مقالات مختارة

دعم التطرف بدعاوى عدائه

1300x600
كتب منار الرشواني: حين أرادت الأحزاب التركية القومية، وتحديداً حزبا "الشعب الجمهوري" و"الحركة القومية"، مواجهة مرشح حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان، في أول انتخابات رئاسية مباشرة، في العام 2014، فإنها لم تجد غير ترشيح ودعم الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي، د. أكمل الدين إحسان أوغلو. 

وأياً ما كانت الدلالات المتعددة المحتملة لذلك، فإن الثابت بينها هو إدراك تلك الأحزاب؛ شديدة العلمانية حد معاداة الدين، حقيقة كون المجتمع التركي مجتمعاً متديناً محافظاً بشكل عام، بحيث لا يمكن التصدي لأردوغان الإسلامي، من دون أخذ ذلك بعين الاعتبار في اختيار منافسه.

وإذا كان هذا ينطبق على حالة تركيا التي أُنفقت فيها عقود لعلمنة المجتمع؛ طوعاً وقسراً، منذ نشأتها بعد الحرب العالمية الأولى، فإنه يكون من الأدعى أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار في البلدان العربية، التي عرفت ظاهرة جلية، لكن لا يريد أحد الاعتراف بها، وهي الصراع على الإسلام "تطرفاً" بين النخب الحاكمة "العلمانية" وخصومهم الإسلاميين. إذ كان كثير من الأنظمة يميل إلى التشدد دينياً، رغماً ادعائه العلمانية، منعاً لمزايدة الإسلاميين، الذين يميلون بدورهم إلى رفع معيار "التشدد" لإظهار عدم التزام تلك الأنظمة بالإسلام الصحيح من وجهة نظرهم، إن لم يكن تكفيرها. يكفي دليلاً هنا، على سبيل المثال فحسب، أن التضييق "الرسمي" على الأقباط المصريين، بدأ في عهد الضباط الأحرار الذين يفترض أنهم علمانيون، حد تصنيف مصر في العام 2010، الأولى عالمياً في القيود على الدين، والتي كانت تمس الأقباط، بمنع ترميم الكنائس أو إقامة أخرى جديدة ضمن إجراءات وسياسات إقصائية أخرى، كما تمس -وليس في الأمر غرابة- أشد أعداء الحكم؛ الإخوان المسلمون!

ليس يقل تدميراً عما سبق، ما يظنه البعض الآن علاجاً للتطرف الذي تولد عن تلك الفترة، بمحاولة تحدي التدين المجتمعي، بمهاجمته وحتى السخرية منه، بل والمساس بالدين نفسه بأسلوب استفزازي. ولعل كثيرا من أعداء الإسلاميين لا يعرفون أن حملاتهم العشوائية ضد الجماعات الإسلامية ككل، والمدفوعة غالباً بمنطق تصفية الحسابات أو التغطية على العجز عن منافستها شعبياً، إنما تتحول على أرض الواقع إلى حملات تأييد للجماعات الأشد تطرفاً. فمثل هذه الحملات الهوجاء لا تؤدي إلا إلى دفع المتدينين، وهم الأغلبية، إلى أحضان الجماعات المتطرفة، بحكم تولد قناعة لدى هذه الأغلبية بأنها تتعرض لمحاولات إقصاء وحتى تصفية، وليس لها إلا القبول بذلك، أو الاحتماء بالمتطرفين. 

كل ذلك يعيدنا إلى الحقيقة التي أشار إليها خصوصاً الزميلان حسني عايش وإبراهيم غرايبة، وتؤيدها في الواقع دراسات عالمية مستندة إلى المنهجية العلمية الرصينة، بأن السبيل الأفضل لمواجهة التطرف عموماً، يكون من داخل بيئة المتطرفين؛ أي في الحالة العربية تحديداً، على يد متدينين، من فقهاء ومشايخ. لكن الشرط الأول لخلق بيئة مناسبة لقيام هؤلاء بدورهم، يتمثل في ترسيخ الاعتقاد والقناعة لدى الجميع ليس بأنهم علماء دين راسخون في العلم، بل أهم من ذلك أنهم مستقلون تماماً عن السلطة، فلا يعارضون تطرفاً ليبرروا تطرفاً آخر علمانيا أو قوميا.

(عن صحيفة الغد الأردنية- الاثنين 22 حزيران/ يونيو 2015)