كتاب عربي 21

بُعد آخر من "التأزيم" في الأزمة الليبية هو الأخطر

1300x600
يظل شغلي الشاغل هو واقع النخبة وواقع الرأي العام ومستوى الوعي، وكيفية تعاطي النخبة والنشطاء مع الشأن الليبي والعربي والعالمي خاصة ما يتعلق منه بالصراع المحموم الذي يقسم البلاد، فالجدل حول الأزمة الروسية التركية، على سبيل المثال، لم يكن أقل سخونة بين النشطاء الليبيين عنه بين أطراف الأزمة ذاتها، الأمر الذي يثير القلق ويدعو إلى الوقوف على أسباب الجدل وتوابعه وآثارها.

وألخص القول في مسألة وعي الشارع الليبي بأنه ينبغي أن يكون الأساس في تقييم الوضع الراهن، وترمومتر اتجاه السياسة المحلية ومواقف الفرقاء السياسيين. وأزعم أن الوصول إلى التوافق الذي ترعاه الأمم المتحدة هو رهين بوعي الرأي العام ووعي نخبته، وهما اليوم يفتقران إلى الحكمة المطلوبة لنزع فتيل النزاع والجنوح إلى التهدئة والمصالحة.

للاطلاع والوقوف على الحالة الفكرية والنفسية للشريحة الأكبر من الليبيين يمكن تتبع ما يكتب على صفحات التواصل الاجتماعي، وما يقال على شاشات الفضائيات وحديث الناس في الشوارع والمحال العامة، فالأحباط هو سيد الموقف، والنيل من الخصم بأقذع الألفاظ هو لسان مقال معظم من تقرأ لهم أو تستمع إلى أرائهم.

النزاع انتقل من دوائره السياسية والفكرية إلى حالة نفسية مستعصية، بمعنى أنه تحول من خلاف وتعارض في المواقف إلى رفض وكره يصحبه تخطيط ومساعي حثيثة للتعبير عن هذا الكره بمختلف أوجه التعبير، حتى أنك تصاب بالحزن والاكتئاب لكثرة ما تقرأ من مهاترات وسباب وشتم واستنقاص وتحريض ضد الآخر، ولست تحتاج إلى أن تتقصى هل ما يقال حقيقة أم محض افتراء، لأن الكره أصبح اليوم مبرر لقبول الفرية وجعلها والحق البين سواء، والعلامة البارزة هو التغييب المتعمد للعقل لأجل قبول كل ما يقال ضد الآخر الخصم من اتهامات لا يمكن أن يقبلها عاقل.

مجتمع يغلب فيه هذا الوضع لا يمكن أن يكون مناط تغيير إلى الأفضل، ولا يمكن أن يكون وعاء التنمية والنهضة، ومن هنا تتبدى خطورة الأزمة، ومن هاهنا ينكشف التحدي الكبير الذي تواجهه البلاد.

فالمعضلة اليوم ليست في الصراع السياسي ولا حتى المجابهات المسلحة، فأسباب الصراع السياسي وآثار المواجهات المسلحة يمكن أن تزول، لكن تداعيات التشوهات النفسية وما تجذره الأزمة من أفكار متطرفة وما تولده من كراهية لا يمكن أن تتلاشى بمجرد الوصول إلى توافق سياسي بالاتفاق على وقف الاقتتال وتشكيل حكومة موحدة، وستظل تستخدم كوقود ولإشعال الحرائق من قبل الموتورين وأصحاب المأرب في الداخل والخارج.

الكراهية بمدلولها الفكري ومتعلقاتها القانونية وما يترتب عليها من أحكام باتت متوفرة وشائعة في الخطاب المحلي الليبي، وهي محور تعبير جمهرة من النشطاء على مواقع التواصل وغيرها من مساحات التعبير، وأنا هنا أكرر مرة أخرى وأركز على الحالة التي تحول فيها الموقف من الآخر من مجرد خلاف أو نزاع فكري أو سياسي إلى رفض قاطع واتجاه لإلغائه واستئصال وجوده باستخدام كافة أساليب الإلغاء، واستدعاء ما هو حق وباطل في التاريخ، وكل ما يمكن توظيفه وتطويعه في الواقع المعاصر من وقائع في الداخل والخارج لإثبات خطر الآخر وتبرير العنف ضده بل وتدميره بكافة الطرق الممكنة ليصبح التدمير مبررا بل مرغوبا من قبل الرأي العام.

قد تكون بعض أسباب الكره مفهومه، بمعنى أن يكون للطرف المرفوض والمكروه أخطائه وتجاوزاته، لكن الغالب اليوم في المشهد الليبي هو الخطاب الإعيائي لتضخيم الأخطاء وتضخيم خطر مرتكبها بغرض إشاعة حالة من الخوف من الآخر في أوساط الرأي العام ليكون قابلا لرفضه ومستجيبا لمخطط القضاء عليه. 

هذا التأزيم المبرمج أمر جلل ستكون له تداعياته الاجتماعية الكبيره وسيكون نتاجه مجتمع محطم وعاجز وغارق في مشاعر الخوف والعداوة والكراهية، وهذه من أبرز عوامل تشرذم الدول وفشلها، وهي المانع الرئيسي أمامها للانطلاق في فضاء النمو والنهوض.

هذا ما أراه ماثلا أمامي في الأزمة الليبية، وهو الخطر الأكبر الذي أحذر منه وأدعو الفرقاء إلى الانتباه إليه وأحث النخبة للتشمير لمجابهته بخطاب تسامحي تصالحي يتقدم بثبات لمجابهة خطاب الكراهية ويتصدي لمساعي توظيف الخلافات والانتقال بها إلى عداوات قاتلة وخصومات ماحقة.