كتاب عربي 21

انتخابات تركيا: الإسلاميون لا يأخذون السلم "لفوق"!

1300x600
حقق حزب العدالة والتنمية التركي فوزا مؤلما في الانتخابات التشريعية بحصوله على حوالي 41% من الأصوات، متراجعا بأكثر من  8 نقاط عن النتائج التي حققها في الانتخابات التشريعية في العام 2011، ما أفقده الأغلبية المطلقة التي تؤهله لتشكيل حكومة بمفرده كما كان الحال عليه في السنوات الماضية.

وبحصوله على هذه النتيجة، خالف الحزب التوقعات باحتفاظه بالأغلبية المطلقة مرة أخرى، خصوصا أن الانتخابات تجري بعد حوالي عام من فوز رئيس الحزب السابق ومؤسسه رجب طيب أردوغان بالانتخابات الرئاسية الأولى التي جرت بشكل مباشر بالبلاد، وبأغلبية مريحة ضد منافسه الوحيد. كما أن هذه النتائج تخالف أيضا الاتهامات التي وجهت للحزب من المعارضة بأنه يخوض انتخابات بنتائج مرسومة مسبقا، في اتهام واضح وغير مباشر بإمكانية استغلال الحزب الحاكم للسلطة للتأثير على نتائج الانتخابات، وهو ما أثبتت الأرقام كذبه وعدم دقته.

ومن المعلوم أن الحزب بالإضافة إلى احتفاظه بالحكومة لسنوات طويلة، وبالرئاسة لأكثر من خمس سنوات، يمتلك شبكة من العلاقات مع طبقة من مراكز القوى الاقتصادية والإعلامية، وهو الأمر الذي كان من الممكن استخدامه للتأثير على نتائج الانتخابات، لو أراد الحزب بالفعل التعسف باستخدام سلطاته ونفوذه حسب اتهامات المعارضة، ولكن النتائج أثبتت أنه أدار عملية انتخابية شفافة تليق بدول العالم الكبرى، وتثبت أن الديمقراطية التركية تسير بخطى ثابتة لتصبح ناجزة وحقيقية، لا تسمح لأي حزب أو أي قيادي حتى لو كان بوزن أردوغان أن يتفرد بالسلطة ويستغلها بما يتعارض مع الشفافية والحكم الرشيد.

وبعيدا عن التحليلات الكثيرة لأسباب هذه النتائج وتداعياتها على تركيا والمنطقة ككل، فإنها تظهر فيما تظهر الأكذوبة التي طالما رددها خصوم الإسلاميين من أحزاب وحكومات قمعية وحتى من بعض الباحثين حول استخدام التيارات الإسلامية للانتخابات كممر مؤقت للوصول إلى الحكم، قبل أن تقوم هذه التيارات بإلغاء الانتخابات والإمساك بالسلطة والتحكم بها، وفق الأسطورة المزعومة المسماة "الانتخابات لمرة واحدة"!

لقد بررت كثير من التيارات العلمانية واليسارية موقفها غير الديمقراطي المطالب بمنع الإسلاميين من المشاركة في المجال السياسي والانتخابات بهذه الذريعة الممجوجة، وهي للمفارقة نفس الذريعة التي استخدمتها أنظمة حاكمة ادعت أنها تمثل الوجه المدني العلماني للحكم، وهي كذلك نفس الحجة التي استخدمها عبد الفتاح السيسي، ولكن بلغة أكثر ضحالة، لتبرير انقلابه العسكري على الرئيس الأول المنتخب في مصر بالقول "دول كانوا عاوزين ياخدوا السلم ويطلعوا بيه لفوق!"

ولكن التجارب التي شهدتها المنطقة وخصوصا بعد "الربيع العربي" أثبتت العكس تماما، إذ خسرت حركة النهضة التونسية الانتخابات التشريعية الأخيرة على الرغم من فوزها بالانتخابات التأسيسية الأولى بعد الثورة بأغلبية جيدة، بل إنها أضطرت للتنازل عن حقها بالحكم حتى وهي تحتفظ بهذه الأغلبية. وها هي التجربة تتكرر في تركيا، التي يخسر فيها الحزب ذو الجذور الإسلامية الأغلبية المطلقة على الرغم من تحكمه بغالبية مفاصل السلطة منذ سنوات، وعلى الرغم من كل الاتهامات التي وجهت له ولزعيمه السابق أردوغان بالرغبة بالتحول إلى حاكم متفرد استبدادي.

ولا يكاد يختلف الحال كثيرا في مصر، التي كان من المتوقع أن يخسر رئيسها المنتخب المنتمي لجماعة الإخوان في الانتخابات القادمة لو لم يجرّ العسكر وحلفاؤهم من الأحزاب المدنية! البلاد إلى دائرة من الفوضى والاستبداد والقمع بعد انقلابهم العسكري على هذا الرئيس، وكان من الممكن أن يجنبوا البلاد كل هذا الدم والأزمات التي تعصف به لو تركوا للمسار الديمقراطي أن يمر كما كان مرسوما له، بل إن معظم المؤشرات كانت تدل على إمكانية خسارة الإخوان في الانتخابات البرلمانية التي كانت مزمعة في العام 2013.

قد يقول البعض أن هناك تجارب تدل على العكس، كتجربة حماس التي انتهت إلى الحكم في قطاع غزة بدون انتخابات، ولكن الحقيقة أن الحسم العسكري الذي قامت به حماس، على الرغم من كل الملاحظات التي يمكن أن تقال عن أسبابه ونتائجه على الحركة وعلى المشروع الوطني الفلسطيني ككل، لم يكن ليحدث لولا محاولات حركة فتح منع الحكومة المنتخبة آنذاك من ممارسات صلاحياتها باستخدام الفلتان الأمني ورفض قيادات البيروقراطية الفتحاوية التعاون مع وزراء حكومة إسماعيل هنية، والمساهمة، بشكل غير مباشر، في حصار الشعب الفلسطيني عقابا له على اختياره لحماس في انتخابات عام 2006.

نتائج الانتخابات التركية التي جرت أمس، ونتائج انتخابات تونس التشريعية في العام الماضي، وتجربة الإخوان في الحكم في مصر، تثبت إذن أن الإسلاميين لا يأخذون "السلم لفوق"، وتثبت أيضا أن الكثيرين من المروجين لأسطورة السلم هذه، هم الذين لا يمكن أن يقبلوا بقواعد اللعبة إذا كان سلم الديمقراطية سيؤدي إلى صعود الإسلاميين إلى مقعد الحكم!