كتاب عربي 21

حين يصبح الموت طريقا للحياة

1300x600
ما بدها تتحلحل يا أبو أحمد ؟ فيرد بلهجة الريف الدمشقي: لا ، ما بدها تتحلحل ، هكذا كنت اسأل الشيخ السوري الستيني النحيف ذو النظرة الحزينة والظهر المحدودب ، وكان هذا رده دائما، فلم يكن الحديث عن السياسة في سوريا أمر ممتع ، بل يجب أن تكون لك كلمات سرية تستشف منها الوضع بدون أن تكون واضحا ، فصلاحيات المخبرين بلا حدود ، والسجون تتمتع بسمعة سيئة تكاد تضاهي سمعة محاكم التفتيش الاسبانية في القرون الوسطى ، وعقول السورييين مليئة بقصص التعذيب والتنكيل والقطع والحرق وانتهاك الاعراض التي لا تريد ان تفارقهم .

 نشرت مجلة التايم يوم 17 فبراير نقلا عن منظمات معنية بحقوق الانسان، إحصائية عن جرائم القتل التي ارتكبها النظام السوري خلال فترة انعقاد مؤتمر جنيف 2 ، فخلال الفترة من صباح 22 يناير وحتى منتصف ليلة 14 فبراير قتل حولي 6000 سوري ، أي 242 شخص في اليوم ، أي بما يعادل 10 أرواح تغادر إلى ربها كل ساعة من اليوم .

 ومع صعود  كل هذه الارواح إلى خالقها بانتظار ما سيسفر عنه مؤتمر جنيف 2 ، كانت النتيجة أن الوفد الحكومي السوري رفض حتى مناقشة طلبات المعارضة ، ففشل المؤتمر فشلا ذريعا جعل عرابه الأخضر الإبراهيمي يعترف بقوله :أنا اسف جدا ، اسف جدا ، واعتذر للشعب السوري ، أعتذر لهم لأننا خلال الاجتماعين لم نساعدهم كثيرا .

 هذه الجملة التي قالها الابراهيمي لن تمحو ذكرى الـ 6000 شخص قتلوا خلال أيام المؤتمر ، ولن تمحو ذكرى 140000 شخص قضوا خلال السنوات الثلاث الماضية ، ولن تريح الملايين الذين يعيشون في بؤس يومي منتشرين في بقاع الارض أو في خيام على الحدود بانتظار الاذن بالعودة إلى مكان ليس به مستقبل أو حياة .

إن الشعوب لاتحمل السلاح وتقاتل وهي تعلم علم اليقين أن فعلها هذا سيجر عليها الويلات و الدمار إلا إن كانت مضطرة لذلك ، وحين ترى أن موتها حاملة سلاحها خير لها من حياة تهدد فيه كل لحظة بالسلاح ، فالأنظمة تتشبث بكراسيها التي تراها أغلى من الشعوب وتطلعاتهم وأحلامهم ، وليس لدى هذه الأنظمة القاسية أي تردد في فعل ماترى أنه مناسب لحماية العرش من السقوط ، ولكن ما الحل إن وصلت الحال بهذه الشعوب إلى طريق مسدود ليس له مخرج سوى الموت ؟ حينها ستختار الموت وهي تقاتل عوضا عن الموت كل يوم في حياة من الذل والمهانة .

 اتساءل أحيانا عن سبب تكلس هذه الانظمة وعدم قابليتها للتطور وإيجاد مخارج للأزمات المحيطة بها ، فهل كان بشار سيخسر كثيرا فيما لو جعل نفسه رئيسا مدى الحياة وطرح منصب رئيس الوزراء للانتخابات ؟ وهل كان سيصل حال البلد إلى هذه الحال إن كان أدخل إصلاحات في النظام الأمني وحد من تغولها وسطوتها على الناس والمجتمع ؟ وهل ستكون مصيبة عليه إن أصلح النظام القضائي ؟ وهل سيجد نفسه في مصيبة إن أدخل إصلاحات على النظام التعليمي والصحي  ؟

 بالتأكيد لم يكن ليخسر الكثير ، بل كان سيربح الكثير ، ولكنه النظام حين يتكلس و يتجلط ويصبح غير قابل للحياة فتسري عليه سنة الحياة في التغيير والاستبدال .

 لم أجد من يؤيد الذهاب إلى جنيف 2 ، سواء من الساسة المتصارعين في الخارج أو من الجيش الحر في الداخل ، الجميع كان يعلم أنه مؤتمر فاشل بكل المعايير حتى قبل أن يبدأ ، و كيف ينجح إن كان الوفد السوري رفض حتى فكرة إزاحة الأسد عن الحكم ؟ وجاء المؤتمر في وقت كان الاقتتال الداخلي بين داعش والكتائب الأخرى على أشده ، وفي الوقت التي كانت المساعدات الإيرانية والروسية تنهال على النظام بشكل غير مسبوق ، فكان بين مجموعتين إحداهما مهلهلة ، مفككة ، متصارعة ، متقاتلة ، والأخرى مترابطة ومتجانسة ولاتقبل المساومة على ثوابتها !!

 لست أعلم أين أبو أحمد ( هذه ليست كنيته الحقيقية ) ، فجسده الناحل وسنه لن يسمحان له بتجاوز هذه الأزمة التي قد تكون الأخيرة في حياته ، ولكني مازلت أخاف عليه حتى من الجهر بلقب قد يحمله معه الالاف ومازلت أخاف عليه وإن كانت الأرض قد حوت جسده ، فأي حياة تلك التي يعيشها الناس وهم يخافون من نظام حكم يتسلل إلى مخادعهم ويحسب عليهم أنفاسهم ويضيق عليهم حياتهم ؟ حينها قد يصبح الموت طريقا للحياة .