كتب

تاريخ العلاقات بين الرباط ونواكشوط في سيرة سياسي موريتاني

لقي المختار ولد باه كل حفاوة الاستقبال بالرباط ومن قبل مسؤولين بالقصر الملكي ووزارة الخارجية المغربية (أرشيفية)
لقي المختار ولد باه كل حفاوة الاستقبال بالرباط ومن قبل مسؤولين بالقصر الملكي ووزارة الخارجية المغربية (أرشيفية)
الكتاب: رحلة مع الحياة
المؤلف: د. محمد المختار ولد باه
الناشر: المركز الثقافي للكتاب الدار البيضاء
الطبعة الأولى: 2022
عدد الصفحات: 398


العلاقة بالمغرب.. وبدأت المشاكل

لقي المختار ولد باه كل حفاوة الاستقبال بالرباط ومن قبل مسؤولين بالقصر الملكي ووزارة الخارجية المغربية، وأيضا من قبل قادة الأحزاب الوطنية، وتعززت الاتصالات بينه وبين رفقاء الدرب من المناضلين الموريتانيين، وأيضا مع الأدباء والشعراء والعلماء المستقرين بالرباط، فاستمر ولد باه في وجوده بالمغرب لاستكمال دراسته الجامعية والانتساب إلى كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط وذلك في عهد عميد الكلية المؤرخ  أندريه جوليان، وتعرف في هذه المرحلة على رموز الأدب وأقانيم كلية الآدب بالرباط، وخص منهم الدكتور محمد بن شريفة ومحمد حدو الشيكر ومحمد حجي ومحمد بلبشير الحسني.

ومن المثير في سيرة الرجل أنه كان يفتح بيته بالرباط للعالم المشهور تقي الدين الهلالي، الذي كان يدرس العبرية بكلية الآداب، كما تعرف على الفيلسوف المغربي محمد عزيز لحبابي سنة 1960، وذكر أنه أجرى له الامتحان الشفوي في مادة الفلسفة وهو يسير معه في أحد أروقة الأقسام وذلك على طريقة أرسطو وتلامذته من المشائين اليونان القدامى، وكيف توثقت علاقته به، حتى سافر معه في سفرة علمية إلى ألمانيا، وقد كان المختار ولد باه يشغل منصب مدير هيئة الإذاعة والتلفزة المغربية.

تحكي سيرة الرجل كيف فرقت السبل اهتمامات الإخوة الموريتانيين الذين استقبلهم المغرب، فاختار السيد الدي العمل الدبلوماسي في وزارة الخارجية، وعين أحمدو حرمه سفيرا في ليبيا، بينما اختار هو والأمير فال ولد عمير الاشتغال بالعمل الإعلامي، لكنهم مع تفرق اهتماماتهم واختلافها بقوا مجمعين على ضرورة تحرير موريتانيا وضرورة إنجاز وحدة مع المغرب في شكل فدرالية، مع اختلاف في خيارات ذلك، بين من يتبنى خيار العمل المسلح (أحمد حرمة) وبين من يتبنى الوسائل السلمية السياسية (المختار ولد باه والأمير فال ولد عمير)، وذكر المؤلف أنه كان على توافق تام مع آراء الأمير الحسن الثاني الذي كان يصارحه بمواقفه الخاصة.

ويصور المؤلف التيارات الثلاثة التي كانت تتباين مواقفها بالمغرب (المؤسسة الملكية، وحزب الاستقلال، وجيش التحرير)، وأن الوفد اختار التنسيق مع المؤسسة الملكية، بينما اختار الأخ الدي بن سيد باب الانتماء إلى حزب الاستقلال، فتم تعيينه مسؤولا بوزارة الخارجية مكلفا بإدارة الشؤون الإفريقية وعضوا دائما في الوفد المغربي في الأمم المتحدة، بينما تم تعيين المختار ولد باه مديرا لهيئة الإذاعة والتلفزة المغربية وذلك مباشرة بعد سفره في وفد مرافق للملك محمد الخامس إلى الشرق سنة 1960.

