مقالات مختارة

حرب غزة… تُعطّل مشروع أمريكا

عبد الله الشايجي
جيتي
جيتي
كانت الولايات المتحدة قبل 7 تشرين الأول /أكتوبر  2023 في وضع القائد والمهندس لشرق أوسط جديد يخفف التزاماتها في المنطقة، ويعزز الاستقرار والتعايش بين مكوناته المتصارعة.

شهدنا خفض تصعيد إيران ووكلائها، وإعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران بوساطة صينية بعد 7 سنوات عجاف. وتسارع التطبيع بين السعودية وإسرائيل، والعمل الجاد لانتزاع صفقة إقامة علاقات تدشن لأكبر تحول جيو ـ بولتيكي إقليمي، منذ اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979 بين السادات وبيغن وكارتر، قبل انشغال الرئيس بايدن وحزبه والنظام الأمريكي على مدى عام بانتخابات الرئاسة بدءا من كانون الثاني/يناير العام المقبل، والعمل مع حلفاء واشنطن في المنطقة لإطلاق مشروع إدارة بايدن الطموح في قمة مجموعة العشرين في الهند في أيلول/سبتمبر الماضي.

مشروع IMEC ـ ممر اقتصادي وعبور من الهند عبر منطقة الخليج والشرق الأوسط ـ وصولا لأوروبا لتسهيل التبادل الاقتصادي والشحن ونقل البضائع عبر الشرق الأوسط ـ يشمل الولايات المتحدة ـ الهند ـ الإمارات العربية المتحدة ـ السعودية والاتحاد الأوروبي.

لكن هدف المشروع الحقيقي احتواء الصين وسحب البساط من مشروعها العملاق الحزام والطريق الواحدBRI، لكن تجمدت تلك المشاريع بعد إطلاق حماس عملية طوفان الأقصى بمفردها، دون تنسيق مع أي طرف. واعترفت إيران المستفيد الأول أنه لم يكن لها دور في الإعداد والتنفيذ.
لا يلوم بايدن والإدارات السابقة إلا أنفسهم، وليتحملوا مسؤولية انحيازهم واصطفافهم التاريخي والتقليدي مع إسرائيل، وإهمالهم أهمية حل القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.

وسكوتهم وتواطؤهم مع جرائم حرب نهج حكومات اليمين المتطرفة، وخاصة حكومة نتنياهو وفريقه من عتاة اليمين الفاشي ـ والتنكيل بالفلسطينيين وتوسعة بؤر الاستيطان السرطاني (غير الشرعي والمخالف للقانون الدولي)، والقمع والاعتداءات المتكررة، والسماح لقطعان المستوطنين بتدنيس باحات المسجد الأقصى باستفزاز لتكريس حق تقاسم المكان والزمان للعبادة، ما يخالف ويتعدى على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وهناك الاعتداءات على حي الشيخ جراح، واقتحام جنين ونابلس والمخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية، واعتداءات وبلطجة المستوطنين بالقتل، والتنكيل والاعتداء على الفلسطينيين وقتلهم وحرق منازلهم ومزارعهم، والتعدي عليهم بدعم وإسناد الشرطة وقوى الأمن.

أدت اعتداءات الصهاينة لاستشهاد 250 فلسطينيا منذ مطلع العام في الضفة الغربية، و131 شهيدا منذ 7  تشرين الأول/أكتوبر 2023، في أعلى حصيلة للشهداء في الضفة الغربية على الإطلاق.

لا يلوم بايدن والإدارات السابقة إلا أنفسهم، وليتحملوا مسؤولية انحيازهم واصطفافهم مع إسرائيل، وإهمالهم أهمية حل القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، وسكوتهم وتواطئهم مع جرائم حرب نهج حكومات اليمين المتطرفة.

صمت وتواطؤ الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وخاصة إدارة بايدن، التي أبدت اهتماما أكبر بانتقاد تجرؤ نتنياهو وحكومته الأكثر تطرفا بتاريخ الاحتلال الإسرائيلي بالسعي لتمرير تعديلات تشريعية، تحد من صلاحيات السلطة القضائية والمحاكم من التدخل بشؤون السلطة التنفيذية، وقرارات حكومته تهميش القضاء ومنع القضاء من عزل رئيس الوزراء؛ حتى لا يفقد حصانته ويحاكم على التهم الجنائية الخطيرة التي تلاحقه بالفساد وخيانة الأمانة والتكسب غير الشرعي!! ما قد يطيح به وينهي حياته السياسية ويدخله السجن، لهذا استمات نتنياهو للتحالف مع الفاشيين كبن غفير وزير الأمن الوطني وسموترتش وزير المالية، وصعد بجرائم حرب في غزة لينقذ جلده، ما جعله رهينة لابتزاز وعنصرية واستفزاز اليمين المتطرف.

ما حدث في 7 تشرين الأول/أكتوبر، فاق جميع التوقعات بتغيير معالم الشرق الأوسط، وبفرض وقائع جديدة على المستويات الفلسطينية والإقليمية والدولية.

كتب والي نصر وماريا فانتابي مقالا عن تداعيات حرب غزة ـ في دورية Foreign Affairs ـ الأمريكية بعنوان: «الحرب التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط… وكيف يمكن لواشنطن العمل على استقرار وتحويل المنطقة».

أرى أن «عملية طوفان الأقصى عطلت الاستراتيجية الأمريكية وكثيرا من مكوناتها»، أبرزها تعرية وفضح وتماهي الانحياز الأمريكي والغربي مع جرائم حرب وعدوان الصهاينة، وتوفير الدعم والحماية والتمويل والسلاح والفيتو في مجلس الأمن. ووصل الأمر برفض بايدن وقف الحرب وتبريره مع قادة أوروبا بشكل مستفز، أنه يحق لإسرائيل الدفاع عن نفسها، ما زاد من كراهية أمريكا وأوروبا في الشارع العربي، وأحرج حلفاء واشنطن وفرمل خطوات التطبيع المتقدمة بين السعودية وإسرائيل، وهذا ما اعترف به بايدن، وعمّق أزمة الثقة مع حلفاء واشنطن ومنح إيران وحلفاءها؛ حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله والحوثيين، التقدير في العقلية العربية ـ الإسلامية.

في المقابل، عرّت جرائم حرب الإبادة على غزة انحياز أمريكا والغرب السافر لإسرائيل، كشركاء في حرب الإبادة التي أودت بحياة 15.000 شهيد و7000 آلاف مفقود تحت الركام والأنقاض و40.000 مصاب، ثلثا الضحايا أطفال ونساء، وترحيل قسري لـ1.5 مليون في أكبر حرب مدمرة في 50 يوما.

ولم يترك الصهاينة جريمة حرب وخرقا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، إلا وارتكبوها في عقاب جماعي وإبادة جماعية، وتدمير مربعات سكنية وشقق ومدارس ومستشفيات ومساجد على رؤوس ساكنيها، وفرض حصار وقطع إمدادات الكهرباء والوقود والماء والغذاء والدواء.

ومع دخول الهدنة الإنسانية لأربعة أيام حيز التنفيذ صباح 24/11/2023 ـ بوساطة قطرية ناجحة، ودعم مصري لوجيستي، وضغط أمريكي بسبب الغضب الشعبي والمظاهرات الصاخبة والانتقاد والتمرد داخل حزب بايدن الديمقراطي ـ، ما دفع بايدن لممارسة ضغط على نتنياهو، ترافق مع غضب وتظاهرات أهالي المحتجزين الإسرائيليين، ساهم بنجاح وساطة قطر بتحقيق اختراق مهم والتوصل لهدنة إنسانية لأربعة أيام قابلة للتمديد، وإلى صفقة تبادل الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية في مرحلتها الأولى بإطلاق الاحتلال 150 سجينا، مقابل إفراج حماس عن 50 محتجزا إسرائيليا من الأطفال والشباب والنساء والعائلات، وتدفق مئات شاحنات المساعدات الغذاء والدواء ومواد طبية ووقود عبر معبر رفح المصري.

لكن الضرر الأكبر من حرب غزة على أمريكا، تهاوي مكانتها وتعطيل مشروعها، وإفشال احتوائها للصين وإيران.

التعليقات (0)