قضايا وآراء

بين نقد الذات وإدامة جلدها

1300x600
يشكل النقد الواعي أحد أهم مقومات نجاح التجارب الإنسانية وتطويرها ورفدها بأسباب الاستدامة والتجديد، وهو يحصنها من الانحراف أو التلبس بعوامل القصور، وكل فكرة أو تجربة لا تتعرض للنقد المنهجي الدائم ستكون على الأرجح مجرد حالة من الدوران في الفراغ الذي لا يتمخض عنه سوى إعادة إنتاج الذات بقصورها وضيق آفاقها. من هنا تنشأ أهمية النقد بوصفه مركبا رئيسا ومقوما ابتدائيا في أية عملية تهدف إلى التطوير والانتقال من طور إلى طور أفضل. لا يمثل النقد ترفا أو وظيفة تجميلية زائدة، بل إن دوره تأسيسيا، وبهذه الصفة تراه يشكل مقياسا فعالا لمدى الرشد الذي تصل إليه التجارب البشرية وأهليتها لتحقيق النجاح.

لا ينبغي للنقد أن يأتي من خارج التجارب فحسب، فمع أهميتة، إلا أنه يتسم بعدم الكفاية لأسباب عديدة لا يسمح المقام لبسطها الآن، ولأنه يخلق حالة من الثنائيات وما يترتب عليها من رؤى ومواقف ومصالح متباينة تؤثر بدورها على مدى حضور الانضباط النقدي المنهجي، الأمر الذي لا يخدم العملية النقدية بل يجعل منها على الأغلب أداة تُستخدم في عمليات التنافس والتسابق وتصفية الحسابات بين الناس. من الواضح أن النقد الذاتي (من داخل الحالة) قد يسهم بفاعلية أكبر في تقييم وتجويد الأداء وعلى المستويين النظري المجرد والعملي التطبيقي، خصوصا إذا تجاوزت الرؤية النقدية الاعتبار الذي يرى في الفكرة أو النشاط محل النقد مادة تستدعي النقد بذاتها وبمعزل عن السياقات المحيطة، وتأسست على قاعدة النظر في القضايا بوصفها مركبات جزئية تتفاعل في محيط أوسع.

تصدر الحالة النقدية غير الاستيعابية عن أرضية تجتمع فيها مسوغات قيام النقد من جهة، والمواقف المسبقة والتوجهات الرغبوية لمن يمارسون النقد من جهة أخرى، وفي مثل هذه الحالة تكون الفرصة مهيأة لاستخدام الوظيفة النقدية بطريقة تنحرف عن مقاصد النقد ودواعيه السليمة.

لا يمكن للحالة النقدية البناءة أن تنضج في سياق اجتماعي غير صحيح، لأنه يُفترض أن يكون شيوع هذه الحالة تمثيلا لأحد مظاهر صحة المجتمع وسلامته. من هنا، فإن قصور النقد المنهجي لدينا كشعوب ومؤسسات وأفراد يعكس الصورة العامة لواقعنا الذي لا يسر، ومن هذه الزاوية تحديدا (سوء حال الأمة الشامل) تنشأ الحالة النقدية من واقع غير صحي، وتمارس نشاطها وهي غير قادرة على التحلل من إسار وسطوة اللحظة التي تمارس فيها عملها، بل وتلتزم طواعية بشروط وقوانين واقع الحال وهي تمارس النقد ودون الإنتباه إلى أن أول خطوة في النقد المنهجي تتعلق بتحرير الوعي من سطوة الأمر الواقع وتأثيراته الطاغية. 

وإذا كان النقد يعني فيما يعنيه البحث في المثالب والدعوة لتعزيز المناقب، فإن الصورة الأخرى التي لا غنى عنها للعملية النقدية تتعلق بالقدرة على قراءة البيئة التي تحيط بالموضوع محل النقد، وهكذا يتم الأخذ بعين الاعتبار ما على القضية محل النقد وما لها بصورة تعكس تكاملا لا غنى عنه من أجل إقامة نشاط نقدي صحيح ومتوازن.

