مقالات مختارة

دول مجلس التعاون الخليجي.. ومتلازمة جيرة إيران الصعبة!

عبد الله الشايجي
عربي21
علاقة دولنا الخليجية مع إيران، علاقة صعبة ومعقدة لامتلاك إيران مشروعا توسعيا يهدد الأمن القومي الخليجي والعربي، مدعوما ببرنامجي إيران النووي والصاروخي، وتدخلاتها الإقليمية ودعم مليشيات وتنظيمات مسلحة، تضعف مكانة وسيادة الدول التي تنتمي إليها وتنطلق منها.

وتوظف ذلك كله لتحقيق مكاسب ومقارعة القوى الكبرى وترهيب الدول الإقليمية وتهديد الملاحة البحرية لإمدادات الطاقة من نفط وغاز، لتنزع الاعتراف بإيران قوى مؤثرة بثقل ونفوذ إقليمي واسع، وصل لإمساك إيران بأوراق نفوذ من أفغانستان إلى اليمن ومن العراق إلى لبنان. ومقارعة إسرائيل حول القضية الفلسطينية وتطوير برنامجها النووي، وتعميق التحالف الاستراتيجي مع روسيا، وتصدير مسيرات شاهد ـ 136 إلى روسيا، لتفتك بالبنى التحتية في حربها ضد أوكرانيا.

عانت دول الخليج العربية من جيرة إيران الصعبة لغياب مشروع خليجي ـ عربي يردعها، سواء تحت حكم الشاه الذي احتل جزر الإمارات العربية أبو موسى والطنب الكبرى وطنب الصغرى، والعلاقة الفوقية والتهديد والوعيد. ولم تتغير العلاقة مع إيران الثورة بل زادت تعقيدا ومواجهة، ودخلنا في حرب باردة بسبب التباين حول العلاقة مع الولايات المتحدة العدو الأكثر كراهية وتهديدا للأمن الإيراني، ومساندة دول مجلس التعاون للعراق مضطرين في الحرب ضد إيران. انتقمت إيران بقصف ناقلات النفط الكويتية والسعودية، ومنشآت النفط الكويتية في منتصف الثمانينيات.

لكن تمثل خطر الدور الإيراني والجيرة الصعبة بالسيطرة عبر وكلائها العراقيين، الذين كانوا لاجئين في إيران تحت حكم صدام حسين على الحكم في العراق، ووصل للتحكم في القرار العراقي. وكذلك بدعم نظام بشار الأسد ضد شعبه المنتفض في ثورات الربيع العربي، وفي دعم التنظيمات العسكرية مثل حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن، ما يهدد الأمن الإقليمي الخليجي والأمن الوطني العربي. وصل لقطع السودان والمغرب علاقاتهما الدبلوماسية مع إيران بالإضافة للسعودية والبحرين، وخفض التمثيل الدبلوماسي للكويت والإمارات وقطر.

كما اكتشفت خلايا إرهابية إيرانية بعضوية مواطنين تم تجنيدهم وتدربيهم وتسليحهم برعاية الحكومة الإيرانية وسفاراتها. أخطرها كان في الكويت، عرفت تجاوزا بخلية العبدلي عام 2015، كانت تهدف لتقويض نظام الحكم في الكويت.

لكن ما عمّق أزمة الثقة مع إيران، كان الاعتداء الخطير وغير المسبوق على منشآت أرامكو في ابقيق وخريص في المنطقة الشرقية السعودية في أيلول/سبتمبر 2019، بصواريخ ومسيرات أصابت أهدافها بدقة، وعطلت نصف إنتاج النفط السعودي 5 ملايين برميل نفط يوميا! واستهداف الحوثيين بمسيرات وصواريخ إيرانية الصنع للعمق السعودي، وصلت إلى الرياض ومدن السعودية الجنوبية نجران وجيزان وظهران الجنوب وأبها. وطالت مسيرات الحوثيين الإيرانية أبوظبي وقاعدة الظفرة.

لذلك؛ لم أكن متفائلا عند الإعلان في شهر آذار/مارس الماضي وبشكل مفاجئ بسماح السعودية وإيران للصين بتحقيق اختراق تاريخي وإنجاح وساطتها، وهي التي لم يعرف عنها أي إنجاز دبلوماسي ينهي حالات صراع وخلافات، خاصة في عقر دار النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج العربي!
وعادت العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران التي قطعت عام 2016، والاشتباك بحرب باردة وبالوكالة على مدى 7 سنوات من القطيعة والتصعيد.

ولم أشارك المتفائلين برغم تسارع خطى التطبيع والزيارات، وآخرها زيارة وزير الخارجية السعودي لطهران والانفتاح والتقارب السعودي ـ الخليجي مع إيران، وإعادة فتح السفارات، وإعادة الأسد حليف إيران للحضن العربي في القمة العربية في السعودية في أيار/مايو الماضي. إيران بعد 44 عاما لن تتنازل عن مشروعها، ولن تغير سلوكها ولن تغلب العقلانية على الإيديولوجية. ولم تنتقل لإيران الدولة التي تتصرف بمسؤولية وتبني الثقة وتوقف تدخلاتها وتقويض الأمن الإقليمي. لذلك؛ وصفت في مقالات ومقابلات ومحاضرات المرحلة الحالية بمرحلة اختبار نوايا إيران؛ لأنني أكرر منذ سنوات أن الحكم على إيران بالأفعال وليس بالأقوال.

ورغم أجواء التهدئة والمصالحات الإقليمية، لكن تأبى إيران إلا أن تظهر وجهها الحقيقي بالتصعيد وعودة أجواء التوتر.

شهدنا تصعيدا إيرانيا على جبهتين في الأسبوع الماضي: الموقف الإيراني من الحقوق القانونية حول حقل الدرة الذي تتشارك الكويت والسعودية بملكيته، ضمن المنطقة التجارية الخالصة للبلدين، وتصر إيران التي عرقلت تطوير الحقل والتنقيب عن الغاز فيه منذ ستينيات القرن الماضي؛ ما يضر بمصالح الكويت التي تحتاج لتطوير الحقل لافتقار الكويت لكميات وفيرة من الغاز الطبيعي.

الموقف الإيراني المتشدد برفض ترسيم حدود حقل الدرة تسميه إيران آراش، ما حرم الكويت من تطوير الحقل واستغلاله لعقود. ورفضت إيران ترسيم الحدود حول حقل الدرة وادّعت أحقية امتلاكها 40٪ ولن تتراجع عن موقفها! رفضت إيران طلب السعودية والكويت العودة لمفاوضات ترسيم الحدود البحرية، واتهمت الكويت بإرسال رسائل متناقضة حول الترسيم!

وأكد وزير النفط الكويتي الجديد سعد البراك رفض ادعاءات وإجراءات إيران حول حقل الدرة، «وهو ثروة طبيعية كويتية ـ سعودية، ليس لأي طرف آخر حقوق فيه حتى ترسم الحدود البحرية. فيما أكدت السعودية أن حقل الدرة بكامله ملكية مشتركة بين السعودية والكويت».

وفي تطور مقلق على أمن الطاقة، أكدت القيادة الأمريكية لمسرح العمليات العسكرية في القيادة الوسطى في المنطقة، منعها إيران احتجاز ناقلتي نفط في المياه الدولية قرب مضيق هرمز، ما يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ويفاقم التشكيك بصدق نوايا وجدية مساعي إيران للتهدئة.

ويبقى التساؤل: ما مستقبل العلاقات بيننا وبين إيران؟ وكيف يؤثر التصعيد والتهدئة ثم التصعيد الإيراني وازدواجية تناقض خطابها المطمئن من جهة، مقابل سلوكها المهدد والمستفز ومناوراتها المتكررة ومشروعها التوسعي الطائفي، وسلوكها المستفز تجاه السعودية والكويت ومستقبل العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي؟

ما يضاعف الحاجة الملحة لدول مجلس التعاون لتشكيل منظومة ردع جماعي توازن وتردع إيران، حتى لا نبقى نراوح في متلازمة جيرة إيران الصعبة!

القدس العربي
التعليقات (0)