تقارير

"القسطل".. قرية فلسطينية استراتيجية ترمز للبطولة والشهادة

ما تبقى من قرية القسطل
ما تبقى من قرية القسطل

شكلت البوابة الغربية للمدينة المقدسة، وعلى ثراها وقعت واحدة من أهم المعارك التي خاضها المجاهدون الفلسطينيون والعرب ضد العصابات الصهيونية في معارك عام 1948.

القسطل، قرية عربية تبعد 10 كم إلى الغرب من مدينة القدس، وتشرف على طريق القدس ـ يافا الرئيسة المعبدة من الجهة الجنوبية الغربية التي تقع على ارتفاع 525 م عن سطح البحر في حين ترتفع القسطل نحو 725 ـ 790م. وقد منحها هذا الموقع قدرة استراتيجية في التحكم بتلك الطريق. وتربطها طرق ممهدة أخرى بقرى صوبا وخربة العمور وبيت نقوبا وبيت سوريك وعين كارم وسطاف وقالونيا.


كانت القرية قلعة صغيرة تقوم على بقعة القسطل في عهد الرومان ثم في أيام الحروب الصليبية. وعندما نشأت قرية القسطل سميت بهذا الاسم تحريفا لكلمة "كاستل" الإفرنجية ومعناها الحصن. وكانت للقرية وظيفة عسكرية لتميز موضعها بسهولة الحماية والدفاع.

 

 

                      عبد القادر الحسيني يشرف على القتال في القسطل

 

بنيت بيوت القرية من الحجر واتخذ مخططها شكلا شبه دائري. وبالرغم من امتدادها العمراني على طول المنحدرات الشرقية لجبل القسطل إلا أن مساحتها لم تتجاوز 5 دونمات. وكانت شبه خالية من المرافق والخدمات العامة ومعتمدة على مدينة القدس المجاورة لها.
 
ويزرع في أراضي القسطل الحبوب والخضر والأشجار المثمرة ويشغل الزيتون أكبر مساحة منها. وتتجمع الأراضي الزراعية على شكل شريط طولي في الجنوب الغربي من القسطل وتتصل بالأراضي الزراعية المحيطة بقرية صوبا. وتعتمد الزراعة فيها على الأمطار.

وبلغ عدد سكان القسطل عام 1922 نحو 43 نسمة، وازداد عام 1921 إلى 59 نسمة كانوا يقيمون في 14 بيتا. وقدر عددهم بنحو 90 نسمة في عام 1945.
 
معركة القسطل الشهيرة

تعرضت القسطل عام 1948 لعدوان صهيوني بغية الاستيلاء عليها للاستفادة من موقعها الاستراتيجي الذي يعد البوابة الغربية للقدس، فاستبسل المجاهدون العرب في الدفاع عنها بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني، ولكن اليهود تمكنوا في النهاية من احتلالها وتدمير بيوتها بعد أن طردوا سكانها العرب منها .
وفي عام 1949 أقاموا مستعمرة "كاستل" على بقعة هذه القرية العربية.

وفي تفاصيل المعركة التي خلدت ذكر الشهيد الحسيني، فقد هاجمت عصابات "البلماح" القرية في 3 نيسان/ أبريل عام 1948، وأفاد مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" وقتها أن المعارك استمرت في محيط القرية خلال الأيام القليلة اللاحقة، بينما تشير وثائق "البلماح" إلى أن الهجوم الأول لم يواجه بأية مقاومة، وأن المدافعين عن القرية وسكانها غادروها من قبل. أما المؤرخ الفلسطيني عارف العارف فيقول: "إن خمسين رجلا من مجاهدي القرية دافعوا عنها، ولم ينسحبوا إلا عند نفاذ ذخائرهم".

 

                  صورة نادرة للمجاهدين العرب في طريقهم إلى القسطل

وبعد أن عجزوا عن احتلال القرية فقد استخدم الصهاينة طائرات التدريب لقصف القوات الفلسطينية المحيطة بالقسطل بالقنابل بعد أن استعاد المجاهدون الفلسطينيون القرية في معركة قتل خلالها زعيم المجاهدين، قائد منطقة القدس عبد القادر الحسيني.
 
وتزامن مع هجوم الصهاينة على القسطل المجزرة التي وقعت في قرية دير ياسين التي لا تبعد أكثر من 5 كم عن القسطل. 

