صحافة دولية

ميدل إيست آي: لماذا اعتقلت السعودية (شيخ إثيوبيا) العمودي؟

ميدل إيست آي: ليس من الواضح لماذا تم اعتقال العمودي تحديدا في حملة التطهير- تويتر

نشر موقع "ميدل إيست آي" مقالا تحليلا للصحافية دانيا العقاد، عن اعتقال رجل الأعمال السعودي الإثيوبي المعروف محمد حسين العمودي، في حملة التطهير التي قام بها ولي العهد السعودي بداية الشهر الحالي، متسائلة عما إذا كانت هذا الاعتقال سيعرض وضع الاقتصاد الإثيوبي للخطر.

 

وتقول العقاد: "مع انتشار الأخبار عن اعتقال الأمراء ورجال الأعمال في الرياض بداية هذا الشهر قرعت أجراس الإنذار في عمق عاصمة آخرى، تبعد ألف ميل عنها؛ حيث اعتقل واحد من أهم المستثمرين في إثيوبيا".

 

وتضيف الكاتبة: "لا يعرف السبب الذي دفع السلطات السعودية لاعتقال العمودي، المولود في إثيوبيا، ويحمل الجنسية المزدوجة، والذي يعتقد أنه ثاني أثرى شخص معتقل بعد الأمير الوليد بن طلال".

 

وتشير العقاد في مفالها، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أنه "في الوقت الذي تم فيه التركيز على اعتقال الأمير بن طلال، الذي استثمر في كل شيء، من (سيتي غروب) إلى (تويتر) و(سافوي)، فإن اعتقال العمودي مهم؛ لأنه يؤثر على اقتصاد بلد بكامله".

ويلفت الموقع إلى أن "العمودي، أو كما يطلق عليه بـ (الشيخ) استثمر في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد الإثيوبي، بما في ذلك الفنادق والمزارع والتعدين، لدرجة جعلت دبلوماسيا أمريكيا يتساءل عن السبب الذي جعل للعمودي حصة في أي خطة خصخصة في إثيوبيا منذ عام 1994، ففي برقية كتبها دبلوماسي عام 2008، وسربتها (ويكيليكس) قال فيها: (لا يمكن تقليل التأثير الذي يمارسه العمودي على الاقتصاد الإثيوبي)".

 

وتجد الكاتبة أنه "بعد مرور 10 أعوام، فإنه من الصعب تقدير قيمة الاستثمارات التي وضعها العمودي في إثيوبيا، التي تعد من أفقرالدول الأفريقية لكنها الأسرع نموا، ولا يعلق فريق العلاقات العامة التابع له على أرقام أجنبية، ويحذر من أرقام يقترحها طرف ثالث، إلا أن محللا يقدر حجم استثماراته في البلاد بما  بين 3.4 من حجم الدخل الإثيوبي العام، وهو 4.7 مليار دولار، وقال مصدر إن شركاته توظف حوالي 100 ألف شخص، ما يشكل نسبة 14% من القطاع الخاص الصغير، إلا أن الأرقام الواردة من وزارة العمل الإثيوبية والبنك الدولي تشير إلى أن هذه التقديرات زادت منذ عام 2013 بسبب توسع القطاع الخاص".

 

اهتمام

 

وتنوه العقاد إلى أن صورة العمودي تسيدت أخبار الصحف والمجلات الإثيوبية منذ اعتقاله، فيما قامت وكالات الأنباء بمتابعة التطورات حول احتجازه، وانتشرت أخبار عاجلة أو شائعات على وسائل التواصل الاجتماعي، وقال الأستاذ الزائر في جامعتي واشنطن ولي في فرجينيا، هينوك غابيسا: "يشعرون بالضيق". 

ويذكر الموقع أنه بعد أيام من اعتقال العمودي قام رئيس الوزراء الإثيوبي هيلامريام ديساليغين بعقد أول مؤتمر صحافي له منذ شهرين، وأجاب على أسئلة حول اعتقال العمودي، حيث قال إن حكومته لا تعتقد أن استثماراته ستتأثر بالاعتقال، فيما قال مسؤول في هيئة الاستثمار الإثيوبية إن اعتقال العمودي لن يثير ذعر حكومة بلاده، وأضاف: "لا يعتمد اقتصاد البلد على مستثمر واحد، فبحق السماء، هذا بلد عدد سكانه 100 مليون نسمة.. كيف تعتمد على مستثمر واحد؟ هذا مثير للضحك"، وقال المتحدث باسم العمودي في بريطانيا تيم بندري في بيان: "لم يتأثر الاستثمار الذي يملكه الشيخ في الخارج بهذا التطور". 