هكذا يمكن القول أن النقد عملية تفاعلية تصدر عن وعي تام بظروف الحالة محل النقد، والوعي يشكل ميزانا يعمل باتجاهين، فهو يمثل من جهة دافعا لممارسة النقد، ولا يستجيب لطلب الامتناع عنه لمسوغات ذرائية يسوقها من يخافون النقد مبدئيا، من قبيل الادعاء باستثنائية الحالة وعدم ملاءمة الظرف وغيرها، وضابطا يمنع الشطط في ممارسته من جهة أخرى. عند الزهد في مثل هذا التوسط المبصر فإن النتيجة ستأخذ منحيين اثنين، إما القعود عن ممارسة النقد كلية، أو احتراف جلد الذات بلا هوادة، وكلاهما سلبيان.

يقع تقريع الذات غالبا عند عقد المقارنات بين أحوالنا وأحوال الآخرين، فيتم اعتبار الحال الإيجابي المجرد للآخر، أو الحال السلبي المجرد للذات الجمعية معيارا تجري على أساسه المقارنة، وهي طريقة  لا يمكن لها أن تشكل أساسا للتقييم النقدي الصحيح، وذلك لأن انبثاق كل النظر عن سياق ظرفي محدد ونهائي يعني تأبيد هذا السياق بمعطياته ومآلاته، وبالتالي القول بتأبيد حالتي الإيجاب والسلب كلا لصاحبها، عندها تكون العملية وصفية تقريرية لا نقدية، لأنها تصف الظواهر كما هي وبمعزل عما وراءها، وهي بذلك تنهض على أساس معطيات تمثل نصف الحقيقة لا كلها، حيث تتم المعالجات النقدية على أساس قراءة الحالة بعين ضعف أحد الطرفين، أو من واقع حال قوة الطرف الآخر، وبمعزل عن سياق الحالة العام، وبغض النظر عن الملابسات المحيطة.

 تعمل هذه الطريقة في النظر على تكريس الواقع السلبي كما هو، بل وتسهم في التراجع خطوة أخرى للوراء عندما تفقد قدرتها على جعل الاستنهاض يمثل الهدف الأسمى من وراء ممارسة النقد، هنا يتبدى أن جلد الذات يشكل أبرز مظاهر الممارسة النقدية، بصورة تعكس  التعبير المتزايد عن الاحساس بالاستلاب أمام الآخر، وتبرز الشعور الدفين بالانسحاق والدونية إزاءه. كثيرا ما يكون مغزى النقد متعلقا برغبة الناقد أن يبدو منفصلا عن القضية محل النقد وبريئا من تبعاتها واستحقاقاتها، ومخليا طرفه من المسؤولية عما آلت إليه الأمور، أو يعكس فيه الناقد قنوطه من انعدال الحال ويأسه من القدرة على التغيير وإمكانياته، أو رغبة بإظهار التميز عن بقية الركب، وكل ذلك يتم تحت لافتة النقد.

تخلفنا الذي هو محلا للنقد حقا، هو نتاج لقعود عن جهود وليس واقعا أبديا، ومن القصور أن نراه كذلك في حين أنه يمثل حالة تخلف مقيدة يمكن تجاوزها، وتقدم الآخر (المقدر) هو نتاج لجهود وليس واقعا أبديا، ومن القصور أن نراه كذلك بينما هو يمثل حالة تقدم مشروطة يمكن اللحاق بها، أو سيجري عليها قانون التداول سلبا عند إرخاء قبضة أصحابها عن شروط استدامتها. التخلف في حق الذات والتقدم في حق الآخر هو أمر طبيعي لأنه يجري وفقا للقواعد والمقدمات والسنن، صحيح أن هذا الحال لا يسر ولا ينبغي أن نقبل به كحالة دائمة، لكنه طبيعي شئنا أم أبينا، رضينا أم لم نرض، وإذا أردنا التغيير الحقيقي لأحوالنا فما علينا سوى التماهي مع قواعد التغيير ومقدماته وسننه، والأخذ بأسباب الارتقاء الجامعة، والعض عليها بالنواجذ، وضبط البوصلة على هذا الاتجاه، ودون مبالغة في الانبهار بالآخر المتقدم أو غفلة عن عوامل قصورنا المزمن.