مقالات مختارة

أردوغان الزعيم.. وتركيا "المحسودة"

1300x600
كتب بسام البدارين: لا أميل للرأي العربي السطحي المتشفي بنتائج الانتخابات التركية الأخيرة، الذي يتوقع أفول نجم الزعيم رجب طيب أردوغان، ليس لأن الأخير ومجموعته التي تحكم اليوم محصنون من النقد أو لا يرتكبون الأخطاء، ولكن لأن أجواء احتفال بعض الأنظمة العربية بنتائج الانتخابات التركية استندت إلى النكاية، وبطريقة أقرب لمن يجدع أنفه ويحتفل مضحيا بصديق محتمل لصالح "عدو أكيد".

المكان الذي تجلس فيه تركيا في وجدان الشارع العربي -بصرف النظر عن أي خلاف سياسي مع اتجاهاتها- متسع وكبير، ويحظى بالصدارة على مستوى الشعوب، بالرغم من "الدعاية المضادة" لبعض وسائل الإعلام العربية، وتحديدا المصرية، التي تعكس سطحية مباشرة على طريقة الجارات في النكاية، وهي أقرب لاحتفالية البسطاء وهم يتحدثون عن حموضة الحصرم لأنهم لا يطالون العنب.

تركيا دولة عصرية اليوم، وفترة أردوغان -اختلفنا أو اتفقنا مع الرجل- كانت منتجة في العديد من المسارات، ودفعت بتركيا لموقع متقدم في المستوى الإقليمي، وحتى في مجال اللعب الدولي، الأمر الذي عجزت عنه غالبية الأنظمة العربية، بما فيها النظام المصري الذي أسس خطابه على جدلية التناقض مع تركيا.

لا يمكن توجيه اللوم لتركيا لأنها تدعم تعبيرات الاعتدال السياسي الإسلامي، فجماعة الإخوان المسلمين كانت وستبقى بصرف النظر عن بؤس زعاماتها في بعض الأحيان من عناصر الاستقرار في المجتمعات العربية، ومن المعادلات التي تخفف من تأثيرات ثنائية الفساد والاستبداد التي تثقل كاهل المواطن العربي.

لا يجوز لنا المثقفين العرب -الذين أخفقنا مع حكوماتنا في إنتاج وطرح أي مشروع نهضة حقيقي- التركيز على خطاب بائس كلاسيكي معلب ينتقد الشعوب الأخرى التي أنجزت مشروعها، ولديها ما تقوله على صعيد العمل السياسي والنجاح الاقتصادي والتأثير بالجوار.

وجود مشاريع إيرانية وتركية في المنطقة واقع ينبغي أن يدفعنا للتساؤل عربيا عن مشروعنا بدلا من حقن مواطننا بجرعات من التهويل والتخويف والمبالغات حول مخاوف مشاريع الدول الإقليمية الجارة.

تركيا لديها بعض السياسات الغامضة وغير المفهومة، ونختلف مع بعض اجتهاداتها، لكنها شئنا أم أبينا أعجبنا أم لم يعجبنا "قصة نجاح" تكشف عورات النظام العربي الرسمي، ما يتسبب برأينا المتواضع في إنتاج كم هائل في الإعلام البائس من المؤامرات والنكايات ضد الدولة التركية الحديثة.

النجاح في تركيا ديمقراطي وتنموي واقتصادي وعدم وجود حصانة لدى المواطن العربي من التأثر بمشاريع واتجاهات دول الجوار لا يعفينا من المسؤولية على المستوى الحكومي من الضعف وعدم المثابرة ووجود مراكز قوى تتمكن دوما من إحباط الإصلاح والتغيير.

بمعنى آخر نجاح "النموذج التركي" في الإسلام المعاصر ينطوي على "إدانة مباشرة" لكل الأنظمة الرجعية العربية عمليا وبالتالي يصبح نموذجا "محسودا" تحاول بعض الأقزام الضعيفة إعاقته في العتمة.

كمواطن عربي اقرأ وأكتب، لا شكوك لدي بضعف نظامي الرسمي، ولا ارتياب عندي من المشروع التركي، فحق كل مسلم في الجوار أن يتقدم بمشروعه، وعلينا إيقاف حالات اللطم والتهويل التي تطال النماذج الناجحة، لأن مصالح الأمة العربية لا تتعارض مع "الصديق والأخ التركي" المسلم، بل مع العدو الصهيوني الإسرائيلي في المقام الأول، ومع دول أخرى في المنطقة، تستند للتحريض الطائفي، وتتعامل مع مصالح الشعوب العربية على أساس عرقي وطائفي.

كمواطن عربي، لا أرصد ولا أشعر بأي إساءة لمصالحي الاستراتيجية من جراء التقدم والنموذج التركي الحديث، فهو حجة على ضعفي أنا، وليس ضدي، ومن حق الشعوب المجاورة أن تمارس الانتخابات النزيهة وتتقدم في النمو الاقتصادي وتحاجج أوروبا وتفرض كلمتها حتى والحكومات العربية تعجز عن صناعة لوح شوكولاتة مطابق لمواصفات نظيره التركي.

تركيا اليوم محسودة؛ لأنها بلا ديون، ولأن مطاراتها تستقبل ألف طائرة يوميا، وفيها مئات الجامعات، ولأن لديها قدرة محسوسة على إعاقة أي مشروع إقليمي يتعارض مع مصالحها، وهو ما نفتقده نحن معشر العرب الذين نكثر من الكلام والخطابات.

تركيا يمكنها أن تكون عامل دعم وإسناد للمواطن العربي، ويحسب لها أنها ساندت الربيع العربي والمحاصرين في غزة، وعلى من يعيش وسط الرذيلة السياسية منا أن يتوقف عن الخطابة في الفضيلة في مواجهة تركيا الدولة الحديثة.

لا أرى أي مبرر للعداء والتخاصم مع تركيا، ولا توجد أدلة حقيقية على كل ما يقال ضدها في أروقة الغرف المغلقة، وموقفها من نظام بشع كالنظام السوري يحسب لها لا عليها، ولم تفعل بشعوبنا ما فعلته إسرائيل وحتى إيران.

تركيا باختصار محسودة وأنجبت "صبيا".

(عن صحيفة القدس العربي اللندنية 8 تموز/ يوليو 2015)