وتستدرك الكاتبة بأنه رغم اعتراف المحللين بأن الصينيين لديهم اليوم حصص أكبر في الاستثمار من العمودي في اقتصاد إثيوبيا، وتأكيد المصادر المطلعة على عدم خوف الحكومة، فإن ما يثير هو كيف ترك صراع على السلطة داخل القصور السعودية آثاره البعيدة، مشيرة إلى قول المحاضر في القانون في جامعة كيل، أول ألو: "هو شخص يترك حضوره وغيابه أثره على اقتصاد البلد.. ويترك أثرا أساسيا في المشكلات المرتبطة بمشاركته في البلد، فهو رمز أساسي".

قصة نجاح

ويشير الموقع إلى أن العمودي ولد عام 1946 في ديسي في إثيوبيا لأم إثيوبية وأب سعودي، وبحسب موقعه على الإنترنت، فإنه هاجر في عام 1963 إلى السعودية للعمل مع قريب له، وجاءت فرصته في  الثمانينيات من القرن الماضي عندما طرحت المملكة الراغبة بحماية أمنها أثناء الحرب العراقية الإيرانية سلسلة من العطاءات لتخزين النفط في مخازن تحت الأرض، وعندما عبرت الشركتان المتعهدتان السويدية "إي بي في روك غروب" و"سكانسكا" عن المخاطر، عرض العمودي خدماته ليأخذ التحدي، وحوّل العمودي على مدى ثلاثة عقود المشروع الناجح إلى شبكة واسعة من الاستثمارات، بما في ذلك مصفاة نفط سويسرية، التي قدر قيمتها موقع "بلومبيرغ" بحوالي 10 مليارات دولار. 

وتلفت العقاد إلى أن العمودي حوّل انتباهه لإثيوبيا في لحظة تاريخية، بعد المجاعة المدمرة التي أصابت البلاد في الثمانينيات من القرن الماضي، والانقلاب العسكري في عام 1992، الذي أنهى حكما قاسيا لنظام ديرج، الذي استمر 17 عاما، حيث كانت إثيوبيا تتحرك من النظام الماركسي إلى السوق الحرة، منوهة إلى أن الدولة لا تزال تسيطر على القطاعات الرئيسية في الاقتصاد، مثل الطاقة والاتصالات، إلا ان الحكومة بدأت في التسعينيات من القرن الماضي بخصخصة الشركات المملوكة من الدولة. 

ويستدرك الموقع بأنه رغم أن معظم الشركات تم بيعها لعاملين فيها أو أفراد إثيوبيين، إلا أن الشركات التي حصل عليها العمودي تبلغ نسبتها بحسب البرقيات الدبلوماسية 60%  من قيمة الشركات بالدولار، التي تم بيعها بالكامل، لافتا إلى أن التجارة التي حصلت عليها شركات العمودي شملت عددا من القطاعات المتنوعة، من الجلد إلى المخللات والدهان والقهوة والشاي واللحم والتعليب والتعدين والسياحة.

 

وتورد الكاتبة نقلا عن برقية دبلوماسية، قولها إن "الشيخ اختار أفضل الشركات التي عرضت للبيع حتى الآن"، مشيرة إلى أنه بحسب البرقية المكتوبة عام 2008، فإنه "لا توجد إشارات عن تجاوزات في عملية طرح العطاءات، ولأن الشيخ صاحب الكيان الأكثر ثراء فإن لديه مصلحة في الاقتصاد الإثيوبي.. لكن الشيخ كان على علاقة مع (بي أل أف/ إي بي آر دي أف)، وهناك شائعات تقول إنه حصل على معاملة تفضيلية".

ربح ومساعدة

وينقل الموقع عن صحافي تابع مصالح العمودي التجارية في البلاد، قوله إن له ما يقرب عن 77 شركة، وقال الصحافي إنه الموظف الأكبر بعد الحكومة، وهي حقيقة لم يكن الموقع قادرا على التأكد منها وقت نشر هذا المقال. 

 

وتورد العقاد نقلا عن مراقبين، قولهم إن مشاريعه لم تزد من ثروته فقط، بل تركت أثرها على البلاد، وكان أهم مشروع له هو "شيراتون أديس"، الذي افتتح عام 1998، وغير المشهد وسمعة العاصمة، حيث وضعها على الخارطة الدبلوماسية الأفريقية، وأكد العمودي أن مشاريعه وإن كانت من أجل تحقيق الأرباح إلا أنها كانت خيرية، ففي عام 2007 أخبر السفير الأمريكي في إثيوبيا في ذلك الوقت دونالد ياماماتو أن "ما يدفعه قلبه وليس عقله". 

