كتاب عربي 21

بين كيمياوي بشار وتوماهوك ترامب

1300x600
لا شك أن إقدام نظام بشار الأسد على حرق السوريين من أطفال ونساء ومدنيين بالسلاح الكيمياوي المحرم دوليا عمل شنيع يصل حد الإجرام، كما أن إصرار الأسد على مواجهة مطالب السوريين السلمية بقوة السلاح قد حرف مسار الثورة السورية باتجاه العسكرة والاستقطاب الطائفي والسياسي.

إلا أن كل ذلك لا يجب أن يعطي مشروعية للتدخلات العسكرية والسياسية الخارجية عامة، والأمريكية منها خاصة، ولقصف أرض عربية بصواريخ توماهوك في أي حال من الأحوال.

لا يمكن للإنسان حينما يحكم عقله وضميره أن يقبل امتطاء موجة المشروع الأمريكي الصهيوني في سوريا والمنطقة.

أقول هذا في زحمة ضبابية الرؤية واضطراب بوصلة الكثير من القوى وانقسامها، بين من يدافع عن نظام بشار الأسد ويلتمس له كل المسوغات، وحتى الحيل والأكاذيب، وهو يقصف شعبه بالبراميل المتفجرة والسلاح الكيمياوي الحارق، وبين من لا يزال يراهن على الصواريخ وربما الدبابات الأمريكية لدخول دمشق والتخلص من نظام الأسد، كما فعلت المعارضة العراقية من قبل، وهي تمتطي العربات العسكرية الأمريكية وتجتاح بغداد في 2003.

ليس مكتوبا علينا نحن العرب أن نختار بين براميل بشار وصواريخ ترامب، أو بين وباء الطاعون وداء السرطان. 

ربما سهل خداع العرب والمسلمين أواخر القرن السابع عشر حينما دخلت جيوش نابليون -أو الشيخ بونبرتة كما سمى نفسه حين خاطب الأزاهرة- للقاهرة التي جاءها من وراء البحار لتحريرها من المماليك، أو في القرن اللاحق مع الغزوات الفرنسية والبريطانية تحت راية جلب المدنية والحضارة للشعوب المتخلفة.

أما الْيَوْمَ، ونحن في القرن الحادي والعشرين وبعد أن توالت على المنطقة موجات متعاقبة من الاحتلال والتدخل العسكري الغربي خلفت سجلا أسود من الدمار والخراب في العمران والأنفس، لم يعد هناك ما يبرر التمادي في المراهنة على الصواريخ والطائرات الأجنبية لأي سبب كان.

وحينما يتعلق الأمر بالمشروع الأمريكي المتماهي مع الأجندة الإسرائيلية، ينبغي أن يكون التوجس والاعتراض أشد، خاصة في ظل رئيس دخل البيت الأبيض مدعوما بالمجموعات اليمينية والصهيونية المتطرفة المجاهرة بالعداء للعرب والمسلمين. 
 
قبل 14 سنة فقط، اجتاحت القوات الأمريكية أرض العراق بحجة تحريره من جرائم صدام حسين، وجلب بركات الحرية والديمقراطية لأهله بعد طول حرمان.

سرعان ما تحولت هذه الوعود الأمريكية الخلابة إلى أنهار من الدماء وأكوام من الدمار، ومزيج رهيب من الحرب الأهلية والانقسامات الطائفية، وقطعان متناسلة من الإرهابيين والفوضويين، ما أفقد العراق الحد الأدنى من مقومات الاستقرار، وأسس العيش المشترك. 
 
وفر نظام بشار الأسد الأرضية الخصبة لكل ضروب التدخلات الخارجية، وأصناف المليشيات الأجنبية والمجموعات الإرهابية، من القاعدة إلى النصرة إلى داعش وغيرها.

ركب دكتاتور دمشق راْسه وأصر على التعامل الأمني والعسكري مع مطالب شعبه المشروعة في الحرية والإصلاح، وكان بوسعه حقن دماء آلاف الأرواح من السوريين، وقطع الطريق أمام التدخلات الأجنبية في بلاده لو تحلى بالحد الأدنى من الحكمة والمسؤولية، وأقدم على إصلاحات جدية، كما حصل في المغرب مثلا.

اليوم باتت سوريا قاعدة متقدمة تتيح للروس التموقع في المنطقة، وفرض تنازلات على الغرب في ساحات استراتيجية أخرى مثل أوكرانيا وجزيرة القرم، وفِي العلاقة بأوروبا والدرع الصاروخي.

أما بالنسبة للأمريكيين وحلفائهم الإسرائيليين، فقد أمست حقل استنزاف لإنهاك الحكم والمعارضة المسلحة والقوى الإقليمية المتدخلة في الصراع من العرب والإيرانيين، والأتراك في آن واحد، وغدت فرصة للأوربيين لإعادة انتزاع موقع متقدم في المشرق والخليج العربيين.  

إن الثورة السورية ليست مؤامرة خارجية كما يتوهم البعض، بل تعبيرا عن مطالب مشروعة لشعب عانى ويلات الاستبداد والحكم العسكري والعائلي، كما أن ما عرف بالربيع العربي لم يكن نتيجة مخطط تآمري غربي بقدر ما كان حراكا شعبيا أصيلا في مواجهة دكتاتوريات غشيمة كانت مدعومة أمريكيا وغربيا.

ما جرى ويجري من تدخلات خارجية سافرة لا علاقة له لا بالثورة السورية ولا بهموم السوريين ولا بتطلعاتهم وآمالهم.  

في مثل هذه الأوضاع التي تتداخل فيها الألوان والأحجام، لا يجب على القوى الوطنية والقومية النزيهة أن تفتقد البوصلة وسلامة الاتجاه.

ليس قدرا علينا أن نستكين في الدفاع عن الدكتاتورية كما تفعل الكثير من التيارات اليسارية والعروبية المتخندقة مع نظام بشار الأسد، ولا أن نبرر التدخلات الأجنبية تحت عنوان مشروعية مقاومة دكتاتورية وحتى إجرام الأسد.

نحن هنا إزاء مشروع أمريكي صهيوني لا يمكن الوثوق به بأي حال، مشروع يراهن على تمزيق أوصال العرب وإضعافهم، والدليل على ذلك أن الأمريكان باتوا يراهنون في سوريا على المجموعات المسلحة الكردية دون غيرها، بغية تقسيم سوريا وتهديد أمن تركيا، مثلما راهنوا في العراق على تمدد المجموعات الكردية للسيطرة على الموصل وكركوك ومزيد تفتيت بلاد الرافدين. 

ما من حل مثالي في ظل هذه الأوضاع المعقدة. لكن المؤكد هو أن أسوأ الخيارات هو تكرار تجربة الجماعات الشيعية العراقية التي امتطت الدبابات الأمريكية، وهي تجتاح بغداد لإسقاط نظام صدام حسين، فحولت البلد إلى مستنقع كريه من الصراعات الطائفية والتطاحن الدائم.

المؤكد، أن أقل الحلول ضررا هو الدفع باتجاه تسوية سياسية معقولة ومقبولة ترغم الأسد إما على الرحيل، أو تغيير بنية الحكم، من خلال مشاركة جدية وقوية للمعارضة، وذلك في إطار تفاهمات إقليمية بين العرب والأتراك والإيرانيين باعتبارهم الأطراف الرئيسية، المعنية بما يجري في سوريا.

وقتها فقط، يمكن قطع الطريق أمام سياسة الأرض المحروقة، ولعبة الاستنزاف المتبادل التي راهنت عليها قوى داخلية ودولية كثيرة، ولا تزال.