قضايا وآراء

البحث عن "الدولة الواحدة" بعد فشل الحصول على محافظة

1300x600
في سياق البحث عن مخرج من "مأزق" المفاوضات والطريق المسدود، تنتهي مأساة وتراجيديا أوسلو مؤخرا باقتراح مثير للغاية، يلخصه أصحابه ببساطة متناهية لا تتعدى بضع كلمات: "بعد فشل حل الدولتين يصبح حل الدولة الواحدة هو الأكثر واقعية للخروج من المأزق".. إلى هنا الاقتباس.

ومن المفارقات العجيبة مؤخرا، أن ترتفع بالذات أصوات أنصار "حل الدولتين" لصالح حل "الدولة الواحدة"، بعد أن صار من غير الممكن تحقيق حل الدولتين على أرض الواقع، ومن جهة أخرى لا تجري أي عملية مراجعة لمشروع كان من المفترض أن يحقق دولة بحسب "وعد أوسلو "، تيمنا بـ"وعد بلفور"، الذي وعد اليهود بوطن، فيما كان من المفروض أن يحقق "وعد أوسلو "وطنا للفلسطينيين.

وضمن استراتيجية التلاعب بـ"وعي التفاوض" كما أسميه، تتحول المفردات المنتقاه بعناية فائقة إلى تكتيك ثابت؛ وظيفته تحويل الحالة برمتها إلى مشهد من السباق على مخزون كلامي لا يتلاعب بوعي الناس فحسب، بل ينتج لهم "حلولا" لا تمت للواقع بصلة، لكنها من جهة أخرى تبتزهم بـ"واقعية" مفرطة، لا تجعل أمامهم خيارات كثيرة تداعب أحلامهم وأمانيهم حتى إشعار آخر.

في هذه العملية المتواصلة من التلاعب؛ التي تهدف إلى أحداث أكبر قدر من التدمير النفسي والإحباط، لا يصبح للواقع أي معنى، فهو ليس المقصود، بل القبول به أولا تحت طائلة الضغط والتهديد والتضييق والحصار، ثم الانتقال للمرحلة القادمة بشكل سلس وطبيعي وعادي، دون أن يقع تحت طائلة السؤال والمساءلة.

فمثلا، النقاش حول فشل "حل الدولتين" هو غير مهم؛ لأن "الواقع" يفرض نقاشا حول "البديل"، النقاش في أي فشل حتى لو وصل إلى حد الكارثة هو غير مهم، المهم: ماذا نقترح الآن حتى نكون واقعيين؟

وصل "وعد أوسلو" إلى المكان الذي لم يحقق فيه شيئا؛ لما أطلق عليه تاريخيا "المشروع الوطني الفلسطيني"، المختصر بالاستقلال والدولة والقدس واللاجئين والسيادة، كما كان من المفترض أن يحقق "وعد أوسلو" الموقع منذ 23 عاما بالتمام والكمال. ليس هذا فحسب، كانت النتيجة عكسية وكارثية بحسب الوقائع على الأرض، لكن هذا كله لم يمنع "طعم الدولة الواحدة" من التسرب إلى الفضاء العام لينقل النقاش مجددا إلى الفلسطينيين، أي بينهم وبين أنفسهم، كما حصل في أوسلو، فيما لا يشارك الإسرائيليون من جهتهم بأي "نقاش" أو "جدل". هم فقط يعيدون خلق الواقع من جديد، وترسيم حدود المسموح والممنوع لمجال النقاش داخل الفلسطينيين.

"حق العودة" مثلا؛ هو مسألة إسرائيلية بالأساس، وما كان مكان إجماع وحلما وحقا مطلقا عند كل فلسطيني ما قبل "وعد أوسلو"، صار حالة سياسية قابلة للتوصيف والتحديد والضبط والترقيم، بحكم "الواقع" الذي استندت عليه "اتفاقيات أوسلو"، حتى انتهى الأمر به إلى وصفه بالأمر "غير الواقعي"، القابل للتطبيق بحكم الواقع.

لم تكن هناك مفاوضات حقيقية بواقع الحال على امتداد فترة التفاوض؛ لأنه لم يكن هناك طرفان وندّان. كانت هناك لعبة مدهشة من نوع آخر، وظيفتها الوحيدة نقل "الوعي التفاوضي" الذي وضعته إسرائيل من مرحلة إلى أخرى، تعيد هي رسم ملامحه من جديد بالواقع والوقائع، فيما تتلخص وظيفة الفلسطينيين بإقناع شعبهم بضرورة قبول الحدود الجديدة بحكم "الواقع"، هكذا "نُبذ" حل الدولة الواحدة وأصبح محط بحث وتداول، بحكم انسداد الأفق السياسي بعد فشل وانهيار حل الدولتين.

هل يمكن الانتقال إلى "حل الدولة الواحدة" دون الخوض في فشل حل الدولتين؟ هذ السؤال يبدو غير مهم من وجهة نظر "استراتيجية التفاوض"، المنتهجة منذ الإعلان عن "وعد أوسلو".

ليست هناك أية أهمية تذكر لما يقوله الفلسطينيون، وليس هناك أي اعتراض جدي على ما يفعله الإسرائيليون، يقول الأوائل مقولاتهم في سياق اعتراضي؛ منطلق من حالة ضعف وتبعية مفرطة، حالة تتقدم بها الهزيمة بشكل ملفت للنظر دون أن يبدو في الأفق حد لها.

ويثبّت الإسرائيليون على الأرض واقعا بفعل متواصل، وزيادة الاستيطان، وضم مناطق محتلة للسيادة الإسرائيلية، وفرض واقع جغرافي وديموغرافي غير قابل للتغيير في القدس، وإبقاء حالة الاحتلال كما كانت في ساعات الليل، والسيطرة على المعابر والتحكم بحركة التنقل، حواجز عسكرية، ومؤخرا الضغط باتجاه الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، ناهيك عما يحدث مؤخرا في القدس والمسجد الاقصى.. كل ذلك يتحقق بفعل القوة والهيمنة الذي كان "وعد أوسلو" النتيجة الطبيعية له، ما الذي تغير إذن حتى يصبح "حل الدولة الواحدة" الآن ممكنا؟

الفلسطينيون اليوم، في الحسابات العادية أضعف حالا مما كانوا عليه عشية أوسلو، فكيف ستحقق الحالة الأضعف حلا "أفضل"؟

هذا السؤال كذلك غير مهم؛ لأن الوصول إلى "الدولة الواحدة" كان بسبب فشل "حل الدولتين"، ولأن المسألة التفاوضية في حقيقتها كانت عبثية، ولأن فشلها كان مريبا، ولأن التفاوض أصبح خيارا استراتيجيا لا يمكن التنازل عنه، فإن الخيار الأمثل هو البحث عن بديل تفاوضي كما يقتضي "وعي التفاوض".