كتب

هل يمكن تحقيق جودة التعليم دون تفكيك النظم الريعية؟

محاولة لدراسة وتحليل معضلة التعليم العربي بارتباط مع إشكاليات الاقتصاد السياسي- (تويتر)
محاولة لدراسة وتحليل معضلة التعليم العربي بارتباط مع إشكاليات الاقتصاد السياسي- (تويتر)

الكتاب: "الاقتصاد السياسي للتعليم في العالم العربي"
المؤلف: مجموعة مؤلفين
تنسيق وإشراف: روبرت سبرينغبورغ
ترجمة: فيصل البقالي
الناشر: دار الإحياء للنشر والتوزيع- طنجة
الطبعة: الأولى
السنة: 2022

 
جرت عادة الدراسات التي تتناول مشكلات التعليم في العالم العربي أن تستند في بياناتها واستنتاج خلاصاتها على المعطيات والإحصائيات الكمية التي توفرها المؤسسات المختصة (البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووكالات المعونة الثنائية المختلفة)، والمثير للانتباه أن أغلب الباحثين الذين يستثمرون هذه المعطيات، يكادون يتواطؤون على عنوان كبير يطبع التعليم في العالم العربي، هو ضعف الأداء مع مواجهة تحديات مشتركة (كمية وكيفية)، وهو ما يعني في الجوهر أن مجمل الجهود الإصلاحية التي توجهت لهذا الورش، فضلا عن النفقات التي بذلت فيه، بما في ذلك المندرجة تحت الدعم الدولي، لم تحدث أي تأثير دال وفارق في منظومة التربية والتعليم في الوطن العربي، ولا على السياسات المعتمدة لإصلاح هذا القطاع الحيوي.

وسواء تعلق الأمر بالإصلاحات التي تأتي من أعلى (القيادات السياسية) أو الإصلاحات التي تنتزع بضغط من القواعد الشعبية، فإن الصياغات التي انتهت إليها المشاريع الإصلاحية، صبت في الجوهر ضمن أجندة سياسية رتبتها الأنظمة السياسية لتجاوز معادلة جدل العلاقة بين معالجة تدني مؤشرات النمو الاقتصادي، وبين ضرورات الانفتاح السياسي.
 
والمفارقة، وهو ما يزيد أزمة التعليم استفحالا، أن معضلة التعليم، طرحت في مرحلة ما بعد الاستعمار ضمن سياق كانت ترمي فيه الدولة العربية القطرية المتوسعة إلى فرض عقيدتها القومية وغرسها في نفوس المتعلمين، فانصب الاهتمام على الخدمة المدنية باعتبارها شكل التعاقد لاجتماعي الذي يدعم الأنظمة السلطوية، في حين، كان للنمو الديمغرافي وتدهور الحالة المالية وتوسع نطاق الخصوصية وبروز التغيرات الأخرى في السياسات العمومية بسبب العولمة في نهاية الثمانينيات، أثر كبير في تكييف رهانات المنظومة التربوية والتعليمية وتحولها لخدمة اقتصادات متدهورة، سرعان ما كشفت عن هشاشتها الانتفاضات الشعبية التي اندلعت مع الربيع العربي، مما عمق إشكالية التوفيق بين متطلبات تحفيز النمو الاقتصادي وضرورات الاستجابة للمطالب الشعبية، بالإضافة إلى مصالح أخرى تهم أساسا إرادات الحاكمين ومصالحهم.
 
يأتي هذا الكتاب "الاقتصاد السّياسي للتعليم في العالم العربي" ليقدم رؤية جديدة في تحليل معضلة التعليم في الوطن العربي، رؤية تحدث قطيعة مع الدراسات السابقة، وتحاول الجمع بين مكونين قلما اجتمعا في الدراسات التي تعني بتحليل أزمة التعليم بالوطن العربي، إشكالية التعليم كمنظومة ومؤشرات وبيانات، وبين الاقتصاد السياسي وإشكالياته.

في التعريف بالكتاب

صدر هذا الكتاب الذي ساهم فيه وأشرف عليه كل من د. هشام العلوي ود. روبرت سبرينغبورغ لأول مرة باللغة الإنجليزية العام الماضي (2021م) عن مؤسسة "Lynne Rienner Publishers" وبدعم من "مؤسسة هشام العلوي" (Hicham Alaoui Foundation)، وقام الزميل فيصل البقالي بترجمته وإخراجه للقارئ العربي بلغة عربية متينة. 