الخلاف الكبير بين الإخوة الموريتانيين

شكل موت محمد الخامس حدثا أليما بالنسبة إلى رموز النضال الموريتاني، فقد كان العهد بينهم وبين الملك على العمل سويا لتحرير موريتانيا، وتشكيل إطار وحدوي يجمع البلدين، وبعد تولي الملك الحسن الثاني العرش، لم يتغير شيء في العلاقة مع الإخوة الموريتانيين، بل تعزز الاتفاق أكثر، وصارت وزارة الخارجية المغربية تضطلع بمهمة تنسيق العمل السياسي المستقبلي من أجل استقلال موريتانيا.  وقد أشار المؤلف إلى اللقاء الرفيع الذي جمع اخوة الموريتانيين بالسفراء المغاربة في الخارج،  وحضره من الجانب الموريتاني كل من المختار ولد باه الأمير فال ولد عمير والزعيم أحمدو بن حرمه، وحضره عبد اللطيف الفيلالي وكان وقتها شابا يافعا يشغل منصب مستشار في السفارة المغربية بباريس، وكان النقاش يدور حول أفضل السبل لتحقيق استقلال موريتانيا، فطرح خيار انضمام موريتانيا إلى المغرب،  وكان المختار ولد باه يدافع عن خيار واقعي مرحلي هو المطالبة باستقلال موريتانيا أولا، ثم بعدها يتم التقرير في شكل الوحدة مع المغرب.

ويذكر المؤلف أنه في سنة 1962 استدعاه الملك الحسن الثاني للقائه في مدينة وجدة، وطلب منه الذهاب إلى نيويورك حتى يشرح للموريتانيين موقفه، فاتجه للقاء الوفد الموريتاني في الدورة السابعة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان يضم سليمان ولد الشيخ سيديا، ومحمد عبد الله ولد الحسن، وبكار ولد أحمد، وكانت بين المؤلف وبين هؤلاء صداقة متينة، مكنته من التحاور معهم وإبلاغهم وجهة نظر الملك الحسن الثاني، حتى  يقوموا بمحاورة الرئيس المختار بن داده ويقنعوه بها، فقام المختار ولد باه بتقديم اقتراح بلقاء السفيرين المغربي والموريتاني بباريس محمد الشرقاوي وبكار ولد أحمدو للاتفاق على صيغة لإنهاء المشكل بين المغرب وموريتانيا، وإنشاء علاقات خاصة بينهما، لكنه انتظر طويلا دون أن يصله جواب من الرئيس المختار ولد داده، ليجد خطابا من قبل السيد محمد عبد الله عند محمدن ولد باه يقول فيه" إن التاجر ـ يقصد الرئيس المختار ولد داده ـ رفض الاقتراح المقدم إليه".

وقد ترتب عن ذلك أن اتخذت الحكومة موقفا عدائيا من المناضلين الموريتانيين في المغرب، واتهمتهم بالولاء للمغرب، وأن عليهم تقديم التوبة والولاء حتى يغفر لهم الوطن، ولما بلغ الحكومة رفضهم لتقديم مثل هذه التصاريح، حالت الحكومة، من خلال اتصالها بالرئيس السينغالي سنغور دون وصول الوفد إلى دكار، فاضطرت السفارة السينغالية إلى إلغاء التأشيرات وانتزاعها من الوفد الموريتاني في باريس، فقرر الوفد التوجه إلى نواديبو مباشرة، ليتم  وضع الوفد في إقامة جبرية مريحة لمدة شهرين لم تنته إلا بعد أن قدم أحد أفراد الوفد تصريحا دبلوماسيا يذكر فيه بأن إقامة الوفد في المغرب كان بقصد تحقيق مصلحة موريتانيا في  الاستقلال وأن الوفد على استعداد للمشاركة في البناء الوطني، فتم استقبال الوفد من قبل الرئيس المختار ولد داده، مع استمرار الصدع والاختلاف بين الأصدقاء. كما تمت معاودة الاعتقال للوفد بقرار من رئيس البلاد بعد سنة عن هذا الاستقبال، أي في سنة 1964. وقد كانت محنة السجن التي مر منها المؤلف كما داهمه مرض شديد، وتعرض صديقه فال ولد عمير لوعكة صحية، نقل على إثرها إلى المستشفى العسكري في دكار للعلاج، ولقي حتفه سنة 1965.

