمام العالم المتحضر.

فعندما يشحن رجل أعمال مجموعة من الممثلين والمطربين والإعلاميين والسياسيين إلى ألمانيا تحت شعار "القوة الناعمة تدعم السيسي"، فهو يحط من قدر مصر التي يحمل لها الكثيرون في أوروبا تقديرا كبيرا؛ باعتبارها أكبر وأهم دولة في منطقة الشرق الأوسط، وصاحبة حضارة عظيمة بغض النظر.

إن تحويل زيارة الرئيس السيسي لألمانيا بكل ما تحمله من أهمية سياسية واقتصادية إلى "زفة بلدي" خطأ كبير، تتحمل مؤسسة الرئاسة جزءا كبيرا من المسؤولية عنه، لأنها وافقت عليه ولو بالصمت.

فما حدث في الزيارة لم نسمع عنه "في الأولين ولا في الآخرين". فالرئيس الأمريكي، باراك أوباما، لم يصطحب معه كيم كاردشيان ولا مادونا ولا حتى ستيفين سبيلبيرج عندما زار الصين، وشاكيرا لا ترافق رئيس كولومبيا خوان مانويل سانتوس في زياراته المهمة، ولم نر أميتاب باتشان وشاشي كابور وهيما ماليني وزينات أمان في رفقة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي.

مظاهرة أنصار جماعة الإخوان في ألمانيا احتجاجا على زيارة السيسي لبرلين أمر اعتادته العواصم الغربية عند استقبال رؤساء ومسؤولين مثيرين للجدل، حيث يتظاهر أبناء إقليم التبت احتجاجا على زيارة رئيس الصين، ويتظاهر مناهضو العولمة في استقبال رؤساء مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، ويتظاهر الصينيون في استقبال رئيس وزراء اليابان وهكذا، دون أن يفكر مؤيدو هؤلاء المسؤولين في تنظيم هذه "الزفة البلدي" لتأكيد شعبية مسؤوليهم في البلدان التي يزورونها.

والحقيقة أن هذه الزفة لا تستهدف كما يردد أصحابها إظهار شعبية الرئيس أمام الألمان؛ لأن لألمانيا وغيرها من الدول الكبرى وسائلها الدقيقة لمعرفة حجم شعبية أي مسؤول تتعامل معه، كما أنها لا تستهدف إظهار "القوة الناعمة" لمصر في شوارع برلين؛ لأن الكثيرين ممن شاركوا في الرحلة لا يعرفهم المصريون أنفسهم، كما أنه ليس من بينهم من فاز بجائزة الدب الذهبي ولا بجائزة أحسن ممثل أو ممثلة في مهرجان برلين السينمائي الدولي، وليس من بينهم من تعرض أفلامه أو تقام حفلاته في سينمات ومسارح برلين الكبرى.

معنى هذا أن هؤلاء الذين أساؤوا لمصر من أجل التقرب من الرئيس كانوا يريدون فقط مغازلة الرجل وإظهار الولاء له، حتى لو كان ذلك على حساب صورة مصر أمام الألمان؛ فهم ذهبوا إلى ألمانيا لكي يقولوا له "إحنا معاك" لأنهم يدركون قبل غيرهم أن هذا الحضور بلا معنى بالنسبة للألمان وللشعوب المتحضرة، التي تنظر غالبا إلى مظاهرات دعم الرؤساء بقدر من السخرية باعتبارها من السمات المميزة لأنظمة الحكم غير الديمقراطية أو غير الرشيدة.

وإذا كانت هذه الزفة قد أثارت قدرا كبيرا من السخرية بين المصريين حتى بالنسبة للكثيرين من "السيساوية"، فلنا أن نتصور كيف يمكن أن ينظر إليها الألمان وغيرهم من شعوب العالم.

أخيرا أقول إنه لو لم تعلم الرئاسة بأمر الرحلة قبل بدايتها فهذه مصيبة، ولو علمت بها وأقرتها فالمصيبة أكبر؛ لأن الإصرار على مثل هذه التصرفات يخصم من رصيد مصر الكثير ولا يضيف شيئا إلى رصيد الرئيس.

(عن صحيفة الشروق المصرية 5 حزيران/ يونيو 2014)