مقالات مختارة

لا تظلموا الموتى!

1300x600
أما أنت يا ولدي الكريم فلك أن تقول من الألفاظ وتتخذ من المواقف ما ينسجم مع تربيتك وأخلاقك، وما تراه يليق بك ويكون أدعى إلى سلامة موقفك بين يدي الله يوم العرض عليه: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} (الحاقة: 18).

أما أنا فإنني أشعر للموت برهبة، وأشعر إزاءه بخوف، وأشعر أن هذا الموقف سيمر بي يومًا، ولست أدري متى ولا كيف:

وما أَدْري إِذا يَمَّمْتُ أَرْضًا أُريدُ الخَيْرَ أَيُّهُما يَلِينِي؟

أَأَلْخَيْرُ الذي أَنَا أَبْتَغِيه أَم الشَّرُّ الذِي لَا يَأتلِينِي!

ولأني أرجو أن يشملني ربي بستره وعفوه، وألا يجعل لحاسدٍ ولا لحاقدٍ عليّ ولا على أحدٍ من أحبتي وأهلي وذوي قرباي سبيلًا لتنقّص ولا شماتة ولا مذمة، لذا فإنني أراعي لغتي بشأن الذين رحلوا وفارقوا دنيانا إلى الدار الأخرى، خاصة أولئك الذين لم يتولوا مسؤوليات جسيمة في ميدان الحياة ولم يسيؤوا للناس في مالٍ ولا موقف ولا قرار.. فأنت تحاسبهم بأشخاصهم لا بمسؤولياتهم ومناصبهم.

ولذلك أرى أن الذين جاوزوا قنطرة الموت وانتقلوا للضفة الأخرى في حمى منيع، وحصنٍ حصين وفي ذمة الله وجواره وحفظه وكلاءته وبين يديه، وهو ربهم وحسيبهم والمطلع على نواياهم وسرائرهم وخلجات قلوبهم ولحظات ذنوبهم، ولحظات استغفارهم وندمهم وقرباتهم إليه وطاعاتهم ابتغاء وجهه.

ولعل أحدهم بكى يومًا حبًا لله أو خشية من عقابه أو طمعًا في رحمته وقال: (رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، بينما كنت أنا وقتها غارقًا في معصية غيبة أو إعجاب بالنفس أو ازدراءٍ لأحد من الخلق أو تمييز عنصري بين عباد الله أو تدخل فيما لا يعنيني أو تظاهر بما ليس من حقيقتي!

فبأي حق يليق أو يجدر بي أن أتجاوز هذا كله وأتعدى على حق من حقوق ربي فأُدخل أحدًا جنة أو نارًا، أو أحكم له بسوء خاتمة؟

اللهم إلا أني أُحسن الظن برب العالمين وأُحسن الظن بإخواني المسلمين، وأتفاءل لهم بخير، وأرجو لهم من الخير ما أرجو لنفسي، فإن هذا مما أتوسل إلى الله أن يرحمني به لرحمتي لأهلي وجيراني ولحبي الخير لهم.

لستُ أحكم يا بني لأحد بخاتمة سوء، لأنني لم أكن حاضرًا مع ملك الموت ومن معه من رسل الله {حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} (الأنعام: 61-62)، ولو كنت حاضرًا فأنَّى لي أن أعلم ما بينهم وبين رب العالمين؟ فإن هذا مما لا تحيط به العقول، ولا تدركه الأبصار، ولا تحكم به وبظواهره قرائن من قرائن الحياة الدنيا.

وإذ دلَّت الآية الكريمة على أن الحكم له وحده دون سواه وليس لغيره حتى من الملائكة والأنبياء والمقربين، فكيف يسوغ لي أن أقحم نفسي في هذا الموقف الرعيب المهيب الرهيب وأنا لا أملك أدواته ولا أحيط به ولم أومر به، بل نهيت عن تقحمه والتدخل فيه ومن نازع الله في شيء من اختصاصه وشأنه عذّبه..

لسنا أمام حكم دنيوي عابر بل نحن أمام حكم غيبي أخروي، والغيب خصيصة ربانية لا معرفة لنا بها إلا بواسطة ملك مقرب أو نبي مرسل: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} (الجن: 26-27)

ونحن لم نتلق عن الله ولا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن أمواتنا ما يجعلنا نحكم لهم أو عليهم إلا بما هو ظاهر من حالهم من أصل دخولهم في الإيمان والإسلام وأنهم من أهل التوحيد جملة فيُرجى لهم الخير..

حتى أولئك الذين تعلم أنهم أخطؤوا يومًا من الدهر فهل أنت بلا خطيئة؟ ولو لم يكن لك خطيئة فيما تزعم وتدّعي فكفى بالغرور والإعجاب والغفلة عن عيب نفسك والجرأة على أعراض الناس والتسرع في تكفيرهم أو قذفهم أو تسويغ قتلهم. كفى بهذا خطيئة وذنبا، ومن أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله.

