قضايا وآراء

2 يوليو...أكبر محاكمة سياسية في التاريخ الإماراتي

1300x600
صحوت صباح يوم 2 يوليو لعام 2013 أترقب باكرا الأحكام الصادرة بحقي و 93 من إخواني و أخواتي. كانت الأحكام ستصدر في ذلك اليوم بعد جلسات سريعة لم تتجاوز مدتها ثلاثة أشهر في أكبر قضية سياسية تعرض أمام القضاء الإماراتي.  

ففي ذلك اليوم حدثت هزة كبيرة بحق عدالة القضاء ونزاهته في تاريخنا الإماراتي، حيث أقحم بأكبر محاكمة سياسية في تاريخ الدولة وأصدر فيها أحكام لمدد للحبس تصل إلى 500 عام.

تغيرت الأمور منذ ذلك اليوم، فبعد الـ 2 من يوليو 2013 لم يعد المجتمع الإمارتي كما كان من قبل في تلاحمه وثقته بمؤسسات العدالة؛ فقد أحدثت هذه المحاكمات شرخا عميقا في المجتمع من الصعب ترميمه دون إعادة النظر في مجريات المحاكمات، وإعادة الاعتبار لعدالة القضاء ونزاهته. فتلك الأحكام لم تكن على المتهمين الأبرياء أنفسهم، و إنما لاحقة بأسرهم و كل من له صلة بهم. فكان لا بد وأن يكون أثر الأحكام مدوياً، خاصة وأنه صادر بحق نخبة لم يعرف عنها إلا كل خير، فمن لم ينله الأذى مباشرة من الأحكام أصيب بالإحباط الشديد حين استفاق على وقع تلك الأحكام.

وكالعادة تستخدم السلطات الأمنية كل شيء للتستر على جرائمها، ويأتي الإعلام ليصور الهزيمة انتصارا، ونكسة العدالة بالقفزة الكبيرة في تجسيد استقلالية القضاء، ويسهام الإعلام بذلك في طمس الحقائق وتزييف الوعي والتصفيق للمتهم الحقيقي وإدانة البريء؛ فلم يكن ينقل ما يدور حقيقة في قاعة المحكمة التي منع من حضورها أي إعلام مستقل، بدل صور المشهد ولقطات المحاكمة كما يصوغها و يصورها الجاني الحقيقي وهو جهاز الأمن.

في الــ 2 من يوليو أصبح القضاء أداة طيعة في أيدي جهاز الأمن لتأديب كل من يرفع صوته بالدعوة إلى الإصلاح، ويطالب بالحرية والمشاركة السياسية التي كفلها الدستور الإماراتي.

في الـــ 2 من يوليو تستر القضاء على جرائم التعذيب والتغييب في السجون، ويعلن وقوفه إلى جانب الجناة في مواجهة الضحايا، وكم شكا المتهمون من تعرضهم للتعذيب طوال الفترة التي قضوها في السجون السرية بجهاز الأمن، ولكن بلا أي اكتراث من المحكمة تطوى صفحة التعذيب والإخفاء القسري أمام أعين الجميع، التي لا تسقط بالتقادم.

في الـــ 2 من يوليو اهتز معيار الشفافية لدى القضاء، ومنع دخول المراقبين الدوليين لمراقبة المحاكمة، ومنع مسؤولين دوليين من دخول الدولة ليتستر على انحيازه إلى الجناة في مواجهة الضحايا.

ولكن، بقدر ما يعد الثاني من  يوليو ذكرى مؤلمة، إلا أن هذه الذكرى ستظل خالدة وعظيمة في توثيق تضحيات الأحرار والمخلصين من أبناء هذا الوطن، في سبيل الوطن وتحريره من القيود الأمنية، وتجسيد المشاركة السياسية التي وعد بها الدستور وتعاهد عليها الآباء المؤسسون.

وفي هذه الذكرى يتأكد للمخلصين من أبناء هذا البلد أهمية نضالهم للمطالبة بوجود مجلس وطني منتخب بصلاحيات تشريعية ورقابية، للحيلولة دون انتهاك القانون أو الدستور، وإغلاق الملفات السوداء للسجون السرية، والتعذيب والاعتداء على الحقوق والحريات والمحافظة على كرامة المواطنين، وحتى يستعيد القضاء نزاهته واستقلاليته، ولا يكون أداة مسيرة بطرق مباشرة أو غير مباشرة من السلطات التنفيذية.

إن إصلاح مؤسسات العدالة أولى الأولويات ليثق الناس بضمان حقوقهم، ويشعروا أن هناك قضاء عادلا لا يحكم إلا بالأدلة، يعاقب المخطئ ويرفع الظلم عن المظلوم حتى يتمتع الجميع بحقوق متساوية، ومواطنة كاملة في وطن ساهم الجميع في بنائه، ودولة نهضت بجميع السواعد الوطنية المخلصة.