ويشترك مؤلفوه في المقاربة نفسها، أي محاولة دراسة وتحليل معضلة التعليم العربي بارتباط مع إشكاليات الاقتصاد السياسي، فالكتاب، لا يضرب صفحا عن المعطيات الكمية التي ترتبط بجودة التعليم والمؤشرات التي تقوم عليها، ولكنه، يحاول أن يربط تعثر الإصلاحات بوضعية السياسة من جهة، والاقتصاد من جهة أخرى، وبجدل النمو الاقتصادي والانفتاح السياسي (إشكالية الحرية السياسية والاقتصادية، والالتزام بالديموقراطية، وسيادة المساواة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا في البلدان العربية)، وكيف تؤثر هذه العوامل كلها في التعليم في مختلف مستوياته، وعلى مختلف الأطراف الفاعلة فيه والمنفعلة به. 

 



ما تحاول البحوث التي يمضها الكتاب أن تكشف عن العلاقة المتينة التي تربط الإشكالات التربوية التعليمية ببنية الاقتصاد السياسي العربي، فسواء تعلق الأمر بأعطاب المشكلة التعليمية، أو تعلق الأمر بالقضايا الدينية واللغوية التي يحتد الصراع الهوياتي حلها، فإن المساهمات الواردة في الكتاب، تتجه إلى محاولة فهم الجذور الاجتماعية والثقافية لهذه الإشكاليات وتأثيرها في عمق عمليات إصلاح التعليم في الوطن العربي، وتدبير إشكالاته المرجعية واللغوية والفكرية والدينية، وكذا التوزع بين النماذج التربوية والتعليمية في العالم استلهاما واستئناسا، ببنية الاقتصاد السياسي، وبالتحديد بعدم وضوح الإرادة السياسية وجلاء قصديتها في هذا الباب.

 

لقد تبين أن إشكالات التعليم في هذه البلاد تتجاوز مسائل البنى التحتية ومتعلقاتها اللوجستيكية والقانونية والفنية إلى إشكاليات أخرى أعمق تتعلق بجودة التعليم المقدّم، وبالخلفيات السياسية والاقتصادية للإصلاحات التي قادتها تلك الدول في جل مشاريع الإصلاح،

 



يضم قسما تمهيديا وثلاثة اقسام أخرى انتظمت أحد عشر بحثا مستقلا. ويكتسي القسم التمهيدي أهمية خاصة بحكم أنه ضم دراستين شكلتا المدخل للكتاب والتوضيح لإشكالاته ومقاربته. فالأولى، هي عبارة عن دراسة مشتركة ألفها كل هشام العلوي وروبرت سبرينغبورغ (المشرفان والمنسقان لأعمال الكتاب)، عرضا فيها إلى الخطوط الكبرى لإشكاليات التعليم في العالم العربي من مدخل الاقتصاد السياسي. وأما الثانية (بحث إسحاق ديوان) فقد عرضت لدراسة وصفية إحصائية وتحليلية، ركزت بشكل خاص على العلاقة بين إشكاليتي التعليم وإشكالية الديمقراطية الذي تناول بدراسة رصدية إحصائية وتحليلية العلاقة بين إشكاليتي التعليم والديموقراطية في العالم العربي.

عنون الكتاب القسم الأول بـ "دراسات الحالة " (Case studies)، حيث ضم ستة أبحاث تناولت بعض الإشكاليات المرتبطة بموضوع التعليم في العالم العربي (مسألة المواطنة وتصوراتها وطرائق التعاطي معها في مناهج التعليم بالعالم العربي، وقضايا الإصلاح الجامعي والسياسات التعليمية، وأثر الوضعيات الاجتماعية للمواطن العربي ومظاهر الفساد بمختلف أنواعه في المجتمعات العربية على أداء وجودة التعليم، وصور انفتاح التعليم العربي في مختلف مستوياته على التعليم الأجنبي، وخلفيات هذا الانفتاح وعوائده، ومدى تأثّر عمليات الانفتاح هذه في كلى الاتجاهين سلبا وإيجابا بالاقتصادات السياسية العربية وتأثيرها فيها).

أما القسم الثاني، فقد ضم دراستين مطولتين، اعتمدتا المقاربة المقارنة (النموذج الأمريكي اللاتيني والنموذج الشرق آسيوي)، إذ لك تكتفيا باستعراض تجارب إصلاح التعليم فيهذين النموذجين، بل أضافا لذلك، المقارنة مع العالم العربي، وفق ضابط منهجي تم به مراعاة خصوصيات المنطقتين وعناصر تشابههما، وأيضا اختلافهما في الكسب التعليمي والتربوي.

وقد سجل القسم الثالث ما يمكن اعتباره "خلاصات" البحوث والدراسات المساهمة، وقد ضم فضلا واحدا، كتبه المشرفان د. هشام العلوي ود. روبرت سبريغبورغ على غرار ما فعلا في الدراسة الأولى في القسم التمهيدي، ركبا فيه مختلف وجهات النظر التي تمَّ التعبير عنها طيّ الكتاب، محاولين فيها الربط بينها في سياق الإشكالية للكتاب.

