قضايا وآراء

العلاقات الفلسطينية المصرية.. قراءة واقعية

ماجد الزبدة
1300x600
1300x600
ترتبط العلاقات الفلسطينية المصرية بأبعاد متعددة، ففي بُعدها السياسي تُعتبر مصر الحاضنة السياسية العربية للقضية الفلسطينية، بدءاً من النكبة الفلسطينية وما تبعها من أحداث سياسية مؤثرة على القضية، لا سيّما تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية برعاية مصرية عربية، والدفع باتجاه توقيع الفلسطينيين لاتفاقية أوسلو كخطوة تمهيدية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967م.

وفي بُعدها الأمني تشكل محافظات قطاع غزة سياجاً حارساً للأمن المصري القومي، وتساهم من خلال ضبط الحدود المصرية الفلسطينية في الحفاظ على الأمن المصري في سيناء، وفي بُعدها الإنساني تداخلت الأنساب والمصاهرة بين أبناء الشعبين الفلسطيني والمصري، مما عزز من النسيج الاجتماعي المشترك وساهم في متانة العلاقات الأخوية والودية بين الشعبين المصري والفلسطيني.

نجحت مصر على مدار عقود مضت في تحقيق إنجازات سياسية معتبَرة نتيجة احتضانها للقضية الفلسطينية، حيث نجحت ضغوطاتها السياسية في حقبة تسعينيات القرن الماضي في دفع الفلسطينيين نحو توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال.

وعقدت قمة شرم الشيخ حول القضية الفلسطينية سنة 1996م بمشاركة عشرات القادة والزعماء، واحتكرت رعاية الملف الفلسطيني الداخلي، فأقدمت على تعزيز علاقاتها مع كافة الفصائل الفلسطينية على اختلاف طيفها السياسي، واحتضنت لقاءات المصالحة الفلسطينية ومباحثات إنهاء الانقسام، وسجلت إنجازاً مهماً في إبرام صفقة تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال سنة 2011م، وقامت بجهود حثيثة ومتواصلة لعقد اتفاقيات تهدئة متبادلة نزعت من خلالها فتيل المواجهات العسكرية التي وقعت على مدار العقدين الأخيرين بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال.

الاحتضان السياسي للقضية الفلسطينية كان ولا زال يشكّل رافعة مهمة للنظام المصري الحاكم، الذي عزز من خلال هذا الاحتضان السياسي علاقاته الدولية وحضوره الدبلوماسي في المحافل الدولية. فعدالة القضية وصمود الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال جعل الملف الفلسطيني الأشد تأثيراً في تفاعلاته السياسية والميدانية على الساحة الدولية، والقضية الأكثر حضوراً على طاولة المباحثات بين مختلف الدول والمنظمات الدولية الكبرى، حيث نجح النظام المصري في ترجمة هذا الاحتضان إلى علاقات سياسية وأمنية مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، مما ضاعف من قدرته على التأثير الأمني في المنطقة، وعزز من حضوره السياسي في المشهد الدولي.

من ناحية أخرى حرص النظام المصري على عدم اشتعال المواجهة بين الفلسطينيين والاحتلال، باعتبار ذلك عنصرا يشكل تهديداً للأمن القومي المصري. فتفاقم الصراع مع الاحتلال خاصة في مدينة القدس المحتلة يستثير مشاعر الجماهير العربية، ويُشعل موجات غضب شعبي واسع ضد الاحتلال في المنطقة العربية، لذلك وجدنا النظام المصري يسارع إلى التدخل المباشر لوأد أي انتفاضة شعبية أو مواجهة مسلحة بين المقاومة والاحتلال، ويكثف من جهوده السياسية والدبلوماسية الداعية إلى الهدوء من جهة، واستئناف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والاحتلال من جهة أخرى، بما يضمن الحفاظ على الجسم السياسي للسلطة الفلسطينية واستمرار دورها السياسي والأمني في محافظات الضفة وغزة.

ورغم النجاحات والإنجازات المصرية في الملف الفلسطيني، إلا أن التوجهات السياسية المصرية بدت في السنوات الأخيرة وكأنها تميل لتحقيق مصالح الاحتلال. فالنظام المصري الذي انطلق حرصاً على مصالحه السياسية والأمنية في المنطقة؛ استثمر احتضانه القضية الفلسطينية واحتكاره الملف الفلسطيني الداخلي في تعزيز علاقته الأمنية والسياسية مع الاحتلال.

