كتاب عربي 21

الربيع العربي وأصولية أيديولوجيا السوق الحرة

طارق الكحلاوي
1300x600
1300x600
حتى الآن توجد مفارقة اساسية في الدولة الاكثر نجاحاً لتجربة الدمقرطة العربية. في تونس لا يمكن "التفكير خارج الصندوق" عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد. يوجد تحدٍ لكل المقدس إلا لمقدس "السوق الحرة" بوصفه الطريق الوحيد إلى الامام.

الحزبان الأكثر مقاعد في الانتخابات الأخيرة، و"الاكثر شعبية" بالتالي، يتفقان في أن رسم السياسات الاقتصادية يرجع بالأساس للمؤسسات المالية الدولية.

في نهاية الأمر، الديمقراطية بقيت في مستوى سياسي وشكلاني ولم تمس الاستبداد الاقتصادي والاجتماعي. 

يجب أن نتذكر أن الرعاة الأقوى تأثيراً للأنظمة الاستبدادية، كانت المؤسسات المالية الدولية التي ضمنت بشكل متواصل في الجدارة والكفاءة الاقتصادية لتكنوقراط الاستبداد. سواء المؤسسات المقرضة أو مؤسسات الترقيم الائتماني، جميعها فشل ليس فقط في استشراف الأزمة بل أيضاً والأهم، كانت هي نفسها متورطة في خلقها (مؤسسات الترقيم الائتماني ساهمت مباشرة في فضيحة ترويج تأمينات قروض مسمومة، كانت العامل الرئيسي للأزمة المالية الكبرى، وذلك طبيعي بما أنها كانت تقبض من المؤسسات ذاتها التي كانت تروج تلك القروض).

قبل أشهر قصيرة من الثورة في تونس، أكد البنك الدولي بعد زيارة رسمية لوفد يمثله أن الوضع في تونس مستقر وعلى الطريق الصحيح. مؤخراً قامت هذه المؤسسة المقدسة تقريباً بنقد ذاتي فيما يخص مواقفها من تونس، لتقر لأول مرة في تاريخها أنها أخطأت. 

من جهة أخرى، من أكبر أخطاء من انخرط بشكل مباشر ومؤسساتي في الانتقال الديمقراطي إثر الثورات العربية، وشاءت عوامل مختلفة أن أكون من بينهم، أننا لم ننتبه بما يكفي إلى أن الصراع مع القديم هو صراع مع سياسات وليس مع أشخاص. أقول ذلك وكنت من بين من انتبه كتابةً، ومن موقع بحثي في ذلك، ولكن لم أقم بما يكفي كسياسي لدق ناقوس الخطر.

الثورة المضادة، كنا نروج لها كمعركة مع أشخاص، في حين هي في الحقيقة مع جوهر اقتصادي واجتماعي.

حتى اليسار الراديكالي الذي كان يروج هذا الشعار سقط في نهاية الأمر في فخ الاستقطاب الأيديولوجي، ولم تعد معركته أساساً مع القديم الذي أدى إلى الثورة، بل مع الخصم الأيديولوجي "الظلامي" الإسلامي، وكان ذلك الأساس الموضوعي الذي جعله يضع يده مع المنظومة القديمة، ومع طروحاتها التي جعلت من الحد الأدنى الثوري، أي الانتقال الديمقراطي في ذاته، محل مساءلة وموضع إمكانية للانقلاب والردة.

لكننا كنا مخطئين في الحالتين: الانتقال الديمقراطي دون رؤية جدية وواضحة لانتقال اقتصادي واجتماعي، أو ترديد شعارات الانتقال الاقتصادي والاجتماعي، والانخراط في انقلاب الثورات المضادة على مكسب الانتقال الديمقراطي السياسي لأسباب أيديلوجية، في الحالتين هناك خروج كامل عن موضوع الثورة.  

يجب أن ننطلق من مسألة أساسية، هناك علاقة مباشرة وليس غير ذات معنى بين طمع رأس المال المالي وما ترتب عنها من أزمة مالية واقتصادية دولية سنة 2008، وبالتالي أزمة القرض السكني في ولاية كاليفرنيا، على سبيل الذكر لا الحصر، وقرار محمد البوعزيزي لحرق نفسه وإطلاق شرارة الربيع العربي.

يبدو أن الربيع العربي في حالة أزمة، خاصة مع استغلال الأصولية الإرهابية ضعف دول ما بعد الثورات، وموجة الإرهاب الوحشي التي تجعل المواطن الخائف يحن لدولة "الامن أولاً"، ومن ثمة عودة منطق الأنظمة القديمة والثورة المضادة. لكن هذا السيناريو ليس غريباً في التاريخ الحديث. هذا تحديداً ما حصل في نهاية الأمر في أول ثوراته. عندما انهارت ثورات 1848  في أوروبا، أصبح المبادرون بها أي ضحايا الاقتصاد الرأسمالي الجديد هم أكباش الفداء.  

حتى هذه اللحظة لا يوجد أي ضمان لعدم تكرار ظاهرة مكررة في التجربة الرأسمالية: أزمة رأس المال المالي.

حتى الآن لا يوجد أي اعتراف جدي بالمسؤولية الواضحة ومحاسبة لطمع رأس المال المالي خلال تاريخ أزماته، وخاصة في آخر أزماته أي أزمة سنة 2008 التي انتقلت من فقاعة المضاربة الجنونية على قروض السكن الأمريكية، إلى أزمة اقتصادية دولية. على العكس ما حدث باختصار هو إنقاذ الحكومات ، ومن ثمة دافعو الضرائب للمتحيلين من مجالس إدارات الشركات الاستثمارية البنكية الضخمة، مقابل التضحية بالضحايا. 

البنك "الفيدرالي" الأمريكي هو جوهر الموضوع، الذي بعكس اسمه لا يشبه أياً من البنوك المركزية، وهو بالأساس نادٍ خاص لرأس المال المالي الأمريكي بتفويض قانوني حكومي "فديرالي" فحسب، يتحكم في السياسة المالية الأمريكية، وخاصة تخفيض ورفع نسب الفائدة من خلال بيع أو سحب الدولار.

الآن قرينسبان مدير هذه المؤسسة لمعظم العشرين سنة التي سبقت الأزمة، هو الذي قرر أن يترك سوق المال يراقب نفسه "دعه يعمل يدعه يمر"، من خلال الإصرار على عدم مراقبة استتباعات "الفقاعة المالية" التي كان واضحاً أنها قادمة باعتراف قرينسبان نفسه، وخاصة على مستوى المنتوجات المالية المتفرعة عن قروض السكن.

هذا السلوك هو الجوهر التجريبي والعملي للفكر الدغمائي الذي يمكن أن نسميه "أصولية السوق الحرة"، والذي أهم نتائجه أن نمو الثروة وهمي، هو إعادة توزيع الثروة بين مالكيها، وليس إنتاج القيمة المضافة. 

لا يمكن الحديث عن "التفكير خارج الصندوق" دون أمثلة عملية. هناك بكل وضوح الآن النموذج اليوناني حيث أغلبية الناخبين تقف وراء موقف واضح، أي إعادة التفاوض حول الإصلاحات التي فرضتها المؤسسات المالية الأوروبية والدولية.

وهنا تم خرق مقدس بدا غير قابل للنقاش أي إن إعادة التفاوض ممكنة وليست خطاً احمر، مثلما ردد بعض المتحدثين باسم هذه المؤسسات. صحيح أن الاتفاق الأخير لم يرض بشكل تام حزب سيريزا اليساري الجديد، لكنه كان تعبيراً دقيقاً عن توازن القوى الجديد.

وتطرح مثالاً، رغم خصوصيات اليونان، على الأفق الحقيقي الواجب إيجاده عربياً. حيث الاستقطاب الواقعي الطبيعي يجب أن يكون حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وليس الاستقطاب الأيديولوجي.

وحيث تكون مصالح الناس الواقعية التي تجلب اهتمامهم الروتيني واليومي هي موضوع خياراتهم السياسية، وليس تصوراتهم لعلاقة الدين بالدولة.

الآن في تونس على سبيل الذكر لا الحصر، سنرى بالتدقيق كيف أن حالة الاغتراب السياسي الراهنة في قضايا الدين والدولة، ستنتفي بتعمق التحالف بين رأسي الاستقطاب الأيديولوجي على سياسات اقتصادية واجتماعية موحدة سيتم التسويق لها، بوصفها سياسات مقدسة لا تحتمل النقاش والمساءلة وأنها شأن التكنوقراط الكفؤ، ذلك التكنوقراط نفسه الذي أنتج بعثراته الثورة.
التعليقات (0)