وما أن استولت قوات "البلماح" على القرية حتى راحت تنسف منازلها، في سابقة تكررت في كل القرى التي احتلت في سياق عملية "نحشون"، وهي عملية عسكرية إسرائيلية هدفها كان إسقاط مدينة القدس بالكامل. وفي ذات السياق ذكر المؤرخ الفلسطيني عارف العارف أن القوات الصهيونية دمرت أبنية القرية كلها، بما فيها المسجد الذي يضم المقام.
 
وتؤكد رواية لصحيفة "نيويورك تايمز" أن مسجد القرية دمر، ونسبت الصحيفة إلى عبد القادر الحسيني قوله "إن تهديم المسجد يعتبر عملا شائنا، وأن المسجد لم يستعمل قط إلا للعبادة".

وكان الحسيني قد توجه وفي 5 نيسان/ إبريل من عام 1948 بقواته البسيطة نحو القسطل، واستطاع فعلا أن يحاصر القسطل، لكن قبل أن يضرب حصاره على القسطل توجه إلى جامعة الدول العربية يطلب المدد بالسلاح والذخيرة من حكام العرب مستعينا بهم واحدا تلو الآخر وهم يرفضون المساعدة ويماطلون فيها، وتتحدث كتب التاريخ عن اللقاء بين عبد القادر الحسيني واللجنة العسكرية العربية.

يقول الحسيني إن اللجنة العسكرية طالبته بعدم افتعال تصرفات فردية، وأن جامعة الدول العربية قد أوكلت قضية فلسطين إلى لجنة عربية عسكرية عليا، وطالبوه بعدم الذهاب نحو القسطل، فقال ردا عليهم: "إنني ذاهب إلى القسطل وسأقتحمها وسأحتلها ولو أدى ذلك إلى موتي، والله لقد سئمت الحياة وأصبح الموت أحب إلى من نفسي من هذه المعاملة التي تعاملنا بها الجامعة، إنني أصبحت أتمنى الموت قبل أن أرى اليهود يحتلون فلسطين، إن رجال الجامعة والقيادة يخونون فلسطين ".

وتوجه نحو القسطل بقواته وأسلحته البسيطة، ولم تكن الدول العربية تريد مواجهة مع بريطانيا، ورأت أن أي عمل عسكري الآن سيعني مواجهة حتمية مع بريطانيا، ولكن الحسيني بدأ يرسل إلى المتطوعين من الحركات الإٍسلامية في فلسطين ومصر وما حولها، ثم إنه طوق القسطل وبدأ يستنجد مرة أخرى بالقيادة العسكرية، وأرسل إليهم بأنه بمساعدتهم سينهي الوجود اليهودي فيها، بيد أن القيادة العسكرية للجامعة العربية أصرت على موقفها. وأثار ذلك الترنح في مواقف الجامعة العربية حفيظة الحسيني، وثارت ثائرته فأطلق صيحته قائلا :"نحن أحق بالسلاح المخزن من المزابل، إن التاريخ سيتهمكم بإضاعة فلسطين، وإنني سأموت في القسطل قبل أن أرى تقصيركم وتواطؤكم".

وخاض الحسيني ومقاتلوه حربا غير متكافئة انتهت باستشهاده.

ولا تزال المنحدرات الجنوبية، الشمالية والشرقية لموقع القرية والمعارك التي شهدتها مغطاة بركام المنازل وأنقاض المصاطب الحجرية، التي كادت الأعشاب البرية تحجبها. أما أنقاض القلعة القديمة فما زالت قائمة على قمة الجبل. كما أنشئ في الموقع ملجأ تحت الأرض جنوب غربي القلعة. وتتواجد شمالي القلعة وشرقيها تتواجد الخنادق العسكرية. بالإضافة لذلك، تنبت أشجار الخروب، التين والزيتون على الطرفين الشمالي والغربي للموقع، بينما ينبت الصبار في طرفه الجنوبي، وكأنه يرمز إلى صبر الفلسطينيين الذي يوشك أن ينفذ.

المراجع

* مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، بيروت 1974.
*الموسوعة الفلسطينية، قرية القسطل، 18 أيلول/ سبتمبر، 2014.
*وليد الخالدي، نبذة تاريخية عن القسطل-القدس، كتاب " لكي لا ننسى".
*الجزيرة نت، سقوط القسطل.. مفتاح الاحتلال لأبواب القدس، 10/8/2017.


التعليقات (0)