قضايا وآراء

"منتخب 25 يناير"..اعتزال إجباري أو هزائم مكررة

1300x600
الباحثون عن الاصطفاف، الحالمون بالاعتذار، والاعتراف، والنافخون في نيران الخلاف، هؤلاء أجهضوا حلم 25 يناير.

حتى تُهدم أصنام الثورة، هذه إجابة السؤال كيف يمكن تصحيح المسار؟

(1)

 ينطلق في الفضاء الإعلامي خبر –(تصريح) عن شخص ما، أو حادثة، حيث شمس الظهيرة لم تلملم خيوطها بعد، فينبعث لهب في مدارات وسائل التواصل الاجتماعي-(سوشيال ميديا)، وتشب حرائق الاستقطاب، هؤلاء، وأولئك في مساحة دخان الانقسام والمكايدة، ولكل فصيل منهم تبرير يغنيه.

في المساء، تتبلور الحكاية الباهتة المكررة، صخب إعلامي زائد، وضجيج، ينتهي بكل حدث -أيا كانت قيمته- إلى لا شيء.

هذا المناخ الممهور بـ"سُعار" الحق المطلق، لا تستقيم معه عقلانية المنطق.

(2)

 القطيع، لا يعتبر بفكرة، ولا يستلهم عبرة، وإنما يدور في فلك مكرر، لا يعنيه متى يصل، ولا يتمرد على الملل.

وقف المتدثرون بغطاء الثورة على حافة فعل عفوي حدث مساء الثلاثاء -25يناير 2011-، انقضت السنوات، تفتت الجبهات، وانطفأ الوهج الميداني، ولا تزال الخطابات حنجورية الطابع تصدع باللاشيء، في مناطق العدمية السلبية، خصمان بغى بعضهم على بعض، يتقوقعون في خندق (حتمية الاعتذار)، ويبشر كل فصيل لمريديه بقرب الانتصار.

الثورة مستمرة-(هذه جملة منقوصة)، تتمتها بشرط أن يتنحى المتحدثون باسمها للأبد.

(3)

بعد 30 يونيو 2013، تصاعدت شهوة الانتقام، على حساب ضرورة التفاهم والالتئام، فتمدد الانهزام.

كشفت مرحلة ما بعد 3 يوليو 2013 عن منحنى طبيعي للمسار الثوري، الذي تعطل في المنتصف، وأسفرت التجربة عن مجموعة من الهواة، لم يقرأوا تاريخا، ولم يؤرخوا لقراءة مرحلة انتقالية واضحة المعالم، فانقض معسكر الثورة المضادة على فريسة عرجاء، غرتها حشود الفصيل، و شعارات التبجيل.

كمن يسير في وحل، ويأمل أن تنجو قدماه من كتل الطين-هذا ما جناه الإسلاميون والمدنيون معًا.

(4)

"الإخوان السبب" -"العلمانيون انقلبوا على الرئيس" -هذا ملخص ما يجري منذ 4 أعوام.

إذا كنت في معسكر أحدهما، عليك أن ترجع خطوة واحدة للخلف، وتعيد النظر إلى مشهد ضبابي غائم ملخص في سجالات يومية مكررة، ومملة، حد التقزز، حيث قنوات تبث لـ"الشلة" وفقط، ما يعنيها هو استمرار النفخ في وقود العاطفة، ومَثل (أحمد موسى) ورفاقه في إذكاء الشتات كمَثل إعلاميي العاصمة التركية، وغيرها، مع فارق أخلاقي لدى قليل من المعسكر الآخر، لا يؤثر إيجابيًا في تحريك الأمور باتجاه الإقرار بالهزيمة، وصياغة آليات واضحة لتجاوز وضعية الصفر.

ودونهما إما متهم بـ"الانبطاح للنظام"، أو"الخيانة للدولة"..وليذهب أي باحث عن الانصاف إلى الجحيم.

(5)

أما الحركات المسماة عبثًا بـ"الثورية"، فهذه قطعة بلاستيكية في شريان أصابه الانسداد، إما أن تتآكل ذاتيًا، أو تنتهي صلاحيتها، لا بديل عن استبدالها.


تشير التجربة البائسة إلى مجموعات لا تزال حالمة بتكرار اللحظة العفوية ذاتها، لم تبرح أفكارها بعد مراهقة التظاهر الممهور بالشعارات المحفوظة، إلى جانب شغل مساحة من الفضاء الافتراضي لصب اللعنات على مؤيدي الدولة، والإخوان، كأن الفعل الثوري قبسُ من نورهم، لا يهبط وحي الحراك إلا من خلاله، وما سواه من استقرار الوعي الجماهيري، والمصالحات الشعبية الواجبة، عبث خيالي، وخيال عابث، يستوجب الرجم.

ثم تمر ذكرى الأحداث الثابتة (جمعة الغضب 28 يناير وما بعدها)، مطبوعة بصور في المكان، وحنين إلى الميدان، واحتكار الرؤية زيادة.

(6)

(وكان كل ما حل بنا من ظلم، ودمار، يدفعنا لانتقام لا ضابط له، ولكننا بحمد الله لم نتورط في غواية الانتقام، بل انتصرنا عليها بفضل تمسكنا بعقيدتنا)- علي عزت بيجوفيتش في مذكراته (1).