ويروي المؤلف حيثات مؤلمة من محاكمة سياسية ظالمة أجريت له، لم تستوف أبسط شروط المحاكمة العادلة، فاتهم بشتى التهم التي عادة ما تلفق للمعارضين (الخيانة العظمى، والتواطؤ مع العدو، والمس بالأمن الخارجي للدولة)، وقد توجه رد المؤلف إلى نفي أي صلة بين خدمة العدو، وبين دعوته للوحدة بين موريتانيا والمغرب، وأن هذا التصور السياسي، كان يروم في الأصل إلى خدمة المصلحة الموريتانية بالاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، وأن المغرب كان يقدم لموريتانيا كل الدعم من أجل تحقيق هذا الهدف. وقد أدين المختار ولد باه ومن معه بالتهم المذكورة، وتم الحكم عليهم بعشر سنوات سجنا. لكن المحكمة قررت وقف تنفيذ الحكم، بما يوحي بوجود تناقض كبير بين تقدير من هم داخل المحكمة ومن هم خارجها.

وقد قرر المختار ولد باه السفر إلى باريس أياما قليلة بعد توقيف الحكم، وتداوى بها من الأمراض التي داهمته أثناء فترة اعتقاله بالسجن، غير أن مكوثه بباريس لم يدم طويلا، إذ سرعان ما قرر العودة إلى نواكشوط، فهدأت العلاقة بينه وبين الرئيس المختار ولد داده، وعاد إلى مهمته في التعليم، وشغل مسؤوليات كثيرة (إدارة كل من مدرسة تكوين المعلمين والمدرسية العليا للتعليم والعضوية في البرلمان وعرض عليه الرئيس مهمة كاتب عام لوزارة التعليم فاعتذر) وكانت مشكلة الرئيس الوحيدة معه هو الموقف من المغرب.

الهوس باستكمال الدراسة الجامعية

وتستمر هذه السيرة الغنية في ذكر وقائع كثيرة تهم التاريخ السياسي لموريتانيا، وما يتعلق بصراع الهوية واللغة في التدريس، ومشروع إصلاح التعليم الأول الذي قدمه ولد باه سنة 1967 لما شغل مهمة مدير مدرسة تكوين المعلمين، ثم إصلاح مدرسة التعليم العليا ما بين سنتي 1970 و1978، وإصلاح التعليم الثاني سنة 1973، وما اكتنفه من نقاس حول إصلاح المحظرة وتعريب التعليم ونقاش حول اللغة الفرنسية وصلاحيتها لغة للتدريس.

ويفصل الحديث عن سياق التحاقه بجامعة السربون بفرنسا لاستكمال دراسته الجامعية وكيف تيسرت له سبل اللقاء بكبار المستشرقين (مثل ريجيس بلاشير)، وكيف قام شارل بيلا بالإشراف على رسالته في الدكتوراه، فكان موضوع تقرير الدكتوراه عن الشعر الموريتاني، وكيف نجح في نيل هذه الشهادة الأولى الممهدة لقبول الدكتوراه (مقترح الدكتوراه أو التقرير العام) رغم الصعوبات والإكراهات المرتبطة بترجمة النصوص الأدبية العربية إلى اللغة الفرنسية. ثم حصل مع نفس المشرف على شهادة ثانية (شهادة التبريز)، ليتهيأ بعدها لشهادة دكتوراه الدولة التي مكث بها خمس سنوات، وتناولت موضوع المذهب المالكي في موريتانيا، وقد كان الدكتور محمد أركون أحد أعضاء مناقشة هذه الرسالة. ولا يغفل المؤلف في سيرته أن يعرض لمحطات من مناقشته لعدد مهم من المستشرقين البارزين في تخصصات علمية مختلفة.

خاتمة

يصعب في هذه المراجعة الإحاطة بكل الأحداث والوقائع التي تضمنتها هذه السيرة الغنية، والتي تجمع بين العلمي والثقافي والأدبي، وبين السياسي والنضالي والدبلوماسي، وتجمع أيضا بين مسار التحصيل الدراسي، ومسار النضال الوطني، وبين متعة الأسفار، ومحنة السجن والاعتقال، وبين خدمة الوطن، وتقديم آراء مبتكرة لتحقيق هذا الغرض وبين الدفاع عن النفس في وجه تهم ظالمة بالعمالة والتخوين، لكن الأهم في هذه السيرة، هي الحيثيات المهمة التي تخص إصلاح التعليم في موريتانيا وصراع الهوية واللغة، والدور الفرنفكوني في بعثرة كثير من أوراق التعليم في عذا البلد والتفاصيل النادرة عن نشأة نقاط التوتر بين المغرب وموريتانيا ودور فرنسا في إثارتها.

إقرأ أيضا: المختار ولد اباه.. مسيرة ناشط موريتاني نشأ متصوفا وانتهى سياسيا
التعليقات (0)