قضايا وآراء

العمليّة العسكرية في أوكرانيا.. ومنطق "دي فاكتو"

علي عقلة عرسان
1300x600
1300x600
دخلت الحرب في أوكرانيا شهرها الرابع؛ القتل يستمر، والدمار ينتشر، والمحنة تكبر، والعداء يتجذَّر، والمخاطر تتسع وقد تتجاوز أوكرانيا إلى احتكاك مباشر مع الناتو عبر مولدافيا، بسبب موقفها من كاليننغراد الروسية الذي يشبه حصارا، وينعكس كل هذا تهديدا للأمن والسلم العالميين، إضافة لما تحدثه زعزعة أمن الطاقة والأمن الغذائي في بعض المناطق والقارات من تهديد لهما.

إن الأوضاع تتفاقم في أوكرانيا على المستويات كافة (العسكرية والأمنية والاقتصادية والإنسانية و..)، وقد غيرت المعاركُ ومجرياتُ الأحداث خططا وأهدافا معلنة، وارتفع مستوى المواجهات في الجبهات من حيث الإعداد والاستعداد وعديد المنخرطين في القتال وأنواع الأسلحة المستخدمة في المعارك، الأمر الذي زاد حجم التحديات بين الأطراف المعنية وضاعف المخاطر في المنطقة وخارجها، حتى لتكاد "العملية العسكرية الروسية" المحدودة الأهداف كما أعلن عنها، تصبح حربا مفتوحة لا للدفاع عن سكان دونباس وعن الأمن القومي الروسي وعن الحدود فقط، بل عن الوجود ذاته؛ فالصراع يتصاعد بين دول عُظمى وتحالفات دولية كبرى واستراتيجيات عالمية، حول قضايا سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية.. إلخ، وعلى مواقع جيوسياسية في البر والبحر، وقد تصل إلى الفضاء، وعلى نظام سياسي عالمي جديد يحل محل النظام السياسي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، ذاك الذي اختل نتيجة انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال حلف وارسو، وحكمته وتحكمت به أحادية قطبية تهيمن بالقوة على السياسية الدولية؛ نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، لا تحكمه وتتحكم به الولايات المتحدة الأمريكية وحدها.
الصراع يتصاعد بين دول عُظمى وتحالفات دولية كبرى واستراتيجيات عالمية، حول قضايا سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية.. إلخ، وعلى مواقع جيوسياسية في البر والبحر وقد تصل إلى الفضاء، وعلى نظام سياسي عالمي جديد يحل محل النظام السياسي القائم منذ الحرب العالمية الثانية

العالم يتفاعل، والمخاطر تتكاثر، وميادين القتال تفرض التعامل مع معطياتها. فالحرب تُملي قوانينها وضروراتها ومنطقها، وما يجري على الأرض يفرض التعامل مع "حكم الأمر الواقع (دي فاكتو dē factō)، وهذا يستدعي سياسات وقرارات ومواجهات وأساليب تعامل، وقد يجبر على قبول المرفوض. وحسب حكم الأمر الواقع قد تتغير الأهداف المحدَّدة، والخطط المرسومة، والعمليات المحدودة، والمواقف المعلنة، والسياسات وحتى الاستراتيجيات، وتفضي الحرب إلى ما هو غير مرغوب فيه ولا مقصود ولا مقبول، وتنذر بتخطي العمليات المحدودة إلى حرب وجود ضد وجود، في حرب عالمية ثالثة نووية لا تبقي ولا تذر، وتفني كلَّ وجود.

