قضايا وآراء

في الذكري السنوية الثانية.. قضية خاشقجي لم ولن تطوى

1300x600
أصدرت النيابة العامة في تركيا أواخر أيلول/ سبتمبر الماضي؛ لائحة اتهام ثانية في جريمة اغتيال جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول في تشرين الأول/ أكتوبر 2018. التوقيت بدا لافتاً طبعاً لتزامنه مع الذكرى السنوية الثانية للاغتيال وإقفال السلطات السعودية للجانب الجزائي للقضية بشقيه العام والخاص، كما التحضيرات لانعقاد الجلسة الثانية للمحاكمة التركية للمتهمين - غيابياً - في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم.

ثمة دلالات عديدة للائحة الاتهام الثانية التي استهدفت ستة متهمين، بينهم اثنان من موظفي القنصلية السعودية بإسطنبول ممن قاموا باستدراج الشهيد إليها رغم معرفتهم بما ينتظره، وأربعة موظفين سعوديين رسميين آخرين حضروا خصيصاً إلى إسطنبول لإزالة أثار الجريمة قبل السماح بدخول المحققين الأتراك للقنصلية ومنزل القنصل القريب منها، بينما استهدفت لائحة الاتهام الأولى عشرين متهما، وهم الفريق المنفذ للجريمة ومن قاموا بإصدار الأوامر والتعليمات له وتغطيته سياسياً وقانونياً ولوجستياً، وتحديداً مساعدَي ولي العهد محمد بن سلمان؛ مستشاره المقرّب سعود القحطاني ونائب مدير المخابرات العميد أحمد العسيري.

اللائحة الثانية تحدثت بالتفصيل عن كيفية قيام موظفين باستدراج خاشقجي إلى القنصلية، رغم معرفتهم بما ينتظره، بعدما تم إبلاغ الرياض بحضوره للمرة الأولى (الجمعة 28 أيلول/ سبتمبر)، ثم إجراء التحضيرات اللوجستية لاستقبال الفريق المنفذ للجريمة بعد ذلك بأيام، ولذلك طلبت لهم السجن المؤبد، كما شرحت كيف قام أربعة موظفين رسميين حضروا خصيصاً من السعودية إلى تركيا لإزالة آثار الجريمة من مبنى القنصلية وبيت القنصل، بما في ذلك تنظيف السجاد وطلاء جدران مكاتب القنصلية وإعادة طلاء الفرن في بيت القنصل، في ظل تلكؤ متعمد من السلطات السعودية الرسمية في السماح لفرق التحقيق التركية بدخول المبنيين وإجراء التحقيق اللازم.

رغم كل العراقيل، نجحت الأجهزة التركية المعنية (كما اتضح من لائحة الاتهام الثانية)، وباستخدام تقنيات علمية متقدمة، في اكتشاف بقع دم للمغدور وتكوين تصور شامل عن الجريمة، بما في ذلك كيفية تنظيف وإزالة آثارها عن عمد.

عموماً وبعيداً عن التفاصيل والحيثيات اللافتة، تؤكد لائحة الاتهام الثانية على عدة معطيات مهمة؛ أولها مهنية ونزاهة وجدية التحقيقات التي تقوم بها السلطات التركية، مع بذل جهود مكثفة وجبارة لكشف كافة ملابسات الجريمة وتفاصيلها، ومحاسبة المجرمين عنها.

لائحة الاتهام الثانية تؤكد من جهة أخرى، الإصرار على المضي قدماً في المحاكمة التي انطلقت أولى جلساتها في حزيران/ يونيو الماضي، ويفترض أن تنطلق جلستها الثانية الشهر القادم بكل التحضيرات والتحقيقات اللازمة لها.

طبعاً، جهود النيابة العامة التركية والأجهزة التابعة لها، بما في ذلك لائحتا الاتهام، تفضح مجتمعة المحاكمة السعودية الناقصة والجزئية وغير الجدية، وحتى والمثيرة للسخرية حسب تعبير المحققة الأممية أغنيس كالامارد، حيث لم تهتم المحاكمة بمعطيات وقرائن وأدلة مركزية مثلماً اتضح من لائحتي الاتهام، ولم تقم بالإجابة عن الأسئلة المركزية الثلاث: أين جثة خاشقجي؟ ومن هو المتعاون المزعوم الذي قام بإخفائها؟ ناهيك عن السؤال السياسي التمثل بهوية من اتخذوا قرار تصفية الشهيد وتوجيه مرؤوسيهم للقيام بذلك، علماً أن السلطات السعودية لم تقم باتهام ومحاكمة موظفي القنصلية رغم انخراطهم الجدي، ولا حتى فريق إزالة الآثار الذين شاركوا في الجريمة والتستر عليها.

الكشف عن حضور فريق سعودي من الرياض إلى إسطنبول لإزالة آثار الجريمة، يكرس بالتأكيد الطابع الرسمي لها، كونهم موظفين حضروا بتكليف من الحكومة السعودية التي ماطلت لأبعد مدى في التعاون مع جهات التحقيق التركية، للتأثير على مجرياته ومهنيته وشموليته.

لائحة الاتهام الثانية تؤكد في دلالاتها المركزية طبعاً على استحالة إغلاق القضية، وأن ما قامت به السلطات السعودية مجرد إغلاق وهمي بحت، حيث أن تركيا مستمرة في مسارها المهني الجنائي والقضائي، والقيام بواجباتها ومسؤولياتها من أجل كشف ملابسات الجريمة ومحاسبة المسؤولين عنها دون استثناء أو محاباة.

في هذا الجانب تحديداً (أي استحالة إغلاق القضية وطيّها)، وإضافة إلى ما سبق، يمكن الانتباه إلى مراسم إحياء الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد خاشقجي في تركيا وأمريكا ومناطق أخرى من العالم.

في إسطنبول أحيا أصدقاء الشهيد المناسبة أمام القنصلية، إضافة لفعاليات مختلفة ذات طابع سياسي وإعلامي وقضائي، مع إصرار على المضي قدماً في جهودهم وفعالياتهم حتى تحقيق العدالة ومحاسبة الجناة.

وبشكل لافت ومعبر أيضاً، صرح وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو (وكالة الاناضول- 1 تشرين الأول/ أكتوبر) في الذكرى السنوية للجريمة، مؤكداً مرة أخرى على مواقف تركيا المعلنة التي لم تظهر أي عداء للسعودية ولا تسعى لأزمة مع الإدارة والشعب السعوديين، وإنما تقف فقط ضد قتلة خاشقجي وعدم تسليمهم للعدالة لينالوا جزاءهم.

في أمريكا، حيث كان يقيم الشهيد ويكتب مقاله الأسبوعي في واشنطن بوست، كانت أيضاً فعاليات سياسية وتشريعية وإعلامية، بما فيها بيان من المرشح الرئاسي جو بايدن ومواقف لنواب بارزين في الكونغرس، إضافة لتغطية موسعة في كبريات الصحف ووسائل الإعلام الأمريكية والعالمية، وكلها تصب في اتجاه الهدف ذاته: رفض طيّ القضية وإغلاقها، والتمسك بإبقائها حية حتى تتم محاسبة المجرمين وداعميهم والمتسترين عليهم، دون إفلات أحد منهم من العقاب.

في المناسبة أيضاً تم تأسيس منظمة داون للدفاع عن الديمقراطية في العالم العربي، وهي واحدة من طموحات وآمال الشهيد خاشقجي من أجل كشف تجاوزات نظام ابن سلمان والأنظمة المتحالفة معه، كما شركائه المحليين في انتهاكات حقوق الإنسان وملاحقة المعارضين والتنكيل بهم.

الأسبوع الحالي شهد رفع قضية في أمريكا من قبل منظمة داون بالتضامن مع خديجة جنكيز خطيبة خاشقجي، ضد حاكم السعودية الفعلي محمد بن سلمان إضافة الى عشرين متهماً آخرين، لمسؤوليتهم عن الجريمة أفراداً ومجتمعين، ما يعنى ببساطة أن القضية أبعد ما تكون عن الإغلاق والطي، لا جزائياً وجنائياً ولا سياسياً وإعلامياً أيضاً.

في هذا الصدد أيضاً أجمعت وسائل إعلامية دولية مختلفة على اشتداد وتيرة القمع من قبل ابن سلمان ضد معارضيه منذ الجريمة، لشعوره "الوهمي" بأنه نجا وأفلت من العقاب، ومن هنا أهمية المضي قدماً في القضية وإجراءاتها حتى النهاية، ليس فقط لتحقيق العدالة والإنصاف للشهيد وأصدقائه وتكريس سيادة القانون، وإنما لمنع ابن سلمان من المضي قدماً في سياساته القمعية والإجرامية في الداخل أيضاً وليس في الخارج فقط.