عمدت الحكومة السودانية خلال الأسابيع الأربعة الماضية، إلى النهل من نفس القاموس الهزيل الذي درجت الأنظمة الديكتاتورية، في مختلف القارات وبمختلف اللغات، على استخدام مفرداته لوصم جميع من يعارضونها: عملاء ومندسون ومخربون وخونة ومرتزقة وشذاذ آفاق.
مع بدء العشرية الأخيرة من القرن الماضي، كف الطغاة العرب عن اتهام معارضيهم بأنهم عملاء لروسيا، ذلك أن العمالة لموسكو صارت مستحبة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، بينما ظل الحكام العرب يحتكرون حق العمالة لواشنطن.
إقرأ أيضا: عضو بـ"علماء السودان": المحتجون مخربون وعملاء للموساد
بعد اشتعال المظاهرات المستنكرة لتدهور الأوضاع المعيشية في العديد من مدن السودان، ثم رفع المتظاهرين لشعار تغيير النظام، سعت حكومة الخرطوم إلى ممارسة خداع الذات الذي أتقنته من فرط طول الإمساك بلجام السلطة، وذلك بأن اتهمت الشيوعيين والبعثيين بتأليب شرائح مضللة من الجماهير عليها.
فات على تلك الحكومة أنه لو كان للشيوعيين والبعثيين كل ذلك التأثير على الجماهير، فلا بد أنهم يتمتعون بشعبية تفتقر اليها الحكومة، التي، وكلما أحست بأنها بحاجة إلى الاطمئنان بأنها مسنودة جماهيريا، حركت دواليب جهاز الدولة ورصدت مبالغ طائلة، لحشد الناس في ساحات بعينها، مع تلقينهم ما ينبغي أن يصدحوا به من هتاف.
خلال الحكومة الديكتاتورية العسكرية الأولى في الخرطوم (بقيادة الفريق إبراهيم عبود 1958- 1964)، كانت هناك جبهة حزبية عريضة لمعارضتها، ولكن تلك الحكومة ظلت تقوم بدور إدارة العلاقات العامة للحزب الشيوعي، فكان أن فاز بمقاعد برلمانية ذات ثقل معنوي، في البرلمان الذي تم تشكيله عقب سقوط الحكومة.
وخلال ديكتاتورية المشير جعفر نميري (جملة اعتراضية: رتبة مشير هي مارشال عند الفرنجة، ولا ينالها عسكري إلا عندما يبلي بلاء استثنائيا في معارك حربية، ولكن وفي العالم العربي، حيث "ألقاب مملكة في غير موضعها/ كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد"، فإن الضابط الجالس على راس السلطة ينالها قفزا بالزانة حتى ولو لم يكن قد نجح في اصطياد أرنب قابع في قفص في حديقة الحيوان).
خلال حكم جعفر نميري، وتحديدا في 19 تموز (يوليو) من عام 1971، أقدم ضباط شيوعيون على عملية انتحارية، بتدبير انقلاب ضده وبقوا في السلطة لثلاثة أيام (إلا بضع ساعات)، ورغم أن الحزب الشيوعي ظل منذ ذلك التاريخ في حال انكماش وذبول، إلا أن نميري ظل يهذي حتى آخر نفس في حكومته، بأن كل معارض له شيوعي أو عميل للشيوعيين.
اتهام البعثيين
عرف السودان حزبين للبعث (عراقي وسوري)، ولكن ذاك المحسوب على بغداد ظل الأجهر صوتا في الساحة السياسية، ويحظى باحترام في دوائر اليسار السوداني، ولكنني لا أحسب أن له من العضوية في عموم البلاد، ما يكفي لتسيير موكب جماهيري هادر يزعج حكومة ما، ومع هذا، وبسب كفاءته في معارضة الحكومات الديكتاتورية، فقد رأت الحكومة الحالية اتهامه بالوقوف وراء التظاهرات التي شهدتها البلاد خلال الأسابيع القليلة الماضية؛ وهو شرف لا يدعيه البعثيون، وتهمة لا ينكرونها.
الزعم بأن هناك مندسين في المظاهرات حمّال أوجه، فهو من ناحية إقرار لفظي بأن قسما كبيرا من المتظاهرين "لا غبار عليهم وأهل بلد"، ويعني من ناحية أخرى أن هذا القسم الكبير قطيع من البلهاء،
إقرأ أيضا: 5 سيناريوهات متوقعة بالسودان بظل الاحتجاجات.. تعرف عليها
الحكومة السودانية بين خياري النحر والانتحار
دور العوامل الخارجية في المشهد العربي