ويذكر الموقع أن كلا البرقيتين تصفان العمودي بأنه رجل يقدم النصح للأمريكيين حول كيفية الاستثمار، ويشجعهم على الاستثمار في البلد، وكون المحللون صورة عن رجل مستثمر، وبالضرورة سفير يروج للبلد ورجل يقود جمعية للإغاثة. 

ويعلق المحاضر في القانون في جامعة كيل، ألو قائلا: "في كل مرة تحدث فيها أزمة يتقدم لمساعدة الأفراد"، ويضيف: "هناك توقعات حول ما قدمه العمودي لهذه الأزمة أو تلك"، وكانت هناك شائعات بأنه قام بإقراض الحكومة عملة صعبة عندما عانت من مشكلات، وفي الفترة الأخيرة كان أول المستثمرين الذين قدموا الدعم لمشروع النهضة/ حيث قدم حوالي 8 ملايين دولار.

مرحلة صعبة

وتبين الكاتبة أن اعتقال العمودي جاء في وقت تمر فيه إثيوبيا في مرحلة صعبة، فمحاولات الحكومة الدفع لبناء دولة تتبع النموذج الاقتصادي الصيني، وبناء مجتمع طبقة متوسطة بحلول عام 2025، ووجهت باحتجاجات واسعة من الذين تركوا على الهامش.

ويلفت الموقع إلى أن الحكومة الإثيوبية تقدمت في العقود الماضية بروحية زعيمها ميليس زيناوي، الذي أعجب بالنموذج الصيني، واهتم بالتنمية على حساب الديمقراطية، وبالتالي أصبح الاقتصاد المصدر الرئيسي للشرعية، كما يقول ألو. 

ويضيف ألو: "أصبح التطوير الاقتصادي كل شيء في سياق إثيوبيا، وأصبحت الحكومة تشير إلى عدد المستشفيات والمدارس التي بنتها.. ومهما كانت المشكلات الاجتماعية كانوا يقولون: لقد بنينا هذا"، ويتابع ألو: "فيما يتعلق بالديمقراطية والانتخابات فإنها كانت طقسا يديرونه ويفوزون بفترة خمس سنوات أخرى"، حيث أنه في الانتخابات التي عقدت في المرحلة ما بين 2010 – 2015 كلها، فازت الجبهة الشعبية الإثيوبية الثورية الديمقراطية بمقاعد البرلمان كلها.

وتقول العقاد إنه مع زيادة الانتقاد لمشروع الحكومة الاقتصاد أهم من الديمقراطية أصبح العمودي محلا للنقد، سواء كان حقيقيا أم لا، ويقول الزميل في معهد الدراسات الدولية (تشاتام هاوس) جيسون موزلي: "الأمور التي ربط بها لم تكن كلها ناطحات السحاب البراقة وفنادق الخمس نجوم، بل المطاط الذي نزل للشوارع، والخيارات الصعبة التي تركت أثرها، وكانت هذه على حافة الأمور". 

 

انتقادات

 

ويشير الموقع إلى أن أحد المشاريع التي تعرضت لانتقاد مرتبط بالسعودية، ففي عام 2007، وعندما بدأ القلق حول ندرة المحاصيل الرئيسية حول العالم، قدمت السعودية دعما لمن يستثمر في مزارع أجنبية تصدر محاصيلها في النهاية للسعودية، وأنشأت في عام 2009 التطوير الزراعي السعودي عملية إنتاج للارز في منطقة غامبيلا، التي أدارتها "ميدروك أفريقيا"، ورد العمودي على المبادرات من أجل الاستثمار في "المناطق الفقيرة التي لم يستفد منها لمصلحة البلدين". 

 

وبحسب موقع العمودي، فإن المشروع سيسهم في الأمن الغذائي السعودي، لكنه سيقدم منافع كبيرة لإثيوبيا من ناحية الاستثمار الاجنبي، وخلق فرص العمل وتوفير الطعام، وأضاف ان نصف المحصول المنتج سيظل في إثيوبيا للاستهلاك المحلي. 

