قضايا وآراء

سوريا.. "تخريف" الربيع

1300x600
عندما قررت المعارضة السورية إنهاء مشاركتها في مفاوضات "جنيف3" بسبب تشبث دول العالم ببقاء الأسد، وعرضه حكومة وحدة هدفها قتال داعش، وحفظ توازنات المنطقة ما قبل 2011، كان جواب العالم هو هذا الكم من القتل والإحراق بحق أكثر مناطق سوريا حساسية في "حلب" و"ريف دمشق".

يسعى العالم ومنه العرب والمسلمون إلى إنهاء هذه الثورة، لأنها مكلفة على مستقبل الأنظمة، كما أن أي تغيير لطبيعة الحكم في دمشق سيغير وجه المنطقة على المدى البعيد، وهذا معارض لرؤية الدول الكبرى التي تريد تغييرا على مقاسها.

إن الدم المراق على امتداد سوريا، وفي القلب منه ريف دمشق وحلب، هو أحد مظاهر تحويل "الربيع" الديمقراطي إلى "خريف"، تظافرت فيه ثلاث تجمعات "دولتية" أفضت بنا إلى هذه النتيجة، وخلقت هذه الحالة التي تعيشها الثورة السورية.

التجمع الأول "تحالف ملكيات الخليج" الذي كان شغله الأساسي "إبعاد" الديمقراطية عن ممالك النفط، فانتقلوا إلى محاربة المنتخبين بعد الربيع، ولسوء حظنا أن الإسلاميين هم من حظي برغبة شعبية في "التجريب" عبر الانتخاب.

وبلغت نجاحات الممالك ذروتها في 2013، بإسقاط ديمقراطية مصر ورئيسها، وتفكيك تحالف تونس (الإسلامي/ العلماني)، والانقلاب العسكري في ليبيا، وإفشال حكومة الوحدة اليمنية، ومحاولة إخراج الإسلاميين من الحكومة بالمغرب، وإنهاء الثورة الشعبية في العراق، عبر توليد نموذج داعش، كما العمل على توفير كل وسائل إنهاء الثورة السورية لبشار وحلفائه.

ممالك الخليج والحلف الواسع من الأطياف السياسية التي هزمتها الديمقراطية، تجاوزت العلاقة بينهما "التحالف الموضوعي" بل انتقلت إلى "تنسيق ميداني عملياتي" أضلاعه مال سعودي (في عهد عبد الله)، والإدارة إماراتية (عيال زايد)، والمنفذون يساريون ليبراليون وحداثيون وعسكر.

في هذه المرحلة انتقل الحداثي العربي الذي يلعن صباح مساء حديث "بول البعير"، إلى أداة في يد "البعير" نفسه، وكل هذا انتقاما من "الإسلاميين" الذين اختارهم الناس، وأيضا من عموم الشعوب التي آمنت بحقها في الاختيار دون وصاية من أحد. 

ولأن التوليفة لم تكن لتكتمل دون عنصر "السلفية الجهادية"، فقد قام التجمع الثاني من هذا المركب الدولي بمهمة "إنتاج" مسخ شائه مشوه عظيم البنية سريع النمو، متكئين على تراث مجتزأ، وعلى مظلومية قائمة ومعيشة، أسموه "داعش".

التجمع الذي تمثله إيران وأذرعها في المنطقة، له سابق معرفة بهذه الوصفة الناجحة للقضاء على كل أمل في الأفضل، ولعل السرعة التي أنهى بها التحالف الطائفي في العراق "ربيع" بلاد الرافدين، والثورة الشعبية هناك، خير دليل على نجاعة هذه "النبتة" الهجينة والغريبة على الربيع وشعاراته وأفقه، في خلال أشهر من تطور الحراك العراقي وتحقيقه مكاسب سياسية وميدانية من خلال الاعتصامات السلمية، خرجت داعش لتعلن سيطرتها على الموصل وإقامة الخلافة.

يقول التاريخ القريب لداعش في العراق، أنها قاتلت وأبادت أغلب فصائل المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي، وانقلبت على حاضنتها الشعبية وبعدها أعلنت حل نفسها في 2009/2010، وهذا هو الرهان عليها اليوم، كل معاركها كانت لإرباك الثورة والثوار ثم بعدها تنسحب لصالح النظامين العراقي والسوري.
أما التجمع الثالث، فقد كان عمله خلف الأبواب المغقلة، فهو رافع لواء الحريات والحقوق، وحامي الإنسانية، الذي يتفضل على الشعوب بالإنسانية، الغرب بشقيه الروسي الأمريكي الذي لا يرى في الثورة السورية إلا داعش، فكل الفصائل "داعش" وفي أحسن الأحوال كلها "قاعدة".

هذا المركب الغربي لا يرى شعبا يقتل بمختلف انواع الأسلحة، ولا يسمع صيحات 90 بالمائة من الشعب السوري السني، همه "الطوائف" فهو حريص على "الأكراد" ولا يتردد في تسليحهم، ويدعم نظام الأسد باعتباره "حاميا" للأقليات في ما تبقى من الشام، ويغض الطرف عن الميليشيات الشيعية المقاتلة على الأرض.

هذا التجمع الثلاثي الأركان يقاتل بضراوة ثورة شعبية منهكة تعبة يتيمة منذ انطلقت، رهانه كسر البسطاء على الأرض، ودفع المفاوضين باسمهم إلى الاستسلام، من خلال الطريقة المريحة التي هي "الدعشنة" والكفر بقيم العدل والكرامة والانتصار للمظلوم.

إن الثورة السورية اليوم رأس حربتنا في مقاومة عمليات "تخريف" الربيع الديمقراطي (تحويله إلى خريف)، وجعله مرادفا للخراب، قدر السوريين اليوم حماية كل الربيع، قدرهم بذل كل هذه الأثمان والكلف من أجل غد لا مكان فيه للسفاحين والقتلة.