كتاب عربي 21

بشائر بأنّ الاحتلال الروسي سيكون قصيرا.. ومملا أيضا

1300x600
الأسد ما زال لديه قروش بيضاء سينفقها في يومه الأسود. ووصف البيضاء غير صحيح، فكل قروشه سوداء، ولا يُعرف ما إذا كان سيعيش في روسيا البيضاء، وهي باردة، أم سيهرب إلى بلد زوجته، ويكسب الجنسية البريطانية، وفيها تعلّم طبّ العيون، لكن هواه كان في الجراحة بالبراميل.

وهو يدخر بعض قروشه لدى القيصر الروسي، قطعة قطعة، ليس ليحميها من قانون القيصر السوري الذي تبنّته أمريكا، بل لكي يحوّل الأموال غير المنقولة إلى منقولة، وهو يخون بذلك شعاره الأثير الذي كان يخدّر به الشعب السوري: سوريا الله حاميها، لكنها تعرضت للتدمير.. وما كان الله مهلك القرى وأهلها مصلحون. ومعلوم أن الشعار السابق شعار ديني، لا يوافق شعارات البعث، وكان شعارا للتضليل.

ولن يحميها الدبّ الروسي الذي دُعيَ إلى الكرم السوري، والدب يحبّ العنب السوري والزبيب السوري والحصرم السوري، ولكلٍ طعم لذّة، والدبّ يحبّ الفودكا أيضاً والخمور المعتّقة، والدبّ معروف بقصر النظر وثقل المزاح، وضعف ملَكة الدعابة، التي نجدها لدى الكلب والقرد والحمار، وكذلك السبات الطويل.

لم تستطع روسيا وهي في أوج صعودها الاشتراكي، وفي أيام عظمة الاتحاد السوفييتي، أن تبشّر بديانتها الاشتراكية ثقافياً، وهي بلاد غنية بالثقافة، ولديها أمجاد، ويمكن أن نتذكّر من أمجادها العتيدة السينمائية فيلم سيرغي أينشتاين الصامت: "المدرّعة بوتمكين" المبكر الذي أُخرج سنة 1925، والذي ما زال يدرّس في المعاهد السينمائية، وكان قد اختير كأفضل فيلم في بروكسل سنة 1958. والفيلم يؤرخ للثورة العمالية سنة 1905 في بطرسبرغ.

توم وجيري الروسيان:

وتظهر في الفيلم جرعة الأيديولوجيا والتعبئة الخشنة التي وسمت الثقافة الروسية السوفييتية قرناً كاملاً، بينما نجد الأيديولوجيا ذائبة في الأفلام الغربية مثل السم في العسل. وقد صارت التعبئة الحزبية والدعوة الفكرية مرضاً روسياً عضالاً، لكن لا بد من الاعتراف بأنه في الأدب الروسي أدباء كبار، نتذكر منهم تولستوي، ودوستوفسكي، وأن تشيخوف هو أبو القصة العالمية المعاصرة، لكن قصصه كئيبة، منفّرة على جمالها، وحزينة.

ويمكن أن نتذكر اللوحات الروسية ذات الألوان الكابية، ويمكن للمهتمين أن يذكروا الشاعر بوشكين، وقصة حياته، التي تعد أكثر درامية من حياة شكسبير، ونتذكر ليرمنتوف وباسترناك، وأن نتذكر أفلام كرتون "يا ويلك يا أرنب" التي قلّد بها الروس توم وجيري، ودار التقدم التي كانت تطبع كتباً شاحبة، في أغلفة أنيقة خالية من البهجة واللون، وأن الثقافة التي جهدت دور نشر سوفييتية برعاية رسمية مثل البرافدا، ودار التقدم، ودار رادوغا، في بثها والتبشير بها، بالإضافة إلى بعض دور النشر اليسارية، لم تُجدِ، فماتت، وما لبثت أن تحوّلت دور النشر إلى محلات للأحذية. وسنجد أن المثقفين اليساريين تحولوا إلى الليبرالية. لقد سقطت الثقافة الاشتراكية السوفييتية سقوطاً مدوّياً، بخلنا عليها حتى بالرحمة.

حضارة هلكت بالعلكة:

ويمكن أن نتذكر رواية الأم لمكسيم غوركي، وغيمة في سروال مايا كوفسكي، لكن كل هذه الروايات والقصص والقصائد ظلت ضعيفة الجاذبية. كان العرب يحبون رثاء الخنساء لأخيها، وبسالة نسيبة الأنصارية، وشجاعة خولة بنت الأزور، وكبرياء هند بنت عتبة. وسنتذكر أن الشاعر السوري أيمن أبو شعر، الذي لقبه الأمين العام للحزب الشيوعي بمايا كويسكي الدمشقي؛ اختفى من المشهد الشعري، ولم يعد يذكره أحد.

لكن سيذكر المتذكر أيضاً أنَّ معظم هذه الآثار الرائدة هي من الحقبة القيصرية، وأنَّ الحقبة السوفييتية باهتة، وكانت حقبة فقر وجوع، وأن حقبة سبعين سنة من الحكم الشيوعي، لم تنتج شيئاً ذا بال، مع أن آلافاً من الطلاب السوريين أوفدوا إلى روسيا زرافات ووحدانا، ودرسوا في جامعة الصداقة، وعادوا ومعهم جميلات روسيات استحوذوا عليهن من غير خيل ولا ركاب، غير وسامتهم وفحولتهم، وحبهم للعلوم "اللدنيّة"، أثناء الغزو العلمي، وتجارة العلكة وبنطلونات الجينز.

ويمكن أن نعتبر أن ازدهار صناعة العلكة في سوريا كان سببه الحسناوات الروسيات وجامعة الصداقة، التي عاد منها طلابنا بالشهادات العلمية، أما الطلاب الذين نزحوا إلى الغرب على حسابهم، فلم يعودوا إلى الوطن، فكانت رحلة بلا عودة، فقد استوطنوا في الفردوس الغربي، الذي كان يمنح حق اللجوء السياسي، ويرحب بالمواهب التي لم يكن الروس السوفييت يحتاجونها، وأن آلاف الضباط السوريين واليمنيين والليبيين والأفارقة أوفدوا إلى روسيا، ولم نجد لهم أثراً في المشهد العام الثقافي، فالضباط عادوا، والتحموا بآلة القمع والبطش، والنخبة العلمية الموفدة نسيت الثقافة، وانشغلت بالمال ولقمة العيش، لأن الأصل فاسد في البلدين.

وقد يقال دفاعاً عن الثقافة الروسية، إن الثقافة الغربية الرأسمالية استهلاكية، وكلمة الاستهلاك كلمة مرذولة، وكأن الروس كانوا يقضون أوقاتهم في محاريب الصلاة واليوغا، فهي حضارة استهلاكية أيضاً من غير ثقافة، أو بثقافة ضعيفة غير قادرة على الانتشار.

سوريا الاشتراكية في سفينة الحب:

بل إن دولنا الاشتراكية كانت تبث في تلفزيوناتها، وهي في عزّ اشتراكيتها، مسلسل "سفينة الحب"، ومسلسل الكاوبوي "ذا فيرجينيا"، الذي بلغت حلقاته 249 حلقة! وكانت الأفلام التي تعرض في دور السينما السورية أمريكية أو غربية فرنسية وبريطانية، ولم تستطع روسيا أن تصنع بطلاً مثل جيمس بوند، أو رامبو، أو شوارزينغر. ورأينا بوريس يلتسين وهو يتوق إلى ركوب فرس، وحمل مسدس مثل الأطفال في العيد، عندما زار أمريكا لحضور مؤتمر قمة. كانت الاشتراكية السورية رأسمالية عائلة، وإمبريالية الشكل والمضمون.

أمريكا وروسيا كلاهما استعمار، فقد شرد الاتحاد السوفييتي شعبه، ونكّل بالقوميات، كما أبادت أمريكا الهنود الحمر، لكن أمريكا أذكى وما تزال أقوى. فثقافة الدب الروسي لم تكن جذابة، ولم تكن اللغة الروسية جذابة نطقاً أو علماً، وكانت الإذاعة السوفييتية موحشة بلكنة المذيعين الروس، مقارنة بالأصوات العربية الدافئة في إذاعة لندن، التي كانت تبدأ صباحها بالقرآن الكريم، بأصوات المنشاوي، ومحمد رفعت، والحصري، وتشجي سهرات لياليها بصوت بأم كلثوم.

كما أن إلحاد الثقافة السوفييتية وأرثوذكسية الروس الحادة من أسباب نفور العرب المسلمين والمسيحيين من الروس. تجثم على هذه الثقافة ذكريات العداء العثماني الروسي والحروب بينهما، واضطهاد الروس للشعوب الإسلامية التي حاربتها وأبادتها وأقصتْها. فالقوقاز المسلمون والطاجيك والتركمان والأدريين هم هنود حمر روسيا. كل ذلك من أسباب النفور العربي الروسي.

حاول كاتب هذه السطور الاطلاع على أجمل الأفلام الروسية في قوائم أفضل عشرة أفلام روسية الشائعة في مواقع النت، فلم يجد فيلماً يستحق المشاهدة.

هذا ليس مديحا في حضارة أمريكا العنصرية، ولا في حضارة بريطانية الاستعمارية البغيضة التي وهبت فلسطين لإسرائيل، فلا يخلو فيلم أمريكي من إهانة العربي والمسلم، لكن هذا تبشير بأنَّ الاحتلال الروسي سيكون أضعف من الاحتلالين الإنكليزي والفرنسي، وأقصر عمرا، والله أعلم.

twitter.com/OmarImaromar