نحن الآن أمام حرب محدودة ذات وجهين رئيسين: "ناري وصقيعي".. "حارٍ جدا وبارد نسبيا"، بين روسيا الاتحادية من جهة، والناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، وكل من الطرفين يخوض تلك الحرب بطريقته وترتد عليه بأشكال وأشكال، والنتيجة خسائر وخسرانٌ للطرفين، وتهديد لأمن الطاقة، وضائقات وأزمات اقتصادية تطالهما مباشرة، ومآسٍ ونكبات وأزمات وتهديد للأمن الغذائي تطال أطرافا غير داخلة في هذه الحرب. فالشر يعم والخير يخص في هذا المجال، على عكس المأمول والمرتجى في شمول الخير وانحسار الشر. وقد بدأت تحركات سياسية واستراتيجية واسعة تُبنى على ذلك الوضع، وتنذر شعوبا بمجاعات وكوارث تضاعف معاناتها الشديدة المديدة، فهي الأشد ابتلاء منذ عقود من الزمن، منها ما يقرب من سبعين مليونا من البشر في الشرق الأوسط، ومئات الملايين في أفريقيا وحدها، وملايين في قارات أخرى مهددون بأمنهم الغذائي.
تحركات سياسية واستراتيجية واسعة تُبنى على ذلك الوضع، وتنذر شعوبا بمجاعات وكوارث تضاعف معاناتها الشديدة المديدة، فهي الأشد ابتلاء منذ عقود من الزمن، منها ما يقرب من سبعين مليونا من البشر في الشرق الأوسط، ومئات الملايين في أفريقيا وحدها، وملايين في قارات أخرى مهددون بأمنهم الغذائي

إن التصعيد السياسي والعسكري المتبادل بين "الأطالسة" والروس، مع استمرار القتال والعقوبات والتحديات والأزمات، أخذ يجر تلك الأطراف المعنية إلى تعزيز قدراتها القتالية الهائلة ورصد مئات المليارات من الدولارات لهذا الغرض، وتعزيز تحالفاتها القائمة وتوسيعها وتعزيز قدراتها، وإلى استقطابات عالمية وتكوين محاور عسكرية دولية، وإقامة تحالفات جديدة بينها وبين دول في مناطق من العالم، الأمر الذي ينذر بتشكل محاور كبرى ضد محاور، على غرار ما سبق وكان في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

فروسيا وبيلاروسيا والصين وكوريا الشمالية ودول في آسيا الوسطى، أقرب إلى أن تكوِّن محورا بهامشه إيران وسوريا وفنزويلا وربما كوبا، ودول أخرى ذات نظام اشتراكي ومزاج شيوعي في القارات الست. والولايات المتحدة الأمريكية وإنكلترا ودول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بتمدُّداته، يشد إليه وكندا وأوستراليا واليابان، وكل مَن يتبع أمريكا في قارات العالم، ويتشكل من ذلك محور مضاد، وتنشأ إلى جانب المجموعات والتحالفات الدولية الفرعية القائمة، تحالفات يثير تشكيلها أكثر من الاستغراب والعجب والغضب، كذلك التحالف "البحري- الجوي" الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وسيدشنه الرئيس بايدن في أثناء زيارته للمنطقة العربية ويجمع دولا "عربية؟!" كيان الإرهاب والعنصرية "إسرائيل"، العدو الأول للعرب والمسلمين وللسلم والأمن الدوليين! وتبقى دول أخرى بين بين، يتناوشها مد المحورين، وسوف تضطر إلى أن تحسم أمرها وتتخذ قراراها.
عالم تتهاوى فيه كل القيم الأخلاقية والإنسانية، وأمام وقائع ونُذُر بأنه يهوي نحو حرب عالمية ثالثة قذرة بكل المقاييس، إذا ما انزلقت إلى الهوة النووية فعلى عالمنا السلام، وإذا لم تنزلق إليها فنحن في براثن الإبادة والقتل والفتك والوحشية

نحن لسنا في عالم يتأرجح بين حرب جيوش عسكرية مباشرة تشتعل نارها وبين ذينك الطرفين العالميين، وتعاني شعوبه من حرب اقتصادية ومن تفاقم الفقر والجوع والتجويع والتركيع والترويع، فيه مئات الملايين من البشر لاجئون ونازحون ومهجَّرون ومقهورون ومُرهبون، نتيجة الاحتلال والاستعمار والعنصرية والاستبداد والطغيان والتطرف العرقي والديني والمذهبي. لسنا بمواجهة ذلك فقط، بل أمام عالم تتهاوى فيه كل القيم الأخلاقية والإنسانية، وأمام وقائع ونُذُر بأنه يهوي نحو حرب عالمية ثالثة قذرة بكل المقاييس، إذا ما انزلقت إلى الهوة النووية فعلى عالمنا السلام، وإذا لم تنزلق إليها فنحن في براثن الإبادة والقتل والفتك والوحشية، وفي أشد الكوارث وأعظمها وأشملها وأفظعها، وستدفع معظم شعوبه ثمنا فادحا، ماديا ومعنويا، وتقدم دما وأرواحا وكل ما حققته من تقدم حضاري وتقني، على عتبات حروب مجنونة، يقيمها ساسة طلاب حروب ويرعاها ويدفع باتجاهها صناع السلاح وتجار الحروب، وأصحاب السوابق من أصحاب الأموال والمحتكرين العنصريين كارهي الآخرين، الذين لا يعنيهم الإنسان ولا القيم، ولا تعنيهم الحضارة، ويغرقون في أسوأ تكوين عنصري لبشر من نوع يكره سواه من البشر ويحقد عليهم، ولا يمت إلى إنسانية البشر بصلة من أي نوع.