في التجارب الملهمة، لا معنى للعفوية التي يتغنى بها الفرقاء، إذ تبدو عقربًا يدور عكس حركة التاريخ، وإنما يؤول الأمر إلى قائد ملهم يستوعب الفارق بين لغة الحشد العاطفي، ورؤية منطقية تتبنى خطابًا مطمئنًا للمجتمع ذي الطوائف المتعددة، والفصائل ذات الانتماءات المتباينة، عندئذ يصبح للسير معنى، وللوصول أمل.

أما الحالة المصرية التي أبهرت العالم –في شتاتها-، فإن ثمة أطراف رتبت أولوياتها بوضع الانتقام على قائمة الحراك، جزاءً وفاقًا للتشفي في الخصومة، والخصام في المنافسة، والتنافس في جر البلاد إلى احتراب أهلي، يدفع ثمنه الجميع.

(7)

لا فرق بين الحاكم، والناقم، إلا بما يحمله أحدهما من إنسانية تنصف الحق، وانصاف لكل الخلق.
لكن بلاهة الأطراف من "ثوار الفنادق"،و"ناصبي المشانق" لا تريد شيئًا واضحًا في الغيم، يخرج أحمد ماهر-مؤسس 6 إبريل من محبسه، فتنصب محاكم التفتيش الآلية، يجب أن يعتذر أولًا عن مشاركته في 30يونيو-يقول البعض.

ويمرض مهدي عاكف-المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين- في محبسه، فينتظم المخالفون في صف "الشلة"، ويديرون ظهورهم للرجل التسعيني المصاب بالسرطان، ثم يخرج الأفاقون بعبارة (لا تعاطف مع شخص قال من قبل "طظ في مصر".

(8)

والضجيج، تصنعه الأواني الفارغة، مثلما تصنعه مطاحن الدقيق، يغفر للثانية ضجيجها، والأولى تظل مثالًا على فعل الحمقى.

عاد محمد البرادعي-نائب رئيس الجمهورية السابق-مرة أخرى للمشهد السياسي، قافزًا من حسابه على موقع التدوينات الصغيرة"تويتر" إلى شاشة فضية يظهر من خلالها صوتًا وصورة، ليدلي بحديث متوقع، لكنه في النهاية سيسهم لدى منتظريه بإطالة فترة "كيد النساء" الحاكمة في تعاملات معسكري السلطة، والمعارضة.

مع أولى تصريحاته، بث "أحمد موسى" تسجيلًا صوتيًا بينه وبين رئيس الأركان الراحل سامي عنان، فأمطرت سحابة الافتراض تدوينات ساخرة مرة، وحاملة للدهشة مرة أخرى، ومضت الليلة في سياقات "الدولجية"، و"الثورجية"-هكذا ترسم الخطوط، وهكذا يسيرون.

أما الخارجون عن سرب المتعطشين لضربة قاضية تهبط من السماء العادلة، على رؤوس من أصابوا العدل في مقتل، فلا مقام لهم سوى الانزواء-هذا ما تفرضه المرحلة.

(9)

لن يتغير واقع مفروض، إلا برحيل أدعياء الحق المفروض-تقول القاعدة.

فتش عن خطوة واحدة تحمل أملًا محققًا في إمكانية بناء مستقبل عادل، بين ثنايا عزف مزعج من كل اتجاه على أوتار متهالكة، يراه أصحابه سيمفونية بديعة تأنس لها طيور الكون، وقلب في دفتر المبادرات المطروحة على مدار أربعة أعوام من الصراع المبتذل، ثم اكتب فيما لايزيد عن سطر واحد (ما هي النتيجة الواضحة غير نرجسية طاغية لدى أدعياء الحفاظ على مسار "ثورة يناير).

وفي المساحات المتقاربة بين أبناء الفصيل الواحد، خذ ما شئت من خطاب ضمن عبارات، ومقالات متناثرة، ثم قف متأملًا لدقائق حيال وقائع الاتهامات المتبادلة، واقرار المتناقضات-كأن براحًا يظلل الجميع-، وكأنّ آلية سياسية تحمل مساحات متكافئة للخلاف.

(10)

لو كان لها موجة أخرى، ستكون على أطلال العابرين بـ"انتهازيتهم"، المارين خلف مكاسب الطائفة.

ويل لمن لا شلة له-تلك قاعدة أقرها المتأففون الآن من سياسات النظام الحالي، وهم أولى من دشنها حين كانت الساحة تتسع للمخالفين، فضيقتها ذاتية أطاحت بالموالين، والمخالفين معًا.

أما معسكر الثورة المضادة فإنما ينبثق نجاحه من اتفاق على الهدف، مع احتفاظ "المباركيين منهم، والشفيقيين" ونظرائهم، بـ"خصوصية" الحراك في مساحة محددة، حيث أي شذوذ عنها معلوم أن ثمنه شاق على الجميع-(هذا بالضبط ما فشل فيه الأدعياء، وما يأس من تكراره الأنقياء).

(11)

الاصطفاف، هو الحدث المؤجل حتى يعلن متصدرو المشهد في كل اتجاه، تخليهم عن الظهور، واكتفائهم بهامش الحضور.

ستكون سرابا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا-تلك إجابة السؤال (ماذا لو أطلق هؤلاء مبادرة للم الشمل؟).

____________________

(1)-كتاب مذكرات علي عزت بيجوفيتش-للدكتور محمد يوسف عدس