فعلى صعيد علاقاته مع السلطة الفلسطينية مارس النظام المصري ضغوطات سياسية لدفعها لاستئناف المفاوضات العقيمة مع الاحتلال، كما سعى مراراً ودون جدوى للضغط على رئيس السلطة محمود عباس لطي صفحة الخلافات التنظيمية مع خصمه اللدود محمد دحلان وإعادته إلى صفوف حركة فتح، باعتبار أن التئام وحدة صفوف فتح التنظيمية يشكل سداً منيعاً أمام تبوؤ حركة حماس وفصائل المقاومة قيادة المشهد الفلسطيني في المستقبل.

وعلى صعيد العلاقة مع فصائل المقاومة الفلسطينية، حافظ النظام المصري على علاقات أمنية مع حركة حماس كبرى فصائل المقاومة الفلسطينية، ووأد مراراً مساعيها لنقل علاقاتها مع النظام إلى أبعاد سياسية، بعكس علاقته مع السلطة الفلسطينية والاحتلال. كما مارس احتكاراً واضحاً لملف غزة، ومفاوضات تبادل الأسرى بين المقاومة والاحتلال، وأصرّ طيلة السنوات الماضية على حرمان عشرات الألوف من الفلسطينيين من المرور عبر الأراضي المصرية دون سبب وجيه. ومارس عملية إذلال ممنهجة، وفرض رسوماً وضرائب باهظة على المسافرين الفلسطينيين عبر معبر رفح الحدودي، المنفذ البري الوحيد الذي يربط محافظات غزة بالعالم الخارجي، دون أن نسمع صوتاً عالياً من فصائل المقاومة رفضاً لحرمان الفلسطينيين من التنقل، أو امتهان كرامتهم أثناء مرورهم في الأراضي المصرية، في إذعان وضعف فلسطيني واضح تجاه إيقاف تلك الممارسات المهينة.

ورغم تودّد فصائل المقاومة الفلسطينية، وحرصها على استمرار علاقتها الإيجابية مع النظام المصري إلا أن المواطن الفلسطيني لم يلحظ تحسّناً على صعيد الأوضاع السياسية والاقتصادية في غزة، ومع استمرار المعاناة اليومية، وتفاقُم أزمات الفقر والبطالة، وعدم القدرة على معالجة مشكلات الكهرباء والمياه الصالحة للشرب، وغيرها من المشكلات الحياتية يتساءل المواطن عن العائد السياسي والاقتصادي لتلك العلاقة بين النظام المصري وفصائل المقاومة الفلسطينية.

ورغم أن حركة حماس والمقاومة الفلسطينية قدّمت عن طيب خاطر ورقةً سياسيةً رابحة للنظام المصري، بقبولها مؤخراً الرعاية المصرية للتهدئة المتبادلة مع الاحتلال، الأمر الذي ساهم في نسج علاقة شخصية واتصالات هاتفية بين الرئيسين الأمريكي جو بايدن والمصري عبد الفتاح السيسي، وعزز من الدور السياسي المصري في المشهد الإقليمي والدولي، إلا أن النظام المصري لا زال يتعامل مع حركة حماس كمنظمة إرهابية، ولا زال القضاء المصري يحاكم المعارضين السياسيين المصريين بتُهمة التخابر مع حركة حماس بوصفها منظمة إرهابية، في دلالة واضحة على عدم تغيير النظام المصري - رغم ما حققه من إنجازات سياسية على حساب القضية الفلسطينية - لأيٍّ من سياساته القديمة تجاه المقاومة الفلسطينية، وحركة حماس على وجه الخصوص.

واليوم وفي ظل الفشل الفلسطيني الواضح في كسر الاحتكار السياسي المصري للملف الفلسطيني، وعدم قدرة فصائل المقاومة على إحداث تغيير حقيقي على صعيد الأوضاع السياسية والاقتصادية في غزة، ينبغي العمل على إعادة رسم العلاقة من جديد مع النظام المصري، بحيث تعود بالنفع المتبادل سياسياً واقتصادياً وأمنياً على كلا الطرفين، وتحقق التوازن المطلوب في العلاقة، بما يشكل ضغطاً على النظام المصري لتغيير سياساته المعتمدة تجاه فصائل المقاومة، وإنهاء ممارساته المهينة للمسافرين الفلسطينيين عبر الأراضي المصرية، ومعالجة حقيقية للمشكلات الحياتية اليومية التي يعانيها المواطن الفلسطيني في غزة.

وأخيراً، فإن العلاقات الفلسطينية المصرية الراسخة، والتي تمتد عبر قرون مضت، ينبغي أن تعود إلى أصولها باعتبارها علاقات أخوية وودية، وليست سيفاً مُسلطاً على الفلسطينيين، يدفعهم للقبول بالإذلال والمهانة، دون قدرة حقيقية على التفكير خارج الصندوق، أو البحث عن نظام إقليمي فاعل يرعى المصالح الفلسطينية ويحقق حياة كريمة لأبناء الشعب الفلسطيني.
التعليقات (0)