غاية الإجرام أن يقدم جاهل جريء على قتل أناس لا يعرفهم من أجل قضية سياسية تم حقنه بها، وأشد إجرامًا أن يقحم اسم الله في عدوانه ويهتف (الله أكبر)، والله بريء من الظلم والبغي والعدوان، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إن العبد أعجز من أن يعرف من حال نفسه أو مصيره شيئا، حتى أولئك الذين شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة من العشرة المبشرين وغيرهم، كانوا أشد الناس خوفًا على أنفسهم، وأعف الناس ألسنة، وأطهرهم قلوبًا، وأزكاهم حالًا وأبعدهم عن الوقيعة، وكيف لا وقد ربّاهم وعلمهم محمد -صلى الله عليه وسلم- ألا يسبوا الأموات فيؤذوا الأحياء، وعلمهم أن يذكروا محاسن الموتى ويُثنوا عليهم بما يعلمون، لأن التعرُّض للراحلين عدوان بغير حق، وهو أذيَّة للميت وأذيَّة للحيِّ، ودناءة في الأخلاق وقسوة في القلب وغفلة عن المصير.

إن ما أعلمه من نفسي ومن كثرة ذنوبي، وجراءتي وغفلتي عن الله، وتقصيري في التوبة، وتقصيري في العمل الصالح، يجعلني ألوذ برحمة الله، وأرجو فضله وثوابه أن يُلحقني بالصالحين، وأن يغفر لي ويتجاوز عني، أتوسل إليه برحمته بعباده، وفي الحديث -الذي يعرفه العلماء عادة بالحديث المسلسل بالأوَّلية- فيما يرويه عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ, ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه أبو داود، والترمذي، وأحمد، والحاكم).

ولا تنزع الرحمة إلا من شقي.

اللهم أسألك أن تغفر لهم وترحمهم، وتسبل عليهم سترك وعفوك وجودك وكرمك، وأحسن إليهم في دنياهم وأخراهم، وأتوسَّل إليك ربّ أن تُدرجني في عبادك المرحومين المغفور لهم، وأن تجيرني والمسلمين من غضبك ومقتك وعقابك.

اللهم استرني فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض وذريتي ومن أحب، ولا تسلط علينا مريض قلب، ولا سليط لسان، ولا جريئًا على حرمات الناس وأعراضهم، ولا مدعيًا غيرةً على الحق ولا غضبًا لله وهو من الجاهلين المسرفين.

وأعوذ بك ربّ من ذلك الصنف من الناس الذي يحسن الظن بنفسه ويسيء الظن بالناس.

الدين يا بني جاء بالرحمة، وجاء بحفظ الأعراض والدماء والأموال وسائر الضروريات، والله تعالى هو الخالق فكيف تهدم بيتًا بناه الله؟ أو كيف تتجرّأ على سترٍ أضفاه على عباده فتكشفه؟ وقد توعَّد المتجرِّئين عليه بأشد العقوبة وهي اللعن، فلعن الله من قتل نفسًا بغير حق، وكأنما قتل الناس جميعًا برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم، حتى الكفر ليس مسوِّغًا للقتل بذاته، ولذلك يُحفظ الكافر عن القتل في حالاتٍ كثيرة وإنما القتل سببه العدوان والبغي، وهذا مقرر عند كثير من أهل العلم، فكيف بالمؤمنين؟ فكيف بالغارِّين؟ فكيف بمن لا شأن لك بهم؟!

أراك يا بني تطرح على الراحلين علامات استفهام، فبالله عليك بأي صفة تفعل ذلك؟! هل أنت قاضٍ تحاكمهم؟ هل أنت شاهد عليم يعلم الظاهر والباطن؟ هل علمت منهم ما علمه الخضر من الغلام؟ هل بيدك جنة أو نار فأنت تتثبت من هوياتهم وأحوالهم لتقرر مصيرهم؟ هل صفت لك نفسك واستقام أمرك وصلح حالك واتجه قلبك إلى الله فلم يبق عليك إلا أن تحاكم العباد؟ لو كان ذلك كذلك وكان قلبك على الحال الحسن لشعر بالوجل والرهبة من المصير، ولأدرك أن الخليق به أن يتجه إلى الله، طلبًا للصفح والعفو عن عباده، والتماسًا للمغفرة، وانكسارًا وذلًا على ما فرط من ذنبه، وخوفًا من سوء المصير..

لِنَفْسِي أَبْكِي لَسْتُ أَبْكِي لِغَيْرِهَا *** لِنَفْسِي مِنْ نَفْسِي عَنِ النَّاسِ شَاغِلُ

ألم تسمع قول علي رضي الله عنه: (بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ)؟

ألم يدُر في بالك أن أحدًا ممن ظلمته وتجرّأت عليه سيلقاك يومًا فيعرفك ويأخذ بيدك إلى الله ويقول:

-يا رب.. سل هذا فيم أساء إليّ بغير حق؟

لا تظلموا الموتَى وإن طالَ المدى *** إنّي أخافُ عليكُمو أن تَلتَقوا