 

وتذكر الكاتبة أن الأراضي في إثيوبيا تملكها كلها الحكومة، وبحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" فإن "سعودي ستار" استأجرت 14 ألف دونم، وستستثمر 200 مليون دولار بحلول العام المقبل، مستدركة بأن المشروع ظل بطيئا، بحسب صحافي محلي، بحيث أزعج الإثيوبيين الذين رأوا الحكومة تسيطر على الأراضي، ولم تقدم لهم أي منافع في المقابل. 

وينوه الموقع إلى أنه بالنسبة للسعوديين، فإن المشروع  لم يثمر، وفي عام 2016 ذكرت "فايننشال تايمز" أنه لم يتم تصدير أي أرز للسعودية من المشروع، وقال الصحافي إن العمودي معروف في إثيوبيا بأنه يملك أراضي كثيرة، لكن الكثير منها لم تتم زراعتها.  

وتكشف العقاد عن أن "سعودي ستار" اعترفت في تقرير الصحيفة البريطانية بوجود مشكلات في الإدارة والاستشارات، لكن ما يظلل هذا كله هو أن الشركة لا تركز على الحد الأدنى، وقال مدير "سعودي ستار" جمال أحمد، للصحيفة: "لو أنفقنا 200 مليون دولار في تايلاند لكان سهلا علينا إنتاج أرز بكميات كبيرة.. لماذا قررنا عملها في غامبيلا، دون شوارع أو كهرباء وعمال مهرة؛ لأننا لو لم نفعل فلن يفعل أحد هذا". 

وبحسب الموقع، فإن عمليات العمودي في منطقة أروميو المضطربة تعرضت لانتقادات، ففي آذار/ مارس توقف المديرون الإقليميون عن العمل في مشروع الأحجار الاسفنجية، وطلبوا استئجار عمال محليين لإدارة المنجم. 

وتورد الكاتبة نقلا عن غابيسا من جامعة لي وواشنطن، قوله إن الكثير من السكان المحليين شعروا أن عمليات التنقيب التي قامت بها "ميدروك" في المنطقة لم تقدم لهم منافع اجتماعية كما توقعوا، وأضاف: "شعر شعب الأرومو أنه استغل.. ولو ذهبت وشاهدت المنطقة فليس عندهم مدارس ولا عيادات أو أي شيء.. حتى الشارع الذي تسير عليه السيارات غير معبد، ولهذا يشعر الناس أنه بخيل"، مشيرا إلى أن النقاد للعمودي راقبوا اعتقاله في السعودية بنوع من الرضا، "وتساءلوا متى ستتم محاكمته في إثيوبيا؟". 

ويستدرك الموقع بأن الو من جامعة كيل يتساءل عما إذا كانت المدارس والعيادات من مسؤولية العمودي، وقال: "أنا متأكد من وجود الكثير من الناس الذين لديهم مظالم وينظرون لمساهمته في إثيوبيا بطريقة سلبية، لكن من المهم النظر للصورة الاوسع.. والعمودي ليس مسؤولا عن بناء المستشفيات لأنها من مسؤولية الحكومة، وعليها التأكد من أن سكان هذه المناطق، التي تشهد استثمارات واسعة، حصلوا على المنافع الاجتماعية التي تأتي من أراضيهم".

لغز

 

وتقول العقاد: "ليس من الواضح لماذا تم اعتقال العمودي تحديدا في حملة التطهير، وقال مصدر مقرب من أعماله إن الكثيرين اندهشوا لأن اسمه كان على قائمة المعتقلين، خاصة أنه، وعلى خلاف البقية، بنى أعماله على مبادئ التعاملات الإسلامية المصرفية، وأضاف المصدر أن اعتقاله يشير إلى أن حملة التطهير تركز على مصادرة أموال المعتقلين في مملكة تعاني من تراجع أسعار النفط ونمو سكاني مطرد". 

 

وحاول "ميدل إيست آي" التواصل مع المتحدثة باسم السفارة السعودية في الولايات المتحدة، والسؤال عن سبب احتجاز العمودي، وعما إذا كانت هناك مشاريع معينة مشكوك فيها، لكنه لم يتلق أي رد، رغم المحاولات المتكررة. 

 

وتقول الكانبة: "مع أنه من الباكر الحديث عن أثر اعتقال العمودي على مشاريعه في إثيوبيا، إلا أن أديس أبابا ستراقب التطورات في الرياض في المدى المنظور". 

 

وتختم العقاد مقالها بالإشارة إلى قول موزلي من "تشاتام هاوس" إنه "ليس من الواضح كيف سيؤثر هذا الأمر على مجموعة (ميدروك) في إثيوبيا، لكنه بالتأكيد وضع غير طبيعي لإثيوبيا".