الشعوب لا تريد حروبا من هذا النوع بل تُجَرُّ إليها أو تُفرَض عليها، وقد تضطر إلى الحرب دفاعا عن النفس والحق، ولكنها لا تطيقها ولا تُقْبِل عليها مختارة. إن الزعامات الأنانية، والقيادات المتورِّمة، والسياسات الاستعمارية النَّهابة، وذوي الأطماع والرُّؤى العنصرية، والساسة الذين لا يرون أبعد من أنوفهم وينصّبون أنفسهم أوصياء على الشعوب، بل ملاكا لها وللأوطان أو بدلاء لذلك كله، أولئك هم الذين يفعلون ذلك ويستحمون بالدم ويستثمرون في البؤس والقتل. أولئك لا يرون، ولن يروا في أي وقت وتحت أي ظرف، أنهم يرتكبون أفظع ما يمكن تخيله من جرائم وحشية بحق الشعوب، تبقيهم خارج نطاق السوية الصحية والعقلية والنفسية، وخارج الانتماء للبشر.. الإنسان.
دروس الحروب كثيرة ومُثقَلَة بالعلقم والعبر، ودرس الحرب الروسية- الأوكرانية يزخر بالكثير من ذلك لمن يريد أن يتقصى ويستنتج، وهي حرب لن تخرج منها روسيا وحدها منهكة وضعيفة كما أرادت الولايات المتحدة الأمريكية وقالت على لسان وزير دفاعها أوستن، بل سيشمل الإنهاك والإضعاف والاستنزاف للغرب، "أمريكييه وأوروبييه"

دروس الحروب كثيرة ومُثقَلَة بالعلقم والعبر، ودرس الحرب الروسية- الأوكرانية يزخر بالكثير من ذلك لمن يريد أن يتقصى ويستنتج، وهي حرب لن تخرج منها روسيا وحدها منهكة وضعيفة كما أرادت الولايات المتحدة الأمريكية وقالت على لسان وزير دفاعها أوستن، بل سيشمل الإنهاك والإضعاف والاستنزاف للغرب، "أمريكييه وأوروبييه" أيضا وإن بدرجات. لكن سيكون للشعوب السّلافية الشرقية من تلك الحرب جروح ونقاط ضعف خاصة؛ تخرج بها وترافقها إلى أمد من الزمن قد يطول.

وعلى مَن يريد أن يتعلم من دروس الماضي أن يذكر ويتذكَّر أن هناك مَن يلعبون لعبة مُركَّبَة (عنصرية- سياسية- وطنية.. إلخ)، يلعبونها بدم الآخرين (الغوييم)، وسيرى السّلافيون الشرقيون (الروس والأوكرانيون والبيلاروس) أنفسهم نتيجة لهذه الحرب أنهم أضعف؛ لأنهم من افتتن بالنار، وهم وقودها، ومَن اكتوى ويكتوي بها، ولهذا تُموَّل وتستمر ويجب أن تطول، وألا يُسأل عن القتلى والدمار والتشريد، فـ"الغوييمُ يقتلون الغوييمَ."، والمستثمرون يكمنون في مأمن، ويستثمرون في المحنة، ويستحمون بالدم، ويزوّرون الوقائع، ويشوهون التاريخ، يتدفَّؤون على نار الحريق، وسيشكون مرَّ الشكوى مما أصابهم بسبب وهج النار التي يتدفَّؤون عليها، ويطالبون بالتعويض عما أصابهم، وينالون ما يطلبون!!
التعليقات (0)