التعليم وإشكال الجودة

لا يتناول الكتاب إشكالية التعليم من زاوية المؤشرات الكمية كما درجت على ذلك العديد من الدراسات التي تقتات على البينات الكمية التوي توفرها المؤسسات الدولية مع اهتمامه بها ضمن نسقه التحليلي، وإنما وجه عنايته الأولى لقضية الجودة، وقد علل الكتاب ذلك بكون التعليم في العالم العربي، لا يعاني من ضعف التنوع والكم أو البنية التحتية، مع الإقرار بمحدودية هذه العناصر وحاجتها إلى التطوير والتجويد، وإنما يعاني بالأساس من إشكالية الجودة في التعليم التي تغطي خلفها مختلف المعضلات السياسية والاقتصادية في المجتمعات والأنظمة العربية. 

ما يكشف ذلك أن الدراسات المقارنة التي وضعت تجارب إصلاح التعليم في كل من النموذج لأمريكي اللاتيني والنموذج الشرق آسيوي في كفة، وتجارب إصلاح التعليم في العالم العربي في كفة أخرى، خلصت لنتائج مفارقة مثيرة للتأمل، فقد ضربت بلدان كمصر وتونس والأردن والمغرب والعربية السعودية وبقية دول الخليج، وكذلك في سوريا والعراق قبل اندلاع الحروب والأزمات الداخلية، أشواطا كبيرة ومعتبرة فيما يتعلق بتوفير البنى التحتية المادية واللامادية للتعليم (بناء للمدارس وتصميم للمناهج وطباعة للمقررات وتخريج للأساتذة في مختلف التخصصات من التعليم الابتدائي إلى الجامعي)؛ 

لكن مع ذلك، لقد تبين أن إشكالات التعليم في هذه البلاد تتجاوز مسائل البنى التحتية ومتعلقاتها اللوجستيكية والقانونية والفنية إلى إشكاليات أخرى أعمق تتعلق بجودة التعليم المقدّم، وبالخلفيات السياسية والاقتصادية للإصلاحات التي قادتها تلك الدول في جل مشاريع الإصلاح، بل كشفت هذه الدراسات أن هذه الإشكاليات تؤثر سلبا حتى على المكاسب المحصلة على مستوى البنى التحتية المادية واللامادية، وعدم ضمان التراكم الضروري لاستدامتها بله تطويرها، بما يعني ودود تنافر وعدم تساوق بين البنية التحتية على مستوى بناء المدارس وتصميم المناهج الدراسية والوسائل الديداكتيكية والموارد البشرية، وبين الجودة التي يفترض توفرها في التعليم، والتي هي محل النظر في الحكم على نجاحه أو فشله أو استقرار مسيرته أو ارتباكها.

يشير الكتاب إلى مؤشرات انهيار الجودة وتراجعها في التعليم العربي، من خلال الدرجات المتدنية في ترتيب الدول العربية في اختبارات عالمية كاختبارات "PISA" و"TIMSS" وغيرهما، ويدعو إلى قراءة دلالات هذه النتائج، وعدم التلازم من حيث المخرجات بين المؤشرات الكمية وبين تحقق هدف جودة التعليم.

خصائص الأنظمة العربية المغلقة

يوظف الكتاب مفهومين مركزيين متقابلين هما مفهوم "نظام الولوجية الحصرية" ("Limited Access Orderومفهوم "نظام الولوجية الحر" ("Open Access Order" أ. وتقوم أطروحة الكتاب على تصنيف الأنظمة العربية ـ مع تفاوت درجاتها ـ ضمن النظم التي تتميز بأنساق مغلقة من الداخل أو شبه مغلقة، وأن الولوج إليها والتموقع ضمن دائرة التأثير فيها أو الاستفادة من ميزاتها وخدماتها مشروط ببنود لا يحكمها قانون واضح، ولا يضبطها منطق موضوعي متسام على المصالح الفردية والفئوية.

وينتج عن هذا النسق المغلق تصنيف آخر للمجموعات التي تبحث عن الولوج، نثميف ثنائي متقابل: "مجموعة المقربين"، وفي مقابلها "مجموعة الأباعد" أو "الجمهور الذي يوجد في الخارج"، بحيث تخترق كل مجموع فئات تتفاوت من حيث القرب والبعد، وتسجل الدراسة/ تبعا لهذا التصنيف، اتسام هذا النظام المغلق بخصيصة "نظام الفرص غير المتكافئة" أو "نظام الفرص الحصرية"، وترى الدراسة  ألا سبيل في العالم العربي، لمغالبة العوائق التي تمنع من الولوجية، إلا بإحداث تحول مهم، تكون نتيجته الخروج من مجموع الأباعد والالتحاق بالمقربين، وهو الأمر الذي قد يتاح للبعض دون الآخرين، فضلا عن كون هذا  الالتحاق، إنما يهم فئات بعينها ولا يخضع لمنطق موضوعي ولا قانون معقول، وإنما تحكمه مصالح، وقد أطلقت الدراسة على هذا النظام اسم "أنظمة الامتيازات المغلقة" (أو "نظام الامتيازات المغلق".

ويحلل الكتاب خصيصة أخرى لهذا النظام، وهي الريعية، ويقصد بها أن النظم ذات الولوجية الحصرية تسعى بطبيعتها وتكوينها إلى استدامة بنيتها، وذلك عبر إدماج مقدر لفئة يتم تمكينها من الولوج، بحيث تغذي دائرة المقربين، وتضمن ولاء الداخلين إليها بتمكينهم من صنوف الامتيازات وتقريبهم من مصادر الثروة ومراكز القرار؛ وهو ما يشكل دائرة مغلقة بين البنية "الفوقية" و"التحتية" اللتين تفرزهما هاته النظم. وتلاحظ الدراسة أن هذه الريعية تكشف معايير الالتحاق إلى زمرة المقربين، وأن ذلك لا علاقة له بالمطلق بمعايير الجدارة والاستحقاق، وإنما يقوم أساسا على منطق الولاء والقرب، وذلك وفق معادلة يكون ثمن الولاء فيها هو القبول بالإدماج ضمن زمرة المقربين والإشراك في بعض الامتيازات المخصوصة. وتبعا لذلك، تطلق الدراسة على هذه الأنظمة اسم: "أنظمة الاصطفاء الريعي".

وتبعا لتحليل خصائص أنظمة الولوج الحصري، يخلص الكتاب إلى أن حل مشكلة جودة التعليم، وإصلاحه من تعثراته، لا يمكن أن يتم إلا بتفكيك هذه الأنظمة، المغلقة الريعية، وهو ما يتطلب معالجة إشكاليات كالديموقراطية والحرية والمساواة وتكافؤ الفرص، واعتبارها المداخل الأساسية لحل إشكالية التعليم في الوطن العربي.

 

يأتي هذا الكتاب "الاقتصاد السّياسي للتعليم في العالم العربي" ليقدم رؤية جديدة في تحليل معضلة التعليم في الوطن العربي، رؤية تحدث قطيعة مع الدراسات السابقة، وتحاول الجمع بين مكونين قلما اجتمعا في الدراسات التي تعني بتحليل أزمة التعليم بالوطن العربي، إشكالية التعليم كمنظومة ومؤشرات وبيانات، وبين الاقتصاد السياسي وإشكالياته.

 


ومن المثير للانتباه ما سجله الكتاب بخصوص ظاهرة الانفتاح على النظم التعليمية المتطورة، سواء عبر قراءة تجاربها ومحاولة محاكاتها، أو عبر البعثات الأجنبية أو فتح فروع محلية للمؤسسات التعليمية الأجنبية، ذلك، الانفتاح لم يكن القصد منه السعي الحثيث لتغيير بنية هذه الأنظمة المغلقة، وتفكيك خصائصها الريعية وعدم المحققة لتكافؤ الفرص، وإنما شكلت في الجوهر محاولات دبلوماسية ناعمة بقصد تحقيق نفس الهدف، أي الاستدامة أولا لهذه النظم، وتحصيل التحسين لها بقدر ما يضمن استدامتها وبقاءها ثانيا، ثم الإدماج الريعي لبعض المتخرجين من هذا التعليم ثالثا.
 
تقدم الدراسات المقارنة في الكتاب مفارقة عجيبة بين تجارب كانت محسوبة جزئيا على "أنظمة الولوجية الحصرية" في دول شرق آسيا وحتى في أمريكا اللاتينية ، ولكن وجود الإرادة السياسية الواضحة، وتبني معايير انتقاء واصطفاء موضوعية، وتبني نماذج اقتصادية وسياسية غير ريعية، جعلها في سنوات معدودة تشرف على قمة الإنجاز التربوي والتعليمي كما تشهد بذلك التقارير الدولية ونتائج الاختبارات التعليمية العالمية في حين، بقي العالم العربي بعيدا عن مواجهة بنية أنظمة الولوج الحصري، فانشغلت بالمؤشرات الكمية، وبعض مؤشرات الجودة، دن أن تلتفت إلى الجوهري فيها، أي تفكيك البنية المغلقة، وخصائصها التي تضرب مبدأ المساواة وتكافر الفرص في الولوج إلى الخدمات والامتيازات، وتجعل ذلك قائما عل قانون موضوعي لا على مجرد الولاء والقرب.


التعليقات (0)