أفكَار

23 يوليو.. 1952 في مصر.. ثورة أم انقلاب؟ رأي من ليبيا

انهار كل شيء على رأس 23 يوليو في الساعات الأولى من اليوم الخامس من يونيو حزيران عام 1967 بعد خمسة عشر عاما من كذبة الثورة أو ثورة الكذبة البلقاء.!
انهار كل شيء على رأس 23 يوليو في الساعات الأولى من اليوم الخامس من يونيو حزيران عام 1967 بعد خمسة عشر عاما من كذبة الثورة أو ثورة الكذبة البلقاء.!
مرت بالأمس الثلاثاء 23 تموز / يوليو الذكرى الـ72 لثورة الـ23 من تموز في مصر، التي جاءت بالراحل جمال عبد الناصر إلى حكم مصر، وأحدثت تحولا سياسيا كبيرا في مصر والمنطقة العربية، لا زالت تفاصيله قائمة إلى يوم الناس هذا.

الكاتب والإعلامي الليبي إبراهيم الهنغاري يسترجع في هذه المقاربة التاريخية والفكرية والسياسية، التي ننشرها بالتوازي مع نشرها على صفحته على "فيسبوك"، ذكرى الثورة، ليس فقط لأنه عاصرها وتأثر بها بشكل مباشر، وإنما أيضا لأنه دفع ثمن مواقفه منها.

مرت علينا يوم أمس الثلاثاء 23 تموز / يوليو الذكرى الثانية والسبعين لما عرف في كتاب التاريخ العربي الحديث بأنه "ثورة  23 يوليو 1952"!

ورغم أن ما حدث يوم 23 يوليو من ذلك العام لم يكن "ثورة" بل مجرد حركة انقلاب عسكري نفذه عدد محدود من ضباط الجيش المصري بنفس الطريقة التي نفذ بها أول انقلاب عسكري عربي في سوريا يوم 30 مارس 1949 قبل ذلك بثلاث سنوات وبضعة أشهر.! لم يطلق جماعة 23 يوليو على فعلتهم تلك لا كلمة ثورة ولا كلمة انقلاب.! أسموها "حركة الجيش" وصفوها بأنها مباركة.!! ولكن كانت في حقيقتها انقلابا عسكريا على خطى انقلاب سوريا الأول.!

الوسيلة كانت كما حدث في الانقلاب العسكري في سوريا قبل ذلك هو اعتقال قيادات الجيش واعتقال الحكومة واحتلال مبنى الإذاعة وإعلان البيان الأول.! وظلت تلك هي الأعمدة الأربعة التي يقف عليها كل انقلاب عسكري عربي بعد ذلك.!

تلك كانت هي السنة الانقلابية العسكرية التي سنها الضابط السوري حسني الزعيم في مدينة الأمويين دمشق التي شهدت أيضا أول انقلاب مماثل في التاريخ الإسلامي على يد معاوية بن أبي سفيان سنة 41 للهجرة وسنة 662 للميلاد. أي قبل 1287 سنة. وكانت تلك هي بداية "الانحراف السياسي" إن صح التعبير في تاريخ الإسلام كما في تاريخ العروبة.! ونحن كلنا نعلم ذلك.. ولكن بعضنا يتطاول على التاريخ وعلى الحقيقة ظنا منهم أن ذلك فيه إساءة إلى الإسلام!!

ولا نعلم من بين من أساؤوا إلى الإسلام عبر التاريخ الإسلامي كله من أيام معاوية إلى أيام حسني الزعيم ومن تبعه بغير إحساس من أصحاب الانقلابات العسكرية في الوطن العربي كله أكثر من أدعياء الإسلام.!!

منا من يرى في 23 يوليو ثورة قومية عربية أيقظت الأمة العربية من سباتها ودعت إلى التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار ونادت بالخيار الثالث بين الشرق والغرب وهو خيار عدم الانحياز وكان معها في ذلك اثنان من قادة العالم الثالث هما الزعيم الهندي جواهر لال نهرو والزعيم الأندونيسي أحمد سوكارنو. كما دعت إلى تحرير فلسطين وبناء أكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط وصنعت الصواريخ بعيدة المدى من نوع "الظافر" و"القاهر" وهما قادران كما يقول إعلام 23 يوليو على تدمير إسرائيل ومحوها من الوجود في ساعات معدودة.!! وأممت قناة السويس وبنت السد العالي في أسوان.

وقد انبهر الكثير منا بكل ذلك واعتبروه تحديا من ثورة 23 يوليو للصهيونية ولقوى الاستعمار في العالم. وتبنت 23 يوليو كل حركات التحرر العربي والأفريقي والعالمي. وشهد العالم العربي دعم 23 يوليو في البداية لانقلاب العراق بعد ذلك بست سنوات في 14 تموز/ يوليو 1958 قبل أن تنقلب عليه وتسمي قائده "قاسم العراق"! ثم في اليمن عام 1962 ثم في السودان ثم في ليبيا في مايو وأيلول الأسود 1969.

وكان لقلة منا رأي آخر في 23 يوليو. فهي التي أقصت اللواء محمد نجيب وهو الذي لولاه لما قام انقلاب 23 يوليو أصلا وفرض الإقامة الجبرية عليه وإهانته وإذلاله. حتى وافاه الأجل وهو يعاني أقسى المعاناة من صغار الضباط الذين استولوا على مقدرات مصر باسمه وبرتبته الكبيرة وسمعته الطيبة داخل وحدات الجيش المصري!

ينبغي علينا في ذكرى مآسينا أن نأخذ العبر وأن نتجنب الوقوع في كارثة الجهل ويجب ألا تأخذنا العزة بالإثم ونزيّن الباطل ونمجد الظالمين ومن سامونا سوء العذاب!! فتلك هي مأساتنا الكبرى منذ أيام معاوية بن أبي سفيان في العصر القديم إلى أيام حسني الزعيم ومن تبعه بغير إحسان في العصر الحديث.
ثم تنكروا له بعد ذلك وكالوا عليه من الأكاذيب ما شاء لهم البغي والطغيان أن يكيلوا إلا أن حبل الكذب قصير!!

وحلت الأحزاب السياسية في مصر وأقامت بدلا منها حزب "الثورة" باسم "الاتحاد الاشتراكي.!" الذي كمم أفواه الناس والإعلام. ولم تعد في مصر صحافة حرة كما كانت في عهدها الملكي المجيد.

وأقامت دولة المخابرات والسجن الحربي وصار الجميع يسبح طوعا وكرها بحمد 23 يوليو والزعيم الذي جاء متأخراً جمال عبد الناصر حسين.! ندعو الله له بالرحمة والمغفرة.

وأنشأت شبكة الإعلام المزيف باسم "إذاعة القاهرة" و"صوت العرب" لتضليل الشعب المصري والشعب العربي. وفرقت العالم العربي إلى دول رجعية ودول تقدمية.! فالدول الرجعية هي تلك التي لا ترى ما تراه 23 يوليو وجمال عبد الناصر، والدول التقدمية هي دول الانقلابات العسكرية على طريق 23 يوليو و30 مارس.

ثم انهار كل شيء على رأس 23 يوليو في الساعات الأولى من اليوم الخامس من يونيو /حزيران عام 1967 بعد خمسة عشر عاما من كذبة الثورة أو ثورة الكذبة البلقاء.!

أعلم أن البعض قد يرى في هذا الحديث تحاملا على "ثورة 23 يوليو 1952 ".! ولهؤلاء أقول إنني كنت أيضا من الذين كانوا يرون في 23 يوليو مجد الأمة العربية وكانوا من المتحمسين للتضليل الثوري لجماعة 23 يوليو. وقد دفعت ثمن ذلك سجنا وقهرا وعذابا فلا يزايدن أحد علينا!! كنا جميعا ضحايا البلايا والرزايا التي خلفتها لنا 23 يوليو. وأكثرنا معاناة هو الشعب المصري الذي لا يزال يعاني حتى اليوم من حكم العسكر الذي ألبسه رداء الانتخابات الرئاسية المزيفة.!

ينبغي علينا في ذكرى مآسينا أن نأخذ العبر وأن نتجنب الوقوع في كارثة الجهل ويجب ألا تأخذنا العزة بالإثم ونزيّن الباطل ونمجد الظالمين ومن سامونا سوء العذاب!! فتلك هي مأساتنا الكبرى منذ أيام معاوية بن أبي سفيان في العصر القديم إلى أيام حسني الزعيم ومن تبعه بغير إحسان في العصر الحديث